يـا سَيْفَ 'هاشمَ ' رُدَّها عَرَبِيّةً  قُرَشِيّةً وافتَحْ بِسَيْفِكَ بابهـا 


عمون 
 في الذكرى الثامنة والستين للاستقلال
 للشعر ما يقول .. 

الشاعر حيدر محمود 

لكَ هذه الصحراءُ ، فاطوِ شِعابَهـا 

وَأعِدْ إليها روحَهـا وشبـابَهـا 


وَأقِمْ صلاةَ النّخْلِ تَلْقَ خُيولَهـا 

مُصْطَفّةً .. وعلى الخُصورِ حِرابَها 


وَتَرَ الرِّمالَ الهاجِعاتِ على الأسى 

ناراً تُذيقُ الظّالمينَ عَذابَهـا 


وَتَرَ القَصائِدَ تَسْـتَعيدُ جَمالَهـا 

وَجلالَها .. وتكونُ أنتَ كِتابَهـا 


يـا سَيْفَ 'هاشمَ ' رُدَّها عَرَبِيّةً 

قُرَشِيّةً..وافتَحْ بِسَيْفِكَ بابهـا 


وافْرِدْ عباءَتَكَ الشّريفةَ خَيْمَةً 

يأوي إليها العاشِقونَ رِحابَها 


الحافظون عهودَها ،والحارسونَ 

حُدودَها، والرّافِعونَ قِبابَهـا 


القانِعونَ بِتُرْبِها كي لا تَرى 

نَفْسٌ على أحْسابِهِمْ أحسابَهـا 






قَبَّلْتُ خَدَّ 'السّيْفِ' قُبْلَتَيْنْ 

وَفَوْقَ زنْدِهِ زَرَعْتُ وَرْدَتَين 

عابِقَتَيْنِ بِالشّذى .. وَمشنْ رُموشِ اعيْنْ 

نَسَجْتُ رايةً لِحَدِّهِ، 

ورايةً لِمَجْدِهِ ، 

وقلتُ للجدائِلْ : 

رُدّي عن الجَبين الشّمسَ يا جدائلْ 

وقُلْتُ للسّنابِلْ: 

رُشّي طَريقَهُ بالعِطْرِ يا سَنابِلْ 

وعانِقيهِ يا سُيوفُ ، فَهْوَ أكْرَمُ السُّيوفْ 

وَلْتَنْتَظِمْ وراءَ خَطْوِهِ الصُّفوفْ 

وَلْتَهْزِجِ الخيلُ التي طالَ بِها الوقوفْ : 

إفْرِدْ جَناحَكَ النّبيلَ في المَدى 

يا ظِلَّ هاشمَ الظّليلْ 

وَرُدَّ غُرْبَةَ النّخيلْ 

وَأدْرِكِ القوافِلَ المُتْعَبةَ الخُطى 

وَكُنْ لها الرّائِدَ والدّليلْ 

يا قَمَرَ الصّحراءِ رُدَّ غُرْبَةَ النّخيلْ 

وَخُطَّ فَوْقَ الرَّملِ سَطْكَ الجَميلْ

مبارك اوائل الثانوية العامة في المملكة الاردنية الهاشمية


المؤرخ ياسين العجلوني
مبارك اوائل امتحان شهادة الثانوية العامة في المملكة الاردنية الهاشمية الاردن
مبارك
  ظهر الخميس
الساعة 12:23
اوائل الثانوية العامة:

 الاوائل العلمي

98.9 ديما محمد يوسف خصاونة
98.8 رحمة عبد الله احمد الزويدي
98.8 مالك محمد صالح حوامدة
98.6 لانا محمد خليل دودين
98.4 اسماء عاطف اسحاق الجولاني
98.3 جود صادق فهد الكرمي
98.3 رهف زياد لاهي ملحم
98.3 دينا زياد احمد جابر
98.2 مرام عبد الرحمن احمد الجويد
98.2 علا احمد علي العمري
98.2 محمد ماجد محمد نصير

اوائل  الادبي
98.9 دانا يوسف شحادة شامية
98.7 رحمة عاد حمد الداودية الطفيلة
98.5 اية صلاح الدين صلاح الدين
98.4 حنين بسيم موسى العاصي
98.2 تقوى احمد صالح
98.1 ديما ياسر عباس الخطيب
97.8 دعاء غسان محمد حسونة
97.8 دانا محمد اسماعيل فيضي
97.8 هيفاء عبد الحكيم
97.8 مروة نزار محمد درويش

نص كتاب الاثار الكاملة للملك عبد الله الاول الجزء الثالث

بسم الله الرحمن الر&#15#1581;يم
إلى القدس لمقابلة مستر تشرشل
ثم تلقيت مذكرة من السر هربرت صمويل، المندوب السامي البريطاني بالقدس، يدعوني فيها لزيارة القدس ومقابلة وزير المستعمرات، فأجبت الدعوة وتعين اليوم·
ولما وصلت إلى السلط، وجدت هناك الكولونيل لورنس ومعه أحد قواد قوة الطيران البريطانية، لمقابلتي والذهاب معي إلى القدس· وتعشيا معي بحفل كبير في بيت الوجيه يوسف السك، وبالليل أخبرني بملخص ما يريد قوله وزير المستعمرات لي من عدم إمكان رجوع الملك فيصل إلى سوريا، إلى غير ذلك مما سيأثبته في المتن بعد هذا·
وتوجهنا في اليوم التالي إلى القدس، وتغدينا بالطريق عند المدفع التركي المقذوف في نهير شعيب· وكان معني في سيارتي لورنس، وكانت سيارة عسكرية بريطانية يقودها جاويش بريطاني، وكان معي في الركب كل رجالات سوريا وفلسطين، ورأيت بالنزل في أريحا جل أعيان فلسطين وعلى رأسهم موسى كاظم باشا الحسيني رحمه الله من علماء وأعيان ومحامين ورؤساء روحيين· فكانت خطب حماسية وأجوبة مناسبة·
ثم استأنفنا السير في قطار طويل من السيارات.
ولما أقبلنا على العيزرية، صادفتنا دراجة آلية، فدارت وقال سائقها لقائد السيارة - وقد حيا لورنس - يجب أن لا تقف عن المستقبلين بالعيزرية· وأعلمني بذلك لورنس، فقلت له: ليس من اللياقة أن لا نقف· فقال: لا أستطيع الأمر على سيرجنت·· فمرت بنا السيارة مسرعة وكنت واقفاً فيها أحيي الجموع، فامتعض الناس وحق لهم أن يمتعضوا، ولكن ما كان في الإمكان إلاّ ما حصل أو أن يقذف الإنسان بنفسه، واعتقدت أن القوم حينما يعرفون حقيقة الحال سيعذرونني·
فوصلنا إلى دار الحكومة - وكانت بالعمارة الألمانية في جبل الطور - وهناك ثلة عسكرية معها علماء وموسيقاها فحيتني وفتشتها· وكان بالباب السر هربرت صمويل المندوب السامي فقابلني هاشاً وبمعيتي غالب بك الشعلان، فدخلنا إلى البهو ووجدنا أن الشاي قد أحضرت موائده وعائلة المندوب هنالك· وبعد التعارف وتناول المرطبات دللت على حجرتي في الجناح الخاص فوجدت هناك حقائبي وهناك أيضاً محمد بك العسبلي المرافق الخاص·
أما السر هربرت صمويل فلا بد لي هنا من ذكر دماثة أخلاقه وجم أدبه وكماله، فهو سياسي محترم كامل· ولقد كان له ذلك الموقف الذي لا أنساه له، وهو موقفه عندما بلغني أن المطلوب من الوالد المرحوم ترك العقبة والسفر إلى قبرص يوم كارثة الوهابيين، بذلك اللسان الرقيق والتأثر باد عليه - وكان مع الكولونيل كوكس المعتمد السابق - وكانت الدموع ملء عينيه فقال: أرجوك أن تخبرني بكل ما يجيش به صدرك فإنني مقدر الموقف· فقلت: لا بأس عليك وأنني شاكر لك عواطفك، وهذه الدنيا كثيرة المحن وسنصبر ونحتسب· ثم أنه عند انقضاء مدته ورجوعه إلى انكلترا قصد السفر إلى قبرص لزيارة الوالد المرحوم الذي عرفه بعمان يوم أن زار شرقي الأردن· وهذه أمور يجب عليّ أن أذكرها له بكل امتنان، والمنة للّه·
ثم لما حان وقت العشاء، اجتمع الكل في البهو الكبير، وفيه المستر ونستون تشرشل؛ فحصل التعارف وجلسنا على المائدة، فكان هو الثاني عن يمين المندوب السامي وكنت الأول عن يسار الليدي صمويل· وفي أثناء الطعام قال لي وزير المستعرات مستر تشرشل: ماذا وقع «ي الشجرة» لقد عصفت عناك عاصفة عصابة فاعتدت وقتلت، ولقد تلقيت من الحكومة برقيات تشير إلى هذا الحادث الذي يعزي وقوعه إلى تأثيرك؛ ولكن لي منكبان ضخمان يحتملان عنك احتجاج الحكومة· فقلت: أشكر فخامتك - أقول ذلك وأنا أبتسم - على أنه لم يبلغني خبر هذا الحادث إلاّ من فخامتك الآن، وأنني لم أتعهد لأحد بأي تعهد في معناه منع الناس عن الدفاع عن أوطانهم· والتفت إليَّ غالب بك الشعلان فسألته، فقام عن مقعده وضرب رجلاً برجل فحياني تحية عسكرية وقال: لعلها حركة لصوص غير مقصودة، أما الهيئات الوطنية فهي في انتظار أوامرك فيما ستفعل· وبالطبع تُرجمت هذه العبارات على مَنْ بالمائدة، وكان الوزير قد تعجب من غالب بك·
ثم انتهى العشاء وأديرت السجاير والسيجار على مَنْ يدخن· وكنت حين ذاك أتنشق، فأخرجت علبة سعوطي، وهي علبة ذهبية منمقة بالميناء الأخضر وعلى سطحها أشعة شمس غاربة في شفق أحمر غاية في الظرف، فطلب إليَّ العلبة فقدمتها له وبها نشوق افرنجي يسمى بالتركية (رندة)، فتناول منه ضمة فعطس وضحك· ثم قمنا عن المائدة على وعد الاجتماع به صباح الغد في الساعة التاسعة والنصف·
كانت المقابلة كا ذكر وفي الساعة المعينة، واحتوى المجلس من الانكليز وزير المستعمرات مستر ونستون تشرشل، والمندوب السامي السر هربرت صمويل، والسكرتير العام لفلسطين سر وندهام ديدس، والكولونيل لورنس، وكنت بقيد الجلسة· وكان من الجانب العربي أنا وعوني بك عبدالهادي، ففتح الحديث وزير المستعمرات بذكر المقاصد الطيبة التي جمعت بريطانيا والعرب في الحرب وبالآمال المنوطة بتلك الروح وبذكر التعاون الذي حصل في الحرب، ثم ذكر جهود بريطانيا في الحيلولة بين حدوث ما حدث بين فرنسا والعرب، ثم قال: لذلك ولأن انكلترا محايدة في القضية بين العرب والفرنسيين - وهم حلفاؤها - فإنها تنصح - وهو يبلغ هذه النصيحة إلى - بلزوم انصراف الأمير فيصل بن الحسين عن سوريا وسفره إلى العراق ليرشح نفسه لملك العراق· وأن الحكومة الانكليزية تعلم أن فرنسا لا تشتغل بوجه من الوجوه مع الملك فيصل أو الأمير زيد، وأنها لا تريد أن ترى على عرش العراق إلاّ الشخص الذي تعتمد عليه؛ وأن طلاب عرش العراق كثيرون منهم ابن النقيب، ومنهم ابن سعود، وخزعل خان، وأنه يجب عليَّ أن أساعد على هذا الغرض وأؤثر على والدي أن يقبل به، وأو أؤثر على العراق أن يرضوا بالأمير فيصل وأن أبقى أنا هنا في شرق الأردن على تفاهم معهم، فأسير بالناس سيرة تبتعد عن تحدي الفرنسيين؛ وأنه إذا تم هذا فإنه يؤمل أن تعيد فرنسا النظر في الأمر وبالنتيجة فإنه يعتقد الاستطاعة بعد ستة أشهر في أن يهنينا برجوع الشام إلى أيدينا·




صاحب المذكرات وإلى يمينه الليدي صمويل , وإلى يساره السير هربرت صمويل فالمستر تشرشل وعقيلته فالسير وندهام ديدس ( في دار الحكومة بالقدس سنة 1921


ثم قال: إنكم إن لم تفعلوا هذا ستضيعون كل شيء، وإنه في إمكان ابن سعود أن يصل إلى مكة في ثلاثة أيام، وإن انكلترا عملت ما تستطيع، فقلت له: أما فيما يخص بابن سعود وفيما ذكرتموه من إمكان دخوله مكة في ثلاثة أيام فذلك ممكن ومن الممكن أن لا يتمكن··· وإذا أرادت العرب استبدال بيت ببيت فذلك من حق العرب· ولكن ما هو مركز ابن سعود اليوم في نظر بريطانيا؟ هل هو ملك أو سلطان أو شيخ عشيرة أو ماذا؟! فنهض عن كرسيه إلى الشباك، وو&#1#1590;ع يده اليسرى على خاصرته، ثم التفت إلى لورنس وقال له: قل للأمير أن هذا السؤال لا أستطيع الرد عليه إلى أن أسأل الوزارة·
ثم قلت له: أما فيما يخص أن اعمله هنا فإنني أوافق على وجاهة الرأي، ولكن لا أستطيع قبوله حتى أعرضه علي زعماء البلاد وأحزابهم، وهم هنا معي ومن غاب فله من يمثله، وأجيبكم غداً في مثل هذه الساعة· وأما أهل فلسطين فهم يرفضون وعد بلفور ويصرون على عروبة فلسطين وكذلك هي، ولا نستطيع أن نرضى بفناء أهل فلسطين من أجل يهود العالم، وأنهم ليسوا كالنبات أو الشجر كلما قلم نبت، ولهذا شأن يطول· فقال: لقد أتعبناك، وإننا لننتظر جوابك في الغد·
وقد اجتمعت بالذوات الذين معني والذين ذكرت أسماءهم في مقدمة هذا البحث فوافقوا اجماعاً· وفي الوقت المعين من اليوم الثاني، أبلغت الخبر وتقرر أن يزور المندوب السامي عمان لوضع الأساس للاتفاق على تشكيل الإدارة في جميع نواحيها: الجيش والمال والمعارف والعدلية وسائر الفروع·
[FONT='Lotus15','serif'][/FONT]


صاحب المذكرات وإلى يمينه الكولونيل لورنس , وإلى يساره ماريشال الجو سالموند فالسير وندهام ديدس ( في دار الحكومة بالقدس سنة 1921 )



أول حكومة في شرق الأردن
مجلس المشاورين

وفي أوائل شهر نيسان 1921 أول حكومة في شرق الأردن سمى رئيسها «لكاتب الإداري»وهو يرأس مجلس المشاورين المؤلف ممن يلي:
الكاتب الإداري ورئيس مجلس المشاورين رشيد بك طليع
ووكيل مشاور الداخلية
نائب العشائر الأمير شاكر بن زيد
قاضي القضاة الشيخ محمد الخضر الشنقيطي
مشاور العدلية والصحة والمعارف مظهر بك أرسلان
مشاور الأمن والانضباط علي خلقي بك
مشاور المالية حسن بك الحكيم
معاون نائب العشائر السيد أحمد مريود
وبتاريخ 17 نيسان حضر لزيارتنا في عمان السر هربرت صمويل المدني، المندوب السامي لفلسطين، بصحبة المستر ديدس السكرتير الإداري المدني، والكولونيل لورنس، واللورد ادوارد هاي؛ وفي اليوم التالي القى المندوب السامي خطاباً جاء فيه:
كان من دواعي شرفي أنني حظيت بمقابلة صاحب السمو الأمير عبدالله بدار الحكومة في القدس بمناسبة زيارته لفلسطين، كما حظيت بمقابلة المستر ونستون تشرشل أحد أعضاء الوزارة الانجليزية·
إن الحكومة البريطانية ترحب بالفرصة السانحة للتعاون في شرقي الأردن مع سمو الأمير عبدالله، الذي لها في حسن نيته وصداقته كل ثقة؛ وهي تقدر قيمة الصداقة وحسن النية التي تجلت في خلال هذه الحرب الضروس التي دارت رحاها في كل هذه المدة الطويلة؛ وتعلم الحكومة البريطانية كما تقدر الخدمات التي قدمتها جيوش العرب في ذاك الكفاح وترغب في أن توطد في زمن السلم دعائم التحالف الذي بنى في خلال هذه الحرب·
فأجبته قائلاً:
إنني أشكر فخامتكم على خطتكم القومية، وأقول بالإجابة عن نفسي وبالنيابة عن الحاضرين أن الأمة العربية ستبر&#160#1607;ن على أنها قادرة على تحقيق الآمال التي وضعت فيها وأنها جديرة بكل ما تساعدهم فيه حليفتهم الكبرى·
وفي منتصف شهر أيار 1921 وقع حادث الكورة· وبتاريخ 5 تموز 1921 جرى تبدل في مجلس المشاورين، على أثر استقالة رشيد بك طليع وإعادة تأليفه المجلس، كان هذا التبدل عبارة عن جعل مظهر بك رسلان مشاوراً للمالية بدلاً من حسن بك الحكيم وتعيين رشدي بك الصفدي مشاوراً للأمن والانضباط بدلاً من علي خلقي بك وادخال غالب بك الشعلان في المجلس بعنوان «مشاور القيادة العامة»·
مجلس المستشارين
وفي منتصف شهر آب سنة 1921 استقال رشيد بك طليع وحل محله مظهر بك رسلان وألفت الحكومة على الوجه الآتي، وقد أبدل عنوان المجلس فصار يسمى مجلس المستشارين، ودعي الرئيس برئيس المستشارين:
رئيس المستشارين والمستشار المالي مظهر بك رسلان
نائب العشائر الأمير شاكر بن زيد
مستشار الأمور الشرعية الشيخ محمد الخضر الشنقيطي
مستشار الأمن والانضباط رشدي بك الصفدي
مستشار القيادة العامة غالب بك الشعلان
معاون نائب العشائر السيد أحمد مريود
وخلال شهر تشرين الثاني أُلغيت مستشارية الأمور الشرعية، وأضاف رئيس المستشارين إلى نفسه لقب المستشار الملكي وعيّن شكري بك شعشاعة وكيلاً للمستشار المالي·
وفي بداية شهر شباط 1922 حضر من دمشق أحمد حلمي بك وعيّن مستشاراً للمالية·
وفي أوائل شهر آذار 1922 وصل رضا الركابي وألف حكومته الأولى بتاريخ 12/آذار 1922 و41 رجب 1240 بعنوان رئيس المستشارين وعيّن الرئيس السابق مظهر بك رسلان مستشاراً ملكياً، وبقي كل من نائب العشائر والمستشار المالي في منصبه·
وفي أوائل شهر أيار 1922 وصل ابراهيم بك هاشم وعيّن مستشاراً للعدلية، ثم جاء الشيخ سعيد أفندي الكرمي خلال شهر آب 1922 وعين قاضياً للقضاة·
إلى لندن
وفي يوم الثلاثاء المصادف 3 تشرين الأول 1922 و 12 صفر 1341 سافرت وبمعيتي الركابي باشا إلى أوروبا؛ وقد عدت تاركاً الرئيس هناك، فوصلت عمّان في أوائل كانون الثاني 1923 - 14 جمادى الأولى 1431 وفي اليوم التالي ألقيتُ على الوفود البيان التالي:
ليس من عادتي كتابة خطاباتي ثم تلاوتها، ولكن في سوء تصرف الرواة وتحريف بعضهم للقول وأهمية الموضوع ما يحملني على ما ترون؛ ولذلك أتلو عليكم ما سيأتي:
لا شك في أنكم تتطلعون إلى ما ستسمعونه عن رحلتي المعلومة، وأنتم محقون في ذلك وعليه أقول: اعلموا أن هذه الرحلة كانت لصالحكم وأنها والحمد للّه فيها كل ما هو مطابق لمصالحكم ورغائبكم، خصوصاً أمر استقلال منطقتكم فإنه الجزء المهم من سلسلة التشبثات التي ستطلعون على تفاصيلها إن شاء الله تعالى، بعد قدوم دولة رئيس المستشارين المتخلف لإنهاء هذه الأغراض·
وعلاوة على هذا قول لكم إنني رجعت وكل رجاء في الوصول بمشيئة الله إلى النتيجة الحسنة فيما رمت إليه النهضة العربية المستندة إلى الآمال القومية، وإنني كما قلت للجموع في موقفي هذا عند قدومي إلى هذه المنطقة كما تتذكرون، من أنه لو كانت سبعون نفساً فقدتها كلها في سبيل القومية والوطن لما رأيتني قمت بالواجب·
ولكن لخدمة الوطن وجوهاً ولكل وجه سبب، وأفضل تلك الوجوه الآن وفي كل آن، أسلمها عاقبة وأقلها ضرراً· ومع أنني عالم بثقل لوازم الوطن ومقتضياته ومتاعب الوصول إلى غاياته، أقول أن كل هذه الصعاب ستذلل إن شاء الله بالحكمة القومية والتعقل العبقري اللذين ورثتموهما عن آبائكم مع الاتكال على الله تعالى في كل الأحوال·
ويحسن بي القول هنا أيضاً أنني قد عدت من هذه الرحلة وأنا مشاهد آثار المودة البريطانية التي سنجني باستمرارها حقائق المنافع المرموقة، كما وأنني عظيم الرجاء في أن الحكومة الجمهورية الفرنسية الفخيمة الموجودة الآن على الوجه المعلوم بالقسم الشمالي من وطننا المحبوب، لا تحمل حقداً على قوميتنا وقضيتنا، وإننا بمشيئة الله سنصل قريباً إلى إسعاد الوطن كله بتعضيد دولتي التحالف الكبيرتين وانكشاف الآمال الشريفة القومية على الوجه المطلوب·
وهذا وقبل أن أختم قولي أريد أن أثني على رجال حكومتنا الذين قاموا في غيابنا بما أودع إليهم من الأمور حق القيام، كما وأنني أشكر للأهلين جميعاً حميتهم الوطنية وائتمارهم بأوامر الحكومة وانصرافهم إلى أعمالهم التي تعود عليهم وعلى وطنهم بالخير والسلام·
وهنا أعلن بلسان الصرامة تأكيد عزمي السابق من جعل هذه البلاد بلاد دعة وأمان، ترتاح لحسن إدارتها أقطار محبيها، خالية من وجود شكاوى قاطنيها ومجاوريها· وأتعشم أنني أصبت بهذه الصورة ما يرتأيه محبو الوطن وطالبو الخير له· والله الموفق لما فيه النجاح والمصوب لما فيه السداد· والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته·

حادثان هامان
أما الركابي باشا فقد عاد من أوروبا فوصل بتاريخ 16 كانون الثاني 1923 ولكنه استقال في غاية الشهر المذكور·
ويجدر بنا أن نذكر حادثين هامين حصلا في زمن الركابي: أولهما تأديب الكورة في صيف سنة 1923 ورضوخ كليب الشريدة وجماعته، وثانيهما اعتداء الوهابيين على قبائل بني صخر في اليوم الثالث عشر من شهر آب 1922، وقد دام القتال من فجر ذلك اليوم إلى ضحى اليوم الثاني، وكان عدد المغيرين نحو ألف وخمسمئة قتل منهم لا أقل من ثلاث مئة رجل·
الحكومة الرسلانية الثانية
وفي 1 شباط 1922 ألَّفَ مظهر باشا رسلان الحكومة للمرة الثانية على الوجه الآتي:
رئيس المستشارين مظهر باشا رسلان
نائب العشائر الأمير شاكر بن زيد
قاضي القضاة الشيخ سعيد أفندي الكرمي
المستشار المالي أحمد حلمي بك
المستشار القضائي ابراهيم بك هاشم
إعلان استقلال شرق الأردن
وفي 9 شوال 1341هـ الموافق 15 أيار 1923 أُعلن استقلال شرق الأردن في حفلة رسمية حضرها رجال الحكومة ووفود من فلسطين، وقد وصل لهذه الغاية من القدس المندوب السامي هربرت صمويل بصحبة الجنرال كلايتون· وقد ألقيتُ الخطاب التالي:
أيها الشعب الكريم
الحمد للّه وحده والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله· وبعد فإن الله سبحانه وتعالى قد بعث محمداً والعرب منكمشون في جاهليتهم المظلمة وماضون في حروبهم الداخلية والطوائل والأحقاد مستحكمة في أفئدتهم، فوحد كلمتهم وألف بين قلوبهم وجمع بين أهوائهم وقادهم إلى ما في طريق رشادهم وأخرجهم من الضلال إلى الهدى وملكهم الدنيا وهم آبون كارهون، ورب قوم يقادون بالسلاسل إلى الجنة· وتركهم على خير ما ترك نبي أُمَّته فجزاه الله عن العرب خيراً و[· ثم خلف من بعده الخلف الصالح وهم الخلفاء الراشدون، فاتبعوا سنته وفتحوا الفتوح وأسسوا دعائم الدولة العربية وشادوا لهم من المدينة صرحاً· فبه [ وبهم رضي الله عنهم، كان للعرب ما كان من المفاخر المادية والمعنوية حتى أصبحوا مصابيح الوجود ونباريس الكائنات· وكلكم تعلمون ماضي دولكم من أمويين وعباسيين وأندلسيين وفاطميين، كل ذلك كان بالاقتداء بتعاليمه [ وبالاعتصام بالوحدة في الرأي والعمل - وبالائتمار بأوامر من كانت بيده مقاليد الأمور وبني عليه الأمل·
ثم شاءت الأقدار الصمدانية للحكمة الأزلية أن يقلب الدهر للعرب ظهر مجنه، ويصحبهم بكوارثه ومحنه، فأصابهم ما أصاب غيرهم من الأمم وضرب التخاذل بينهم بجرانه، وعمت التفرقة وانتشرت الفوضى وتسلطت الأعاجم على أهم أمورهم ومراكز إدارتهم وشؤونهم، فوقع على الدولة العباسية ما وقع وأضاع العرب ما اكتسبوه بالأنفس والنفائس، وظلوا بعدها كما تعلمون إلى أن أذن الله بالحرب العامة في أثناء انتباه الأفكار العربية وسعيها لإعادة مجدها السابق وعزها الغابر، فوقعت النهضة العربية المباركة على يد من اختاره الله سبحانه وتعالى قواماً لها وقائداً وخاض غمار الحرب العامة في أشد أوقاتها خطراً متكلاً على الله وعلى قومه، والنصر من عند الله، فكلل جميع أعماله بالنجاح لائتمار العرب أثناء الحرب بأمر واحد واتباعهم مركزاً واحداً·
ثم إني لا أرى هنا حاجة لذكر ما عقب الهدنة من الاستعجال المشمومة منه رائحة الانقسام، والذي أدى لمصابنا في أهم أجزاء وطننا وأحبه، والذي أخر النتيجة المطلوبة، مما يجب أن يك محلاً للانتباه والحذر من الآن فصاعداً، ويوجب الاستمساك بوحدة الرأي والعمل؛ كل ذلك كان من الأقدار الإلهية، حرسنا الله مما فيه غضبه ووفقنا لما فيه رضاه·
وإنني في هذا الموقف بعد الشكر لله سبحانه وتعالى، أخبركم بما تم على يد صاحب الجلالة الهاشمية وصاحب والحشمة الامبراطورية البريطانية من العهد الضامن إن شاء الله لكل الرغائب، واشترك معكم بكل سرور في هذه الحفلة بما كان قد تم في أثناء وجودي في لندن من اعتراف الحكومة الفخيمة البريطانية باستقلال هذا القسم من المملكة العربية· ولا شك بأن ذلك أيضاً من نتائج السياسة الحكيمة التي اتبعت هنا ومعاضدة الحكومة البريطانية العظمى·
ويسرني جداً أن أعلن شكري لحضرات المستشارين والذوات الذين ساعدوني على السير في هذه الخطة الحكيمة، وللشعب المتمسك بحبال وطنيته الصادقة وأمانيه الحقه وسيره الحكيم والطاعة لأولي الأمر والثقة بأعمالهم المعقولة التي تكللت بالنجاح· وإنني لا أشك في أنه سيثابر على سيره بعد الآن كما سار بالأمس، وأننا نبشره بأن حكومتنا ستشرع في إعداد القانون الأساسي للمنطقة وتعديل قانون الانتخابات بما يوافق روح البلاد وطبقتها وبيئتها·
وبهذه المناسبة لا يمكننا أن نغفل عن الشكر للحكومة البريطانية العظمى، حليفة العرب وعضدهم القوى في السياسة العربية منذ النهضة العربية المباركة حتى الآن· ولا ريب أن العرب أثبتوا في جميع الظروف والأحوال حسن ولائهم وصداقتهم لحليفتهم العظمى، كما أنه لا يسعهم إلاّ أن يكونوا مدينين لها بالشكر الجزيل لاعترافها لهم باستقلال البلاد العربية كافة وتعضيد العرب على تأليف وحدتهم وفاء بعهودها· وإني لآمل أن يكون موقف الدولة الفرنسية الفخيمة تجاه قضيتنا العربية المقدسة وتجاه القسم الشمالي الباقي من وطننا المحبوب آخذاً بها إلى عهد جديد كاف للدلالة على احترام أبناء الثورة الفرنسية لحرية الأقوام واستقلالها·
وإن المساعدات التي قام بها شخصياً كل من فخامة المندوب السامي المحترم وسعادة كبير المعتمدين المستر فلبي الموقر نحو هذه المنطقة، لجديرة بالإطراء· وإننا ننوه هنا بذكر الهيئات الوطنية والشيوخ والوجوه كافة والرجال العاملين الذين عضدونا في السير إلى هذه الخطوة المحمودة، وآزرونا في السعي خلال عامين في هذه المنطقة، مؤازة اعترف البعيد والقريب بصلاح نتائجها وشهد آثارها الجميع.
وإني لآمل أن يكون هذا اليوم يوماً سعيداً للأمة تتخذه عيداً تظهر فيه سرورها وحبورها· ومنه تعالى نستمد العون ونسأله أن يطيل بقاء وتوفيق جلالة أمير المؤمنين مولانا الحسين بن علي بن محمد بن عون· والله ولي التوفيق.
وبعد ذلك ألقى فخامة المندوب السامي الخطاب التالي:
إني أرغب بالنيابة عن جلالة الملك جورج الخامس وحكومته، أن أقدم أصدق التهاني لسمو الأمير عبدالله وأهالي شرق الأردن، وبالحقيقة إلى جميع العرب بمناسبة هذا العيد السعيد.
إننا ندخل اليوم في طور عظيم الأهمية في تاريخ الأمم الكبير· فبعد أن كان للعرب عصر مجيد اشتهر بالإدارة والآداب والفنون والعلوم تقهقروا تحت اضطهاد دولة دخلية غير راقية، ولكن الحرب الكبرى منحتهم فرصة لتحرير أنفسهم؛ فقد اشتركت جيوش بريطانيا العظمى تساعدها الجيوش العربية بقيادة أنجال شريف مكة المكرمة جمع القوات العثمانية في حرب طال أمدها، وتكللت الثورة العربية ضد تركيا بالتعاون مع حملة الحلفاء بنجاح تام· وقد مهدت السبل الآن لنهضة عربية يتوقف انتشارها وأهميتها على العرب أنفسهم
إن فصل هذه البلاد عن المملكة العثمانية وضع على عاتق بريطانيا العظمى مسؤولية تجاه عصبة الأمم، الجمعية الجليلة القدر التي تمثل رأي القسم الأكبر من العالم المتمدن، وستنجز الوعود التي أعطيت لجلالة الملك حسين في أثناء الحرب ووفقاً لهذه الخطط اعترف بشريف مكة ملكاً مستقلاً· وقد نصب جلالة الملك فيصل ملكاً على العراق وأعطى سلطات فعلية· وقد عقدت معاهدة مع الملك حسين حديثاً وستعلن نصوصها قريباً، وهي تدل على أن النهضة العربية قد دخلت في طور جديد·
وها نحن نحتفل الآن بالاتفاق الذي عقد مع سمو الأمير في أثناء زيارته لجلالة الملك جورج والحكومة البريطانية، ولا يخفى عليكم أن الاتفاق ينص على اعتراف حكومة جلالة الملك بوجود حكومة مستقلة في شرق الأردن برئاسة صاحب السمو الأمير عبدالله بن لاحسين، شرطاً أن توافق جمعية الأمم على ذلك، وأن تكون حكومة شرق الأردن دستورية تمكن حكومة جلالة الملك من القيام بتعهداتها الدولية فيما يتعلق بتلك البلاد، وذلك بواسطة اتفاق يعقد بين الحكومتين·
ولم تنقض سنتان على استلام الأمير إدارة شرق الأردن، حتى خرجت من طور التشويش واختلال النظام إلى طور سلام وتقدم متزايد· فاستفاد من هذا التحسين جميع الأهالي على اختلاف طبقاتهم سواء في المدن والقرى أو بين الفلاحين والبدو· والأمل وطيد بأن التقدم سيثمر بدرجة متزايدة· والفضل في ذلك يعود أيضاً إلى المستشارين الذين اختارهم سمو الأمير، وأخص بالذكر منهم مظهر باشا رسلان الذي أرغب أن أقدم له التهاني الخالصة لنيله هذه الرتبة الجديدة·
إن الحكومة البريطانية تفتخر أنها استطاعت الاشتراك في ذلك التقدم باذلة لحكومة الأمير مساعدة فعلية معنوية· وقد تمتعت هذه الحكومة بمساعدة مالية أيضاً مما سهل إيجاد قوة سيارة منظمة ووحدات أركان الأمن العام في هذه البلاد· وقد وضعت طيارات وسيارات مصفحة تحت تصرفها إذا دعت الحاجة إليها، وقدم لها مستشارون سياسيون وعسكريون عند الاقتضاء· وسعت حكومة جلالة الملك في الوقت نفسه أن لا تدخل في الاخلال في إدارة الأمير، وقد أصبح استقلال إدارة الأمير أمراً حقيقياً·
واسمحوا لي أن أذكر في هذا المقام عظيم تقديري لأسباب شخصية للصداقة التي استحكمت حلقاتها بيني وبين سمو الأمير؛ ويسرني أني تمكنت بالفعل من تعضيد التطورات التي جرت مؤخراً، سواء كان فيما يتعلق باستقلال شرق الأردن أو التقدم الناشئ عن المعاهدة مع الحجاز·
وإني لآمل من صميم الفؤاد أن الحزم السياسي وروح التساهل وحسن تدبير الأمور الإدارية التي امتازت بها حكومة الأمير ستدوم طويلاً بعناية الله تعالى، لتعكس ضياء جديداً على سموه وتؤدي إلى دوام خير ونجاح الأهالي الذين تحت سلطته.
[FONT='Lotus15','serif'][/FONT]

سمو الأمير عبد الله وحوله لفيف من كبراء عمان سنة 1923 , يرى منهم الى يسار سموه المرحومان حسن خالد باشا أبو الهدى وعلي رضا باشا الركابي من رؤساء الوزارة في شرق الأردن .
مجلس الوكلاء
وبتاريخ 11 حزيران أصدرنا الإرادة السنية بتبديل لقب رئيس المستشارين بلقب رئيس مجلس الوكلاء، ولقب قاضي القضاة بوكيل الأمور الشرعية، والمستشار المالي بوكيل الأمور المالية، والمستشار القضائي بوكيل الأمور العدلية·
مجلس النظار

وعلى أثر حادث العدوان استقالت حكومة مظهر باشا وعهد بتأليف الحكومة إلى حسن خالد باشا أبوالهدى بتاريخ 24 محرم الحرام 1342 الموافق 5 أيلول 1923 فألفها كما يلي وسمى مجلس الوكلاء (مجلس النظار)·
رئيس النظار حسن خالد باشا
نائب العشائر الأمير شاكر بن زيد
قاضي القضاة الشيخ سعيد أفندي الكرمي
ناظر المالية أحمد حلمي باشا
ناظر العدلية ابراهيم بك هاشم
ناظر المعارف علي خلقي بك
أول برنامج وزاري
وقد كانت الظروف آنئذ تستدعي وضع برنامج حسب إشارة أبديناها، فاتخذ مجلس النظار قراراً بإذاعة البرنامج التالي:
1- تأييدر العلائق الودية والروابط الاقتصادية الحسنة بين حكومة شرق الأردن وانكلترا وفرنسا·
2- تعزيز الأمن العام والضرب على كل يد عابثة بالسكينة وفقاً لموجبات المصلحة وما يقضي به العدل·
3- رعاية الحال الاقتصادية وتخفيض الرواتب والنفقات جهد الاستطاعة والاستغناء عن الوظائف الزائدة·
4- إصلاح طرق توزيع الضرائب وجبايتها بصورة تكفل مصلحتي الخزينة والأهلين معاً·
5- ترجيح تعيين الأكفاء من أبناء المنطقة على غيرهم في الوظائف·
6- السعي وراء نشر المعارف وتسهيل المواصلات بتزييد المدارس وإنشاء الطرق وتعميرها إلى غير ذلك من أمور الإصلاح·
6-
المنقذ الأعظم في عمان ومبايعة جلالته بالخلافة
في يوم الجمعة 11 جمادى الثانية 1342 الموافق 18 كانون الثاني 1924 شرف جلالة المنقذ الأعظم مدينة عمان·
وبتاريخ 5 شعبان 1342 الموافق 11 آذار 1924 بويع جلالته بالخلافة وأصدر المنشور التالي:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحسين بن علي
الحمد للّه رب العالمين مالك يوم الدين إياك نعبد وإياك نستعين إهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد عبده ورسوله أفضل الصلاة والتسليم وعلى آله وصحبه وكافة أنبيائه ورسله صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين·
أما بعد فإني أسأله الرأفة والرحمة بعباده والتوفيق، وأن يجعلنا هادين مهتدين غير ضالين ولا مضلين، فإنه هو الرحيم المنان الكريم· ثم أنه لما كانت الإمامة الكبرى والخلافة العظمى نظام عقد الأمة وسند قوام الملة، وكان أمر صيرورتها وكيفيتها وما جرى فيها مدوناً ومنقولاً عمن تلقينا عنهم ديننا القويم، وكان كل ما جرى من بعد عهدهم السعيد في كيفية حقوقها وصلاحيتها وسائر معاملاتها إلى يومنا هذا موضحاً في تواريخ العالم الإسلامي وسيره المثيرة، فإقدام حكومة أنقره على ذلك المقام المكرم كيفما كان شكله، جعل أولي الرأي والحل والعقد من علماء الدين المبين في الحرمين الشريفين والمسجد الأقصى وما جاورها من البلدان والأنصار يفاجئوننا ويلزموننا بيعتهم بالإمامة الكبرى والخلافة العظمى، حرصاً على إقامة شعائر الدين وصيانة الشرع المبين أبسطه لعدم جواز بقاء المسلمين أكثر من ثلاثة أيام بلا إمام كما يفهم صراحة من توصية الفاروق الأكرم رضي الله عنه لأهل شورى البيعة بعد كيفما كانت صيغة تلك الإمامة وأشكالها إلى الآن·
وعليه ولما كانت المملكة الهاشمية والقطعة المباركة الحجازية مهد الاسلام ومحل ظهوره ومطلع نوره، وكانت مصونة بعنايته تعالى من كل شائبة في حالتيها السابقة والحاضرة، ولا سيما العمل فيها بأحكام كتاب الله وسنة رسوله بجميع خصوصياته وعمومياته وانطباق حكم البيعة المشروعة من المبايع له انطباقاً لا يتصور حصوله في أي مملكة أخرى في الوقت الحاضر، كان حقاً علينا إجابة ذلك الطلب الديني المشروع بعد الاتكال على الله سبحانه واستمداد روحانية نبيه·
لذلك قبلنا البيعة متوكلين عليه عز وجل، مستمدين منه الغوث والعون والتوفيق لما يحبه ويرضاه، وأننا نرجوه سبحانه وتعالى أن يكون هذا الأمر الذي قضى في حكمته الأزلية وقدرته الصمدانية وأظهر حكمة قوله تعالى ]إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم[ مضاعفاً الهاماتنا باتباعنا مسلك السلف الصالح·
نعم إنّا لم نعترض البحث في شؤون ذلك المقام الجليل إبان نهضتنا، لا بل إلى قبيل جرأة أنقرة على الكرامة كيفما كانت وضعيته، وذلك حذراً من توسع شقة الاختلاف لئلا يتخذه أعداء الاسلام وسيلة للتعريض بمكانته، ولا نكلف سوانا بما لا يراه عملاً بقوله تعالى ]قل كل يعمل على شاكلته فربك أعلم بمن هو أهدى سبيلا[ ومع هذا فهو المسؤول أن يجعل هذه البيعة مدار ألفة للمسلمين تضم قاصيهم ودانيهم وتسوقهم إلى حسن التآلف مع مجاوريهم من أبناء دينهم وسكان بلدانهم من أهل الكتب السماوية وسائر مواطنيهم بما ألقته إليهم الشريعة الإسلامية وتطبيق ما فرض في أمر {لهم ما لنا وعليهم ما علينا} وكل ما أوجبه عليهم من المنكر، مؤملين منهم حسن القيام بكل ما هو في معنى هذا مما أوجبه الله عليهم فرداً فرداً وجماعة جماعة، وبالأخص العلماء والإعلام في أقطار الإسلام كافة·
وأنه لما كانت العائلة العثمانية ممن سبقت لها خدمات لا تنكر ومفاخر لا تستحقر للاسلام والمسلمين، ولما كان الحكم الأخير عليهم مما تتفتت له الأكباد وتتفطر منه المهج، رأينا من واجب أخوة الإسلام أن تهييِّء لها ما يساعدها بما يقوم بأودها ويدفع عنها الغائلة في أمر معاشها·
فمن أحب الاشتراك في هذه المثوبة العظمى من سائر أرباب الشهامة، فعليه أن يشعر رئاسة وكلائنا بمكة المكرمة بما يريده؛ والله جل شأنه وتعالت قدرة سلطانه يعلم أن غايتي الوحيدة هي خدمة الإسلام وأقوامي أبناء الجزيرة خصوصاً والمسلمين عموماً، فهو المسؤول وحده لا شريك له وأن يجعل لنا وإياهم منه ولياً ويجعل لنا من لدنه نصيرا؛ وهو المستعان وهو ولي التوفيق ولا حول ولا قوة إلاّ به، والصلاة والسلام على خير خلقه وآله وصحبه أجمعين·
الحكومة الركابية الثانية
وغادر جلالته شرق الأردن عائداً إلى مكة يوم الخميس في 14 شعبان 1342 الموافق 20 آذار 1924·
وفي أوائل شهر نيسان 1924 وصل المعتمد البريطاني الكولونيل كوكس وباشر عمله·
وبتاريخ 3 أيار 1924 الموافق 29 رمضان 1342 ألف الركابي وزارته الثانية كما يلي:
رئيس النظار رضا باشا الركابي
نائب العشائر الأمير شاكر بن زيد
ناظر المالية حسن خالد باشا أبوالهدى
قاضي القضاة الشيخ سعيد أفندي الكرمي
ناظر العدلية ابراهيم بك هاشم

وقد ذكر في برنامج وزارته أنه سيتبع الصدق والاخلاص في القول والعمل، والعزم والحزم في الأمور، وتوزيع العدل بين أفراد الشعب، والمراعاة التامة للقواعد الاقتصادية والكفاءات في الوظائف والموظفين والنفقات، وقمع بذور الفساد وما يُسيء السمعة بكل شدة وعدم التحزب والتحيز، والتعاضد والتكاتف في جميع أمور الاصلاح وصيانة المنطقة من الأحوال المخلة بالأمن والسعي وراء انعقاد المجلس النيابي تدريباً للأمة على الحكم الدستوري·

تطورات···
غادرنا البلاد قاصدين الحجاز يوم الجمعة بتاريخ 42 ذي القعدة 2431هـ الموافق 72 حزيران 4291، وعدنا يوم 91 محرم 2431 الموافق 91 آب 4291 وبينما كنا في الطريق - يوم الخميس في 41 آب 4291 - اعتدى الوهابيون مرة أخرى على شرق الأردن، فطُردوا وتَركوا خمسمائة قتيل وعدداً عديداً من الجرحى·
وكانت قد حصلت في غيابي حوادث تخل بالأمن في جهة سوريا، مما أدى لأن توجه الحكومة البريطانية انذاراً طلبت فيه بسط المراقبة المالية دون قيد وشرط واخراج المتهمين بالتحريض في حوادث الحدود وإلغاء نيابة العشائر، إلى غير ذلك من شروط أخرى· وفي اليوم التالي لوصولي البلاد ألقيتُ على أركان الحكومة ورجالات البلاد الخطاب الآتي:
بمناسبة رجوعنا من الحج وإظهار الأمة عواطف اخلاصها، أولاً أشكر الأمة على عواطف حبها واخلاصها، ثانياً أحمد الله الذي منَّ عليَّ برؤيتكم مرة ثانية·
لقد وقع إبان سفرنا حادثان في هذه المنطقة: الأول حادث الوهابيين الذي دُفع بالتنكيل الشديد بهمة &#157#1575;لأهلين والقبائل وقوة الحق؛ وأننا لا ننسى في هذا الشأن مساعدة المصفحات والطيارات البريطانية· والثاني حادث العصابات في جنوبي سوريا الذي أدى إلى دخول قسم من الدرك البريطاني إلى هذه المنطقة·
أنكم تعلمون أننا قدمنا إلى هذه الديار ونحن لا نألوا جهداً في خدمتها وتحسين شؤونها، وغرضنا الوحيد من كل ما نسعى إليه هو الوصول إلى الغاية التي نتطلبها كلنا وهي تحرير بلادنا جميعها تحريراً تاماً بالحكمة والنظام·
ومما لا ريب فيه أن الأمم لا تصل إلى غاياتها إلاّ بالعقل، والعقل يكون بالنظام، والنظام هو الذي يوصل إلى الغاية المنشودة· أما الذين ينصاعون إلى الفوضى ولا يدخلون البيوت من أبوابها، فيسلكون غير طريق الحق والنظام، هؤلاء ليسوا إلاّ خطراً على بلادهم مهما حاولوا تبرير أعمالهم.
نعم نحن خرجنا من الحرب العامة لنكون أصحاب بلادنا، ولكن من هو الذي يقول أننا على أهبة في وسائلنا وأوضاعنا لمقاومة الأمم؟!·· إن المقاومة التي تجلب الشر ليست سوى جريمة، والشجاعة الحقيقية هي في معرفة الإنسان نفسه وسلوكه مسلك الحق والحكمة وأن يسعى قبل كل شيء في إعداد نفسه ليكون رجلاً أو أمة·
أنا لا أخون الله والأمانة التي أودعت إليّ، بل أجهر بالحق ليسمع الجميع· أن كل من يعبث بالأمن في سوريا وفلسطين من دعاة الفتنة نعتبره خارجاً علينا، إذا ما سولت له نفسه استخدام هذه المنطقة الآمنة في مناحي هواه، لأننا لا نريد أن تجني هذه البلاد ذلاً بسوء تصرفات أولئك العابثين· وأني لأقول لكم اسمعوا وأطيعوا فإن الطاعة لا بد منها في محافظة الكيان·
لقد سألت بعد وصولي عن سبب ورود سرية الخيالة البريطانية والأربع مصفحات إلى عمّان، فأخبرت بأنها جلبت بسبب حادث الوهابيين تعزيزاً لقوة الطيران· وبناء على إيضاحاتنا الكافية كتب سعادة المعتمد البريطاني إلي مرجعه بعدم لزوم بقائها· أما القوة الثانية التي دخلت اربد فسوف لا يعود لها لزوم أيضاً حينما يتضح الأمر بانقطاع الأسباب الموجبة لقدومها·
إنكم لتعملون أن الأمم التي انتدبت لمساعدة العرب هما انكلترا وفرنسا، ونحن لا نستطيع التعاون مع هذه الأمم إلا بالإخلاص والدربة والحكمة، حتى إذا وثقتم بأنفسكم وسلكتم مسالك الأمم وتمسكتم بالمبادئ المشروعة وصلتم إلى كامل حقوقكم ونلتم ما تصبو إليه نفوسكم·
أنا لست بالجبان، وإذا وقعت مصيبة لا بد لي من الموت؛ غير أنني في الأربعين وباستطاعتي أن أخدم أمتي، فلا أريد أن أضحي بنفسي من غير روية بل لا أريد أن أؤلب على العرب دولتين عظيمتين· وحسبي أن أقول لكم أن اليقظة العامة والتيار الذي أوصل الأمم إلى حقوقها سيوصلكم إلى حقوقكم، والأمم كلها سائرة في طريق التقدم·
إن الذين يشجعون رجال العصابات أو يقبلون حمايتهم في هذه المنطقة إنما يخونون أنفسهم وبلادهم· نحن لا نريد أن نكون خطراً على غيرنا· الدنيا بيت واحد، والأمم المتمدنة قد توحدت مصالحها حتى أصبحت كعائلة واحدة، إذا اختل النظام هنا اختل هناك·
نحن نريد الحياة من طريقها المشروع، وأنا لا أريد مصلحة خاصة في هذا الجزء المحبوب من أجزاء الوطن العربي، والقضية بصفتها قضية محلية هي قضيتكم والوطن وأمتكم·
نعم أنا رجل للحجاز وسوريا وفلسطين واليمن ونجد وكل بلد عربي، وسأبقى عربياً أعيش للأمة العربية كلها؛ وأشهد الله أنني لأتألم لكل كارثة تقع على العرب· لذلك فإني لأود أن لا تحمل نصائحي علي غير اليقين بأن الحقيقة يجب أن تقال وأن تسطع كالشمس ليراها الجميع·
أنا شخصياً أريد أن أسعى لإزالة كل ما يجول برأس الحكومة الفرنسية الفخيمة نحو هذه المنطقة من الريب، وسنبرهن للجميع على أننا أمة تريد أن تعيش بشرف وبحق الحياة ليس إلاّ·
إنني والحمد للّه أقول أنني لم أرَ حتى الآن من بدو هذه البلاد وحضرها إلاّ كل ما يسر، ولي معكم مجالس أخرى سأتحدث بها إليكم بأشياء تتعلق بمصالح الوطن·
وبعد فإن جلالة مولانا أمير المؤمنين يقرئكم السلام· وقد قضى الحج في هذا العام بالصحة التامة والحمد للّه· واخواننا الحجاج من سائر الأقطار الاسلامية قد أقبلوا على البيعة بكل ثقة· وجلالة الملك المعظم ما زال عاملاً على توثيق علائق الود مع حلفائه· فنسأل الله دوام التوفيق وأن يجنبنا العثرات ويمدنا بروح من عنده·

تنازل الحسين عن العرش
وفي منتصف شهر صفر سنة 1343، ويوافق ذاك التاريخ منتصف شهر أيلول أيضاً من سنة 1924، هجم الوهابيون على مدينة الطائف، وعقب ذلك نشوب الحرب بين الحجاز ونجد·
وبتاريخ 5 ربيع الأول 1343 تنازل جلالة المنقذ الأعظم عن العرش وبويع بالملك صاحب الجلالة الملك علي بن الحسين·
وفي الثلث الأخير من الشهر المذكور، وصل جلالة الملك حسين إلى العقبة، حيث بقي فيها ما يقارب الثمانية أشهر، ثم غادرها بتاريخ 26 ذي القعدة 1343 الموافق 17 ح&#158#1586;يران 1925·
وبتاريخ 3 ذي الحجة 1343 الموافق 24 حزيران 1925 أصدرنا الإرادة التالية:
نظراً لتنسيب صاحب الجلالة الهاشمية الملك علي المعظم، ملك البلاد المقدسة الحجازية أيده الله وأدام نصره، ضم ولاية معان والعقبة إلى إمارتنا، اقتضى إصدار إرادتنا إليكم إعلاماً بذلك، مع الشكر الدائم لجلالته الملوكية الهاشمية منا ومن شعبنا وحكومتنا·
وفي اليوم التالي أي يوم الخميس وصلنا معان، وكان معي رئيس النظار، وجرت مراسيم الانضمام الرسمية، ورفع علم شرق الإردن، واعتبر يوم 25 حزيران 1925 التاريخ الرسمي للالحاق·

الحكومة الخالدية الثانية
المجلس التنفيذي

وبتاريخ 16 ذي الحجة سنة 1344 الموافق 26 حزيران 1926 ألَّف حسن خالد باشا أبوالهدى حكومته الثانية· وقد عرض، في العريضة التي ضمنها أسماء زملائه الذين اختارهم، أنه ينسب تشكيل مجلس تنفيذي برئاسته وأن يحل هذا المجلس محل مجلس النظار وتودع إليه صلاحياته· وقد وافقنا على ذلك، أما المجلس التنفيذي فألّف كما يلي:
رئيس النظار وناظر الداخلية حسن خالد باشا
قاضي القضاة وناظر الداخلية الشيخ حسام الدين افندي جارالله
السكرتير العام عارف بك العارف
محافظ الآثار الدكتور رضا بك توفيق
مدير النافعة عبدالرحمن بك غريب
مستشار المالية كركبرايد بك
وقد جاء في برنامج الحكومة أنها تسعى قبل كل شيء إلى أن يخضع كل فرد للقانون كما تحترمه هي، وأن ذلك الضمان الكافي لإيجاد الثقة بين الأمة والحكومة، وأنها ستتبع الصدق والصراحة والإخلاص في جميع تصرفاتها وتضمن العناية بشؤون المدافعين ورعاية مصالحهم وتطلب إليهم الابتعاد عن التدخل في الشؤون السياسية وهي - عازمة على وضع نظام خاص يعين حقوقهم وواجباتهم، وأنها ستولي الأمن العام والشؤون المالية والاقتصادية والمعارف والصحة جل اهتمامها، وستسعى لحفظ علائقها الودية مع حكومات المناطق المجاورة وتوقيعها، وستصرف عنايتها الخاصة لتأسيس مجلس تشريعي يمثل طبقات الشعب كافة فيشرف على التشريع ويعاون الحكومة في الأمور الداخلية في اختصاصه الذي سيعينه الدستور·
هذا هو ملخص برنامج الحكومة، وقد كان برنامجاً طويلاً حوى التفاصيل الكثيرة عن الأمور التي احتواها هذا التلخيص· وكما أن مجلساً تنفيذياً حل محل مجلس النظار، فقد أشار البرنامج إلى أن مجلساً تشريعياً سيحل محل المجلس النيابي الذي مر ذكره في برامج ومناسبات قبل تأليف هذه الحكومة·
إن وجود مستشار المالية في المجلس التنفيذي لم يدم طويلاً، ففي 11 أيلول 1926 خرج منه بناء على تشبثات جرت مع الجانب البريطاني، وحل محله مدير المعارف السيد أديب وهبه· ثم بتاريخ 17 نيسان 1927 أُخرج من المجلس مدير النافعة وهو موظف مستعار من حكومة فلسطين، وحل محله ابراهيم بك هاشم الذي عيّن آنئذ مديراً للخزينة· وبعد مدة أُدخل في المجلس التنفيذي توفيق أبوالهدى بدلاً من الدكتور رضا توفيق، وبعد ذلك بسنة حل محل السكرتير العام الذي كان مستعاراً من حكومة فلسطين فعاد إلى محله هناك·
وبتاريخ 26 آذار سنة 1928 نشر نص المعاهدة الأردنية البريطانية، الموقع عليها في القدس بتاريخ 20 شباط 1928 من قبل اللورد بلومر وحسن خالد باشا· وبتاريخ 91 نيسان 1928 نشر القانون الأساسي لشرق الأردن· وبعدئذ أصدر قانون انتخاب أعضاء المجلس التشريعي·
واجتمع أول مجلس تشريعي للنظر في المعاهدة واقرارها بتاريخ 22 شوال 1347 الموافق 2 نيسان 1929، وقد استمر درسها ومناقشتها مدة شهرين، ثم صُدقت بتاريخ 4 حزيران 1929·
وقبل أن يعقد المجلس التشريعي دورته الاعتيادية في شهر تشرين الثاني 9291، رأى حسن خالد باشا الذي صار يلقب (برئيس الوزراء) بحكم الدستور، أن لا يظل في المجلس أحد من المستعارين - وكان لا يزال فيه الشيخ حسام افندى جارالله والدكتور حليم أبورحمة - وأن يدخل في المجلس اثنان من أعضاء المجلس التشريعي المنتخبين؛ فاستقال ليؤلف وزارة جديدة على هذا الأساس، وألفها فعلاً· إلاّ أن تجربة الاستفادة من أعضاء منتخبين من المجلس التشريعي لم تنجح، فأعطى لهذين العضوين مركزان في الحكومة، وانفصلا عن صفتهما الانتخابية في المجلس حيث انتخب عضوان بدلاً منهما·
استمرت حكومة حسن خالد باشا في الحكم مدة تقارب الخمس سنوات، ثم استقالت بعد أن حلت المجلس التشريعي الذي رفض أن ينظر في قانون الميزانية ويلبي طلبات الحكومة·
الوزارة السراجيَّة
وبتاريخ 5 شوال 1349 الموافق 22 شباط 1931 ألف الشيخ عبدالله أفندي سراج حكومته، فاحتفظ لنفسه إضافة للرئاسة بمنصب قاضي القضاة ووزارتي الداخلية والمالية، وجعل المجلس التنفيذي مؤلفاً برئاسته، ومن السكرتير العام توفيق بك شعشاعة، ومدير الآثار أديب بك الكايد، والنائب العام عودة بك القسوس· ولقد أعلنت هذه الحكومة منهاجاً مفصلاً أهم ما جاء فيه:
1- شعورها بالمسؤولية المشتركة الملقاة على عواتق أعضائها بمدلول القانون الأساسي تجاهنا·
2- وعدها بالسعي لتعديل المعاهدة ضمن حدود الامكان والاعتدال·
3- تعهدها بأن تترك أمر الانتخاب للمجلس التشريعي حراً بعد أن حل المجلس السابق وأن يكون في منجاة من أي تدخل غير مشروع·
4- الحرص على استعمال الحقوق المعينة في القانون الأساسي والقوانين الأخرى كاملة غير منقوصة مع مراعاة القيود التي نصت عليها المعاهدة·
5- ما تذكره الحكومات عادة من أمور الإصلاح والتحسين في جميع الأمور النافعة·
وزارة ابراهيم باشا الأولى
بتاريخ 1 شعبان 1352 الموافق 18 تشرين الثاني 1933 ألَّفَ فخامة ابراهيم باشا هاشم وزارته، فاحتفظ إضافة إلى الرئاسة بوزارة العدلية ومنصب قاضي القضاة، وألف المجلس التنفيذي على الشكل التالي:
ابراهيم باشا هاشم رئيس الوزراء ووزير العدلية وقاضي القضاة
شكري بك شعشاعة مدير الخزينة
عودة بك القسوس النائب العام
سعيد بك المفتي المفتش الإداري
هاشم بك خير مدير الآثار
قاسم بك الهنداوي عضو المجلس التشريعي
وقد كان منهاج الحكومة مختصراً، يتضمن العزم على انتهاج كل خطة للاضطلاع بأعباء المسؤولية وفق رغبتنا بما يحقق أماني البلاد ومصالحها، مع العناية بالشؤون الاقتصادية والعمرانية والحزم في محافظة الأمن والنظام، وتحقيق مطاليب البلاد الدستورية بجميع الوسائل المشروعة·
وبتاريخ 19 صفر 1325 الموافق 2 حزيران 1934 غادرنا الإمارة في زيارة إلى انكلترا وقد عدنا بتاريخ 8 ربيع الثاني 1353 الموافق 20 تموز 1934·
وبتاريخ 22 تموز 1934 أُعلن نص الاتفاق المعقود بيننا وبين صاحب الجلالة البريطانية ملحقاً للاتفاقية المؤرخة في 20 شباط 1928 ومعدلاً بعض موادها لمصلحة شرق الأردن·
وفي آخر شهر نيسان 1937 غادرنا بلاد الإمارة مرة أخرى لحضور حفلات التتويج، وعدنا من انكلترا يوم 13 حزيران 1937·
وزارات توفيق باشا أبوالهدى
وبتاريخ 3 شعبان 1357 الموافق 28 أيلول 1938 تألفت وزارة توفيق باشا أبوالهدى، وصار المجلس التنفيذي على الشكل الآتي:
توفيق باشا أبوالهدى رئيس الوزراء ووزير الخارجية
السيد أحمد السقاف قاضي القضاة
عبدالله بك الحمود مدير الخزينة
خلف بك التل مفتش الإدارة
نقولا بك غنما النائب العام
هاشم بك خير مدير الآثار
ولقد كان المنهاج في هذه المرة أيضاً مختصراً، تضمن أشد الارتباط بنا والعزم على السعي لأن تكون للبلاد مكانة في المجموع العربي كما لغيرها من الأقطار الشقيقة، من وجود وكرامة مع التمسك بمبادئ القضية العربية التي وضع كيانها المنقذ الأعظم رضي الله عنه، حتى يتيسر الوصول إلى غاية العرب المنشودة وهي الوحدة القومية·
وكذلك أشير إلى ما يشار إليه عادة من الحرص على الأمن العام والعناية بالمصالح الاقتصادية وتخفيف العبء عن المكلف في الأوقات العسيرة والاهتمام بالمعارف وجميع الشؤون النافعية واتباع النظام الكامل في دوائر الحكومة·
مجلس وزراء بدل المجلس التنفيذي
وفي بداية سنة 1939 انتدبنا رئيس وزرائنا للسفر إلى لندن ممثلاً عنا، لحضور المؤتمر الذي عقد من أجل قضية فلسطين· ولقد انتدبناه للقيام بإيصال طلباتنا بشأن تعديل الاتفاقية الأردنية - البريطانية والمفاوضة في هذا الشأن· ولقد أسفرت النتيجة عن إجراء تعديلات أخرى لمصلحة شرق الأردن، وتم الاتفاق كذلك على تعديل القانون الأساسي في أمور كثيرة، وقلب المجلس التنفيذي إلى مجلس وزراء أسوة بالبلاد الدستورية وجعله مسؤولاً تجاهنا·
وبتاريخ 6 آب 1939 تم تعديل القانون الأساسي، واعتبر الأمير بمقتضى هذا التعديل «القائد الأعلى للقوات العسكرية»، ونص على تأليف مجلس الوزراء وصلاحياته ومسؤولياته· ثم استقال الرئيس وفق التقاليد الدستورية وألفت أول وزارة في هذا العهد الجديد كما يلي:
توفيق باشا أبوالهدى رئيساً للوزراء ووزيراً للخارجية والعدلية
السيد أحمد علوي السقاف قاضياً للقضاة ووزيراً للمعارف
رشيد باشا المدفعي وزيراً للداخلية والدفاع
عبدالله بك النمر وزيراً للشؤون المالية والاقتصادية
نقولا بك غنما وزيراً للتجارة والزراعة
علي باشاي الكايد وزيراً للمواصلات
وأعلنت الوزارة في منهاجها عزمها على التمسك بمبادئ النهضة العربية والتآزر مع المخلصين لها، حتى تصل إلى ضالتها ووحدتها بإذن الله، وعلى حفظ روابط الإخاء والتعاون الوثيق مع الأجزاء الأخرى من الوطن العربي لكل ما فيه المصلحة؛ ونوهت أن البلاد خطت خطوة طيبة بفضل الخطة المثلى والحكمة البالغة اللتين أبداهما أمير البلاد وما أظهره شعبه الكريم من الإخلاص والطاعة·

صورة رد الحكومة البريطانية البرقي على طلبات شرق الأردن
المبلغ بكتاب المعتمد البريطاني المؤرخ في 16/6/1944
إن حكومة جلالته قد أولت مذكرة مجلس الوزراء المؤرخة في 4 تشرين الثاني 1934 في وضع شرق الأردن في المستقبل اعتباراً جدياً وعطفاً·
فهي تقدر اسمى تقدير صداقة الحكومة والأهالي ومعاضدتهما غير الملتويتين بزعامة سمو الأمير الرشيدة، وهي تدرك شاكرة ممتنة أنها استطاعت في كثير من الفترات العصيبة في العشرين سنة الأخيرة، ولا سيما إبان أشد أيام الحرب الحالية، الاعتماد دون ما تردد على إدارة جميع طبقات الأمة في شرق الأردن وعلى تعاونها تعاوناً فعالاً إلى مدى ما أوتيت من قوة ومورد·
إن حكومة جلالته تقدر تقديراً تاماً أن رغبة الشعب الأردني تتجه إلى وجوب وضعه على قدم المساواة مع شعوب الأقطار العربية المجاورة، ولهذه الغاية ترحب حكومة جلالته بعقد معاهدة مع شرق الأردن تتلاءم إلى حد أقرب مع ظروف الأحوال مما هي عليه اتفاقية سنة 8291·
أنه لأسباب فنية يجب أن ينظر للمفاوضة في معاهدة كهذه إلى نهاية الحرب؛ ولكنه بالرغم من أن العلائق الرسمية بين حكومة جلالته وبين حكومة شرق الأردن ينبغي في الوقت ذاته أن تستمر على ما هي عليه في الوقت الحاضر، فإنه سيكون غرض حكومة جلالته أن تفسر هذه العلائق تفسيراً فيه المراعاة لقصدها هذا·
وتعرب حكومة جلالته عما يخامرها من الأسف لما حدث من التأخير في هذه المسألة، فإن هذا التأخير لا ينطوي على شيء من عدم المجاملة نحو حكومة شرق الأردن، وإنما هو يعزى إلى انهماك حكومة جلالته انهماكاً كبيراً·
الوزارة الرفاعية
وبعد أن قام توفيق باشا أبوالهدى بأمرنا بإعادة تأليف الوزارات عدة مرات، استقال بتاريخ 14 تشرين الأول 1944 وخلفه في منصبه سمير باشا الرفاعي الذي ألف وزارته على الشكل التالي:
سمير باشا الرفاعي رئيساً للوزراء ووزيراً للخارجية والدفاع
الشيخ فهمي أفندي هاشم قاضياً للقضاة ووزيراً للمعارف
سعيد بك المفتي وزيراً للداخلية
مسلم بك العطار وزيراً للمالية والعدلية
هاشم باشا خير وزيراً للمواصلات
نقولا بك غنما وزيراً للتجارة والزراعة
وذكرت الحكومة في منهاجها أن المنهاج الأساسي الذي وضعته الوزارة السابقة - وكان رئيس الوزراء الحالي أحد أعضائها - والذي كان من حسناته ضمان الاستقرار لهذه الإمارة السعيد طيلة سني الحرب وفي أخطر أدوارها والذي كان محل الرضا من لدننا، إنما هو بنفسه منهاج الوزارة الجديدة·
وزارة ابراهيم باشا الثانية

وبتاريخ 18 مايس 1945 استقال سمير باشا، وفي اليوم الثاني ألف ابراهيم باشا هاشم وزارته من أعضاء الوزارة السابقة باستثناء هاشم باشا خير، الذي حل محله في مجلس الوزراء دولة توفي باشا أبوالهدى وتولى وزارة الخارجية·
وأشار منهاج هذه الوزارة إلى الحرب، وأنها وإن تكن قد انتهت في أوروبا إلاّ أن أيام السلم تتطلب الكثير من الجهد والبذل وتدعو إلى التساند والتعاون التامين للخلوص نهائياً مما خلفته الحرب من مشاكل وأرزاء، ولانجاز ما ارتكنته من مشاريع اصلاحية، وللحصول على ما تترقبه الأمة من استكمال استقلالها وتحقيق آمالها وأمانيها في الوحدة القومية المنشودة· وذكر في المنهاج أن الحكومة لا ترى عرض برنامج لما تعتزمه من أعمال إنشائية، وأن من الخير أن تعلن الأعمال عن نفسها بنفسها، وأن سياستها ستكون الحرص على التعاون الكلي مع دول الجامعة العربية والسعي لاتمام الأهداف التي رسمتها الثورة الكبرى·
وزارات ومعتمد
ومما هو جدير بالذكر في صدد وزارة ابراهيم باشا الأولى، أنه قبل أن أعهد إليه بتأليف الوزارة، بعد إقالة الشيخ عبدالله سراج، كان المعتمد السابق - السير هنري كوكس - عندما سألني عن خلف الشيخ، ذكرت اسم المرحوم حسن خالد باشا، فلم يرعني إلاّ قوله: أرجوك أرجوك· لا أستطيع التعاون معه···
وأنا لم أقل له حسن خالد باشا، إلاّ لئلا يظهر عدم ارتياحه من ابراهيم باشا؛ لأنني كنت سمعت منه عن فلان وفلان أنهما أصلح من يكون لهذه الرئاسة، وقد صار أحدهما وزيراً للداخلية ووزيراً للدفاع في وزارة توفيق باشا أبوالهدى، وأما الآخر فلم يكن إلاّ نسخة ثانية من هذا الذي لمحت به·
ولم يعترض على ترئيس ابراهيم باشا هاشم، فجاء للوزارة بنشاطه المعروف، وصرف جهود الجبابرة، واستمر إلى أن تغلب عليه اليأس، حيث ضيق الميدان القيد الأجنبي الممل·
ولم تكن الحكومة الانكليزية تعرف هذا، مع أنني لم أخفِ متاعب رؤساء الوزارات من تدخل المعتمد السابق فيما ليس له فيه أي حق· وقد أخبرت بذلك المندوب السامي سير شانسيلور، واعلمت السير آرثر واكهوب، وأخيراً انتهت وظيفة السير هنري كوكس في عهد السير مكمايل، وهي خير خدمة وقعت من مندوب لشرق الأردن· وأنا لا أقصد من هذا الحط من قدره السير هنري كوكس، فإنه كان يحبني كثيراً ويخلص في عمله لاعتقاده أنه يسدي الخير للناس رغم أنوفهم·
ثم استقال ابراهيم باشا وجاء إلى الرئاسة توفي باشا أبوالهدى، وكنت أعتقد أنه يرضى بالتعاون معه الكولونيل كوكس، وإذا الأمر بالعكس؛ فإنني لما أردت تعيينه للسفر إلى لندن يوم تعديل المعاهدة، اعترض ورجح أن أُعين ابراهيم باشا لهذه المهمة، فأصررت على رأيي، ثم أوعز إلى السير مكمايكل أن يأتي ليحاول أن أغير رأيي، فجاء وحدثني فلم أوفق·
وبين يدي سفر الباشا قال لي المعتمد: إن توفيق باشا أصبح لا يعتمد عليه، فقلت: عجيب!·· من أخبرك بذلك؟ أنه لدي في منتهى درجات الاعتماد·
وفي اليوم التالي حضر الباشا المشار إليه مع المعتمد، فقلت له: سافر يا باشا وثق بأنني معتمد عليك في كل أمر دق أو جل·
وبعد خروجهما زار المعتمد الباشا واعتذر إليه وقال أنه يحبه ويعده بالمعاونة النزيهة·
وعند سفر رئيس الوزراء كنت بالغور وكان المعتمد عندي فقال لي: أتسمح يا سمو الأمير لي بأن آخذ رسم توفيق باشا فمن الممكن أن لا يعود من انكلترا؟ فقال له توفيق باشا: خذ رسمي ولكن من الممكن أن أعود فلا أجدك هنا· وكان ذلك فجاء الباشا بالتوفيق وسافر المعتمد·
وجاءت الحرب ومضت، وقد تعب فيها توفيق باشا كثيراً؛ وأنها لمهمة شاقة، وإن الباشا المشار إليه لمن خيرة رجال العرب، ومن الأشخاص الذين إذا صادقوا يصدقون وإذا عادوا لا يتسترون·
ثم استقال توفيق باشا، ولما لم يقبل ابراهيم باشا الوزارة أحببنا توجيهها إلى حامد الوادي باشا، فحالت بعض الظروف دون ذلك؛ فأولينا ثقتنا سمير باشا الرفاعي، وهو من نتاج شرق الأردن، حيث تمرن وتقلب من عهد الركابي باشا إلى أن نال الرئاسة وهو بالقرب من الرؤساء وليس بالبعيد منا؛ ولكن كانت مدة وزارته قصيرة، ولكل أجل كتاب يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب·
وإنا لنرجو من الوزارة الحاضرة، المتحلية برئيسين سابقين، التوفيق في كل الأمور، وبالأخص في أمر الوحدة السورية التي بها يتم استقرار بلاد العرب ودوام أمرها وسلامتها من الأخطار السياسية وما في التجزئة من وهن وضعف·
المعتمدون البريطانيون
بعد أن شكلت الإدارة في شرقي الأردن على شكلها المعلوم برئاسة رشيد بك طليع، عين مستر أبرامسون معتمداً بريطانياً لدى هذه الإمارة، وكان على ما يظهر في العقد من سنه، وهو رجل محترم وقور، فمكث في المعتمدية نيفاً وستة أشهر·
ولما حضر الكولونيل لورنس إلى عمان ومعه حداد باشا للنظر في المعاهدة الحجازية الانكليزية، بقي وكيلاً للمعتمد إلى أن تهيأت الأسباب فعيّن مستر فلبي معتمداً بشرقي الأردن، وهو معروف لدى العرب، على شيء كثير من الاخلاص في البلاد التي يعمل فيها·
ومن جملة ما أذكر له - كفكرة ظريفة - في إحدى الليالي، وقد كان في المجلس شخص طلب أن يكتب كل من حضر المجلس جملة أدبية في دفتره، فكتب مستر فلبي البيت المشهور لعبيد بن الأبرص:
ساعد بأرض ما دمت فيها



ولا تقل إنني غريب

وهذا شاهد على ما قلت، وإن خلاصة للملك عبد العزيز بن سعود يكاد يفوق إخلاصه لملكه وبلده· وقد سافر معي إلى لندن في السفرة الأولى، ولم يألُ هنالك جهداً في القيام بواجبه، ولقد كان بيننا أحياناً ما يكدر صفو الوداد لصلف يبدو منه، ولقد كان هنا يوم شرَّف الوالد المرحوم شرقي الأردن وحين البيعة للخلافة، ولقد حرض الناس وحض عليها.
ثم استبدل بالكولونيل كوكس وهذا الأخير له شخصية إدارية، ولا يحب إلاّ أن يعمل مع أشخاص يرتاح إليهم، وكان زمن بدئه عمله زمن حظ سِّيء لشرقي الأردن وللبيت الهاشمي من حيث هو· فمكث تلك المدة الطويلة، ولولا الصبر والحكمة التي منّ الله بها علينا لكان الامتزاج معه من ا&#160#1604;مستحيلات·
ثم عيّن أخيراً وبين يدي هذه الحرب، المعتمد الحالي مستر كركبرايد، وهو من أصدقاء العرب القدماء، حيث شهد الحرب السابقة في الجيش الشمالي برفقة الأخ الملك فيصل، وإنه من أعز الأصدقاء لنا شخصياً، فقد ظهر في وقته الشيء الكثير من التوفيق، واستراح في أمر التعاون معه توفيق باشا أبوالهدى بمجموع وزاراته، كما أنه تعاون مع سمير باشا على تلك الوتيرة، وهو الآن مع ابراهيم باشا صديقه القديم على تعاون ونزاهة· وكذلك كان في وكالاته عن المعتمد السابق· وإني لأرجو له من كل قلبي مستقبلاً حسناً وصحة وعافية·
المندوبون السامون
سير هربرت صمويل
كنا تكلمنا عن أول مندوب عرفناه في فلسطين وهو السير هربرت صمويل - الآن لورد صمويل - بما عرفناه عنه؛ وإنه لمن الرجال الأفذاذ الذين عرفتهم كوزير ورجل دولة، وكمتفان بحكمة في قوميته· وكانت الليدي صمويل مكرمة للضيف وقورة محترمة·

اللورد بلومر
إن اللورد بلومر هو المندوب الثاني في فلسطين في عهدي، وهو نبيل وقور كريم، ومشير فخيم، لطيف المعشر وصريح· وفي عهده أبرمت المعاهدة البريطانية الأردنية· وفي عهده أنقص عدد الجيش العربي، وأخذت منه المدفعية وأنشئت قوة الحدود· ولقد كنت نصحت بعدم فائدة هذه الإجراءات، ولكن لعل ذلك من ظواهر الانتداب· وأنه لخير كثير حيث لم تقع هذه البلاد فيما وقعت فيه سوريا التي تعاني من الحكومة الفرنسية إلى الآن ما تعاني· ولقد تعاونت مع اللورد بلومر، ولقد عاونني ضمن الحدود التي له ولي·

سير جون شانسيلور
هو ثالث مندوب وهو رجل حليم مدقق· وفي عهده بدأ الشعور القومي ينمو في فلسطين· وكانت أول المظاهرات والثورات واللجان البريطانية للتحقيق، وحوادث البراق، وكان صديقاً حميماً لي·

سير آرثر واكهوب
إن هذا الجنرال هو الثاني من المندوبين السامين العسكريين· وكان كشرارة تنقد، حسن النية جوالاً شاطراً· وفي وقته كانت الثورة المعلومة في فلسطين، وفي وقته قيل عن التقسيم· وبهذه المناسبة أتساءل: هل يمكن لعاقل في الدنيا القول بتهويد فلسطين؟!·· إنه لمن خير اليهود ومن واجب الذين يحدبون على اليهود أن يقنعوا بما حصل؛ ولتقف الهجرة ولتستقل فلسطين عربية، ولتكن الطائفة اليهودية لها ما لسواها من حقوق لمواطنين فلسطينيين؛ فإن محاولة أي حل غير هذا فيه الكوارث والخراب والدمار·

سير هارولد مكمايكل
حضر هذا المندوب السامي إلى فلسطين بعد فتور الثورة العربية بفلسطين ولم يمضِ زمن حتى كانت الحرب فشغلت الناس عن كل شيء وفي الحق أنه أحسن عمله في هذه الفترة الخطيرة من الزمن· وإن محاولة الاعتداء عليه من اليهود تري الإنسان من هو مكمايكل في نظر اليهود·

اللورد غورت
لقد كنت أتوقع تولية هذه الشخصية الكريمة لهذا المنصب، بعد أن تولى الدفاع عن جبل طارق وعن مالطة· ولقد صدق الفعل الظن؛ فهو المندوب اليوم، وهو ثاني مشير بريطاني يشغل هذا المقام السامي، وهو من النبلاء المعروفين يضرب به المثل في الشجاعة كجندي وكقائد عظيم· وأن التراجع العظيم الذي تولاه فأنقذ الجيش البريطاني في أول الحرب من دنكرك، يريك من هو لورد غورت· وإنه في مركز شديد الخطورة، وفي بلد أموره شديدة التعقيد؛ يواجه العرب ومن ورائهم الاسلام في هذه الدعوة الصهيونية وإنا لنرى فيه خير رجل لهذا الوقت في فلسطين·
[FONT='Lotus15','serif'][/FONT]
سمو الأمير عبد الله وإلى يساره البروفسور ريجنالد كوبلاند , فاللورد بيل , فالسير هوراس رمبولد
الجيش العربي
حين تشكيل إدارة شرق الأردن، جرى الحديث بين رشيد بك طليع والسير وندهام ديدس السكرتير العام لحكومة فلسطين حين ذاك، عن إيجاد قوة لتأمين الأمن الداخلي في البلاد وعلى حدودها؛ بعدما دار من حديث بيننا وبين مستر ونستون تشرتشل· وكنت رأيت لزوم تشكيل فرقة نظامية بما تحتاج من الصنوف العسكرية المقبولة حين ذاك، من مشاة ومدفعية وخيالة، وأن تكون مركبة من ثمانمائة نفر، مع ما يتبع هذه الكتائب من مدفعية جبلية ومدافع ميدان ورشاشات، وأن يكون فوج فرسان مركب من ألف وخمسمائة رمح أو سيف أو فلنته (بنادق صغار) مع السيف أو الرمح فقط·
ولما جرى البحث بين رشيد بك طليع والسير وندهام ديدس، لم تقرب الحكومة البريطانية إلى تأييد هذا بالمرة، معتلة بفداحة المصاريف، ولكن رضيت بأن تُضمم القوة التي جاءت معي من معان وهي مركبة من متطوعين نظاميين إلى القوة السيارة، وهي قوة فرسان كانت موجودة في شرق الأردن بقيادة الكابتن بيك وهو (الفريق بيك باشا أخيراً) ورضوا بأن تكون معها بطارية جبلية وأن تتكيف من قوة درك في المناطق الثلاث: عجلون والبلقاء والكرك، هذا عدا قوة البوليس·
فدأب الكبتن بيك بصفته مفتش الجيش وساعده فؤاد بك سليم وعبدالقادر باشا الجندي ومحمد علي بك العجلوني وغيرهم من حضرات الضباط العرب، وكانت هذه القوة جديرة بالاعجاب في سرعة تنظيمها وتدريبها وفي لباسها وسائر مقتضياتها·
ولقد قامت بواجبها أثناء حركة الكورة بسير جبريّ من الكرك إلى عجلون، فوصلت سيراً على الأقدام في أربعين ساعة، وتمكنت من إرضاخ كليب الشريدة ومن معه وانصياعهم إلى القانون· ثم كانت موفقة أيضاً أثناء حركة البلقاء المعروفة وبعدها·
وفي عهد الكولونيل كوكس، يوم أن كان لورد بلومر مندوباً سامياً وكان المستر سايمس سكرتيراً عاماً، وبين يدي المعاهدة الانجليزية، أنقصت من قوة الجيش العربي قسم المدفعية وأنشئت قوة الحدود؛ وكانت هذه عملية غير متناسبة بالنسبة للقرارات الأولى·
ثم تعين كلوب بك قائداً لقوة البادية، بعد أن تحقق فعلاً عدم اقتدار قوة الحدود على أي شيء يودع إليها في نواحي البادية· فبنشاط كلوب بك وبالقابلية الحربية في البدو ظهرت قوة البادية بالشكل الموجب للفخر·
وبعد أن أُسندت قيادة الجيش للقائد الحاضر وحدوث الحرب الحاضرة وثبوت صداقة شرق الأردن واخلاصنا لقولنا وعهدنا، توسع الجيش العربي الحاضر فأصبح مفخرة للبلاد، ولا ينقصه من الأسلحة الجديدة سوى قسم الطيران والمدفعية الثقيلة· وإن للفريق كلوب باشا الهمة والجهد المخلص في هذا الباب· فقد قام هذا الجيش إبان مضاعفات الحرب الحاضرة بعملية مهمة في العراق وبمساعدات قيمة أثناء طرد فرنسا الفيشية من سوريا·
وإنا نثبت فيما يلي البرقيات الواردة من القواد الانكليز في هذا الصدد:
يا صاحب السمو المعظم
الآن وقد رجع الفريق كلوب باشا وفرقة جيشكم العربي إلى عمان، بعد قضائهم ذلك الأمد القصير المظفر في العراق، أجد لزاماً عليَّ أن أسجل الشرف العظيم الذي تولاني بانضمامي إلى رجالكم البواسل في المعركة· وليس ذلك فحسب وإنما تقديري الشديد لعملهم الباهر كجنود·
إن أعمال قوة الجيش العربي الناجحة في اجتياز الصحراء في مقدمة خطوطنا الميكانيكية، وتدميرها لمواصلات العدو وقطعها السكك الحديدية، وصيانتها لمواصلات أحد خطوطنا المستقلة من الهجوم الخلفي، كل ذلك جعلني أقدر أياديها العسكرية العديدة حق التقدير·
إن تقدم تلك القوة وعزمها وبشاشة رجالها في شتى الأحوال بعثت في النفس أعظم السرور للانضمام إليها في ميدان المعركة·
فاسمحوا لي يا صاحب السموّ أن أهنِّئ سموكم على الفعالية التي قامت بها هذه القوة الممتازة، وأملي الوحيد أن يسعدني الحظ فانضم إليها وإلى قائدها الشهير في الأعمال الحربية المقبلة·
ولي الشرف أن أبقي خادم سموكم المطيع الميجر جنرال
عن قيادة قوات الحبانية: 1 حزيران 1941 جورج كلارك
* * *
صاحب السمو الملكي الأمير عبدالله – عمّان
بمناسبة عودة قوة البادية من العراق أحب أن أبعث إلى سموكم بأحر تهاني، على العمل الباهر الذي قاموا به بقيادة قائدهم وجميع الضباط والرجال في الواجب النبيل لاستعادة الحرية والحكومة الدستورية·
3/6/1941 مكمايكل
* * *
صاحب السمو ا&##1604;معظم أمير شرق الأردن
هل لي أن أعرب لسموكم عن تقديري وشكري، للخدمات القيمة الباسلة الممتازة التي قامت بها قوة البادية من الجيش العربي وقائدها في العمليات التي أنجزوها في العراق بمؤازرة الجيش البريطاني وسلاح الجو·
4/6/1941 الجنرال سير هـ· م· ولسون
* * *
إلى صاحب السمو الملكي الأمير عبدالله المعظم - عمّان
لقد قامت أمس قوة البادية الأردنية في السخنة بقيادة كلوب باشا، بأعظم عملية ناجحة؛ فقد أسرت ثمانين أسيراً وست سيارات مصفحة واثني عشر متراليوزاً· فأقدم لسموكم تهانيّ مشفوعة بكل احترام، على روح العمل وصفات القتال في قواتكم·
2/7/1941 الجنرال هـ· م· ولسون
* * *
صاحب السمو الملكي الأمير عبدالله بن الحسين أمير شرق الأردن
يا صاحب السمو
بمناسبة الانتهاء الظافر للحرب في أوروبا، أشعر بأنه من واجبي أن أقدم إلى سموكم بالأصالة عن نفسي وبالنيابة عن الجيش البريطاني في الشرق الأوسط تشكراتي الخالصة على الخدمات الجليّ التي قدمتها شرق الأردن والجيش العربي للقضية المتحدة·
إن البسالة والثبات اللذين أبداهما سموكم في السراء والضراء طيلة سني هذه الحرب الطويلة، كانتا محل اعجاب القادة البريطانيين في الشرق الأوسط·
إن موقف سموكم كان بدون ريب الملهم لجنودكم؛ وعندما كانت بريطانيا في سنة 1941 في موقفها الحرج، وقف الجيش العربي وقفة صادقة بجانب حلفائه البريطانيين· وقد قام جنود سموكم بدور هام في عمليات العراق وسوريا، ولولا مساعدتهم في عمليات العراق لكان من الممكن أن تتخذ هذه العمليات شكلاً آخر· وأنه لما يؤسفني ويؤسف سموكم أيضاً كما أنا متأكد بأن الفرصة لم تتح لجنود سموكم بالاشتراك في العمليات الحربية في أوروبا· إن بقاء قواعد الشرق الأوسط في قبضة الحلفاء كان على كل حال عاملاً رئيسياً في كسب الحرب· وأن جنود سموكم في هذه السنوات الخمس قد لعبت دورها الهام في هذا الواجب الحيوي·
إن نظام الجيش العربي قد استوجب احترام القادة البريطانيين الذين كان هذا الجيش يعمل تحت إمرتهم· وقد كانت علاقاتهم بالجيوش البريطانية دائماً علاقات الزمالة العسكرية المخلصة·
وإني أود بأن أبيّن تقديري لموقف الصداقة والمساعدة الذي وقفته حكومة سموكم والشعب الأردني تجاه القوات البريطانية التي كانت في البلاد· وإني على يقين بأن روابط العطف والزمالة التي وجدت في وقت الحرب بين الجيش البريطاني والشعب الأردني ستستمر أثناء سنوات السلام التي نأمل أنها أمامنا·
لي الشرف أن أكون خادم سموكم المطيع
8 أيار 1945 باجت
حول فتنة العراق
ولمناسبة ذكر فتنة العراق سنة 1941، أود أن أثبت هنا البيان الذي كنت أذعته في شعبي الأردني العزيز، في ذلك الظرف العصيب·
بيان عن الشعب الأردني الكريم:
لقد علمتم بما يجري في هذه الآونة في بلاد العراق الشقيقة من حوادث مؤسفة، نشأت عن أن فئة اغتصبت سلطة الحكم في هذا القطر العزيز قد رغبت في اتباع سياسة خاطئة ترمي إلى تعريض هذا البلد العربي الكريم إلى القلاقل والفتن وسلامته واطمئنانه إلى الفوضى والاضطراب·
ولقد كنت أول من انتابه الحزن والأسى لوقوع هذه الحوادث المؤسفة في قطر كانت الأمة العربية بأجمعها ولا تزال تعتبره المثل الحي للاستقلال الكامل الذي ما برح أمنية البلدان العربية الأخرى تسعى إليه بجهود قومية موفقة إن شاء الله·
ولكن الغموض الذي رافق هذه الحوادث في بدايتها وما تغذيها به الدعايات الخبيثة المغرضة من أفكار السوء والدس والفتنة، كل ذلك لم يساعد الرأي العام على الوقوف على حقيقة هذا الموقف الطارئ الذي أرادت تلك الدعايات السامة أن تروج به مقاصدها الهادمة لاستقلال العراق وحريته وتسميم الأفكار العربية جمعاء·
وإنني بالنسبة لما أشعر به نحو العراق الشقيق من عواطف الحب والولاء الشخصية فضلاً عن روابط الإخاء الصادق التي تربط هذه الإمارة به وفضلاً عن خدمة البيت المالك في البلادين، قد رأيت من واجبي أن أذيع على شعبي الكريم بياني هذا، لأعلن لهم فيه أن الحركة القائمة هناك أدت إلى نزوح حضرة صاحب السمو الملكي الوصي على عرش العراق، تبرؤاً مما جرته هذه الفتنة على العراق من ويلات ومصائب كما جاء في بيان سموه الذي أذيع على الشعب العراقي بعزمه الصادق على العودة إلى العراق إن شاء الله مرجعاً لتلك البلاد واستقلالها وسيادتها وطمأنينتها إن شاء الله· وكما علمنا من تصريحات وزير خارجية بريطانيا العظمى المستر ايدن من أنه ليس في نية الحكومة البريطانية الانتقاص من حقوق العراق الاستقلالية وسيادته بأي صورة من الصور وليس بينها وبين الشعب العراقي أي اختلاف أو عداء· هذا وإن العزم منصرف إلى إعادة الحالة الطبيعية والود الحقيقي بين الأمتين الحليفتين، وإني موقن بذلك كل الإيقان إن شاء الله تعالى· فلإيضاح الحال وتنوير الأذهان أعلن هذا لشعبي الكريم·
عمان في 19 ربيع الآخر سنة 1360
الموافق 16 أيار 1941 «عبدالله»
* * *

وبتاريخ 18 أيار 1941 - وأنا في إربد - أرسلت الملاحظات التالية:
إلى سعادة الجنرال ويلسون·
1- مساعي الألمان الافسادية في بلاد العرب وكيف نستطيع إحباطها·
2- تجلى للعيان أن الألمان قد توقفوا في مساعيهم في العراق·
3- تبذل هذه المساعي بكل قوة في المدارس والكليات بسوريا ومصر وفلسطين وشرق الأردن·
4- تبذل هذه المساعي بين العمال في كل محل يوجدون فيه·
5- إن إذاعات الراديو في فلسطين ومصر تساعد على تلك المساعي بإذاعة ما يظنون أنه لهم وإذا به عليهم· مثال ذلك ذكر نزول الطائرات المعادية بسوريا والعراق، فهذا يجعل الناس يظنون أن الألمان يستطيعون عمل كل شيء·
6- يجب سرعة ضرب الأعداء في العراق بأسرع ما يمكن·
7- بقاء الجيش البريطاني بالصحراء بين الرطبة والفلوجة وبالبصرة دون تقدم، أمرٌ لا أرضاه، وأرى أنه يقوي الخصوم ودعايتهم·
8- الحالة في سوريا تأتي بالدرجة الثانية بعد العراق· وإنني أرى الحكمة في سياسة حكومة جلالته بالنسبة إلى حليفتها السابقة فرنسا، ولكن أعتقد جازماً بأن العملية التي قامت بها ضد أسطول فرنسا في وهران يجب أن تطبق حالاً في سوريا· لذلك أرى أنه أولاً يجب طلب كل دبابة وكل سيارة مصفحة في سوريا وكل طائرة، وتسليمها لجيش جلالته أو حجزها تحت ضغط قوات بريطانية، أو نقلها إلى بلد محايد كتركيا مثلاً؛ على أن تبقى الإدارة في سوريا في أيديهم - أيدي الفرنسيين - وإذا لم يقبلوا فيجب الدخول إلى سوريا حالاً، حيث من المقرر إعلان وحدة العراق وسوريا بتعضيد من الألمان· وأنه من المقرر جلب جنود ألمان بالطائرات وتسليم كل الأسلحة الفرنسية من آلية وغيرها إليهم، وحينئذ ينبغي على حكومة جلالته أن تعاني متاعب إيجاد قوة عظيمة هنا وفي فلسطين مثل قواتها على حدود ليبيا·
9- يجب إعادة روح الصداقة في العراق وسوريا بين العرب والانكليز حالاً، بالقضاء على المتمردين وفق ما شرح أعلاه·
10- إنني منزعج لعدم وقوفي على الحالة السياسية والحركات العسكرية في حينها، ومنزعج لامكان تغلغل الدعاية المعادية إلى بلادي إذا طال المدى· إنني في وضع عادي، أي كأنه وليس في الدنيا شيء عاطل غير عامل لخير بلادي وأصدقائي· وربما يلاحظ أن شيوع مساعداتي تغضب ملكاً من ملوك العرب، ولكن أرى أنه قد لا تكون هذه الملاحظة مفيدة في هذه الأوقات الحرجة· وإنني أطلب أن أكون سيد بلادي الأمين لحلفائي والقائم بوظيفتي قبل فوات الفرص·
11- ليس لي ما أقوله في مسألة التحكيمات المقامة من إربد إلى سال، والأخرى في ناحية المفرق، غير ملاحظتي بأن المسافة بينهما عظيمة جداً ومن الممكن للعدو المفروض اجتياز ما بينهما ليلاً·
12- ألاحظ أن هذا التحكيمات لا تكون ضامنة النتيجة إلاّ إذا كان جبل الدروز في يد الجيش البريطاني؛ فإنه إذا كان هذا الجبل على حاله في أيديهم، ففي إمكان الأعداء دخول البلاد من شرقي المفرق فالزرقاء فوادي الأردن فضفاف الشريعة - إن شاء الله - أو من عمّان أو من وادي الزرقاء ومنحدرات جبل عجلون·
* * *
ولما أُخمدت فتنة العراق، وانهزم مثيروها الهوج، وعاد الملك والوصي إلى مقرهما تلقيت من سمو الوصي البرقية التالية:
حضرة صاحب السمو الملكي سيدي الأمير عبدالله المعظم – عمّان
بحمد الله ورعايتكم انتهينا هذا اليوم من حل مشاكلنا وقد تألفت الوزارة برئاسة فخامة جميل المدفعي، وما أخرنا عن ارسال برقية إلاّ انتظاراً لتصفية جميع الأمور لتكون البشرى التي أرفعها لسيدي كاملة، لأني أعلم كما يعلم غيري أن ما يعنينا يعنيكم أكثر من أي إنسان، وما ذلك إلاّ لحنوكم الأبوي وكونكم الأساس المتين الذي ترتكز عليه عائلتنا عند الشدائد والمحن وليس من المستبعد أن نستنير بهدى من عركته الأيام وصقلته التجارب· وبالختام أتمنى لمولاي وللعرب جميعاً أياماً كلها عز وسؤدد·
3 حزيران 1941 عبدالإله
* * *


وبتاريخ 9 جمادى الأولى 1360 الموافق 4 حزيران 1941 عادت قوات الجيش العربي الأردني من عملياتها في العراق، فألقيتُ فيها الكلمة التالية:
مرحباً بالقوة الموفقة، مرحباً بالقوة الظافرة المطيعة، وشكراً لها ولقائدها·
لقد عدتم من مهمة دقيقة مثلتم فيها الوفاء وواجب الطاعة والإخلاص للبيت الهاشمي·
لقد عدتم بعد أن قمتم مساهمين في إطفاء هذه الفتنة أحسن مساهمة فبورك فيكم وفي عملكم·
لقد وصل الوصي إلى بلاده وعدتم أنتم إلى بلادكم وكلا البلادين بلاده وبلادكم· وعليَّ أن أنبئكم بأننا جميعاً في طريق وحده كنا نرجوها وقد مزَّقها أولئك الذين طردتموهم من العراق·
استعدوا دائماً للقيام بما يطلب إليكم كما استعد أجدادكم الذين كانوا مع أجدادنا، واحذروا الفتن ودعاتها واحذروا أهل الدس والنفاق·
لقد عدتم والوجوه باسمة مشرقة، لقد عدتم وأنا راض عن عملكم كل الرضى، فأنتم فخرنا وعليكم بعد الله اعتمادنا·
فليحي الجيش العربي الباسل ولتحيى قوة البادية الظافرة ولتصل الأمة العربية إلى أمانيها القومية بفضل الله وكرامة رسوله [، وبحسن مؤازرة حليفتنا بريطانيا العظمى، ولنف لها كما وفت لنا ولنساعدها في مهمتها العالمية الشاقة بكل شهامة واهتمام·
والآن أوجِّه إلى قوة البادية الباسلة المحبوبة وسام النهضة العليّ الشأن من الدرجة الثانية، مرفوعاً على هذا العلم الذي أسلمه إليكم لترفعوه عالياً، ولتدافعوا تحت ظلاله عن مجدكم، كما أنني قد أصدرت إرادتي بصنع سيف ذهبي مرصع يهدي إلى قائدكم تقديراً لعمله وشجاعتكم·
* * *
رسالة من نوري السعيد والجواب عليها
سيدي ومولاي صاحب السمو الملكي
بعد التشرف بلثم اليدين الكريمتين والابتهال إلى الله جل وعلا بأن يطيل عمر مولاي ويقرن أيامه الغر بالعز واليمن· أعرض أنني من واجبي - وقد عدت إلى العراق - أن أعرب عن عظيم تأثري وعظيم اغتباطي بالعطف السامي والفضل العميم اللذين شاء نبل مولاي أن يغمرنا بهما في أثناء إقامتنا في الشرق العربي في الآونة الأخيرة·
والواقع أن ما لقيناه من سموه الملكي في أثناء الفتنة المؤسفة التي اجتاحت العراق في تلك الآونة ليس سوى حلقة جديدة من سلسلة أفضال سموه التي تبعث علينا خلال بضع السنوات الأخيرة المكتظة بالأحداث والأرزاء، فكانت خير بلسم لجراحنا وأسطع نبراس أنار طريقنا في المراحل المظلمة التي اجتزناها، وأفضل مشجع لنا على مجابهة المصاعب المختلفة ومعالجة المشاكل المتنوعة التي اعترضت سير البلاد نحو أهدافها السامية ومثلها العليا التي اختطها لها البيت الهاشمي العظيم وتولى قيادتها إليها·
كان قلمي عاجزاً عن التعبير عما أشعر به نحو عطف مولاي من التقدير والامتنان وإذا ، فإني مطلق لساني بترتيل آيات الشكر والامتنان ومتوجه بقلبي إلى الله تعالى، سائلاً إياه أن يجزي مولاي عنا خير الجزاء وأن يقر عينيه بتحقيق آمال الأمة العربية التي وقف عليها جهوده فيجلي عن آفاقها سحب الظلمة والإبهام ويبدل ذعرها أمناً وشكها يقيناً وأمانيها حقائق ويمهد أمامها سبل المجد والفلاح·
وأنتهز هذه الفرصة لتقديم عظيم احترامي وخالص أماني للأمراء الكرام، سائلاً المولى أن يقر بهم عيني سموه وأن يديمه ذخراً وملاذاً للأمة العربية؛ وليتفضل مولاي بقبول فائق احترامي وتعظيمي·
بغداد في 15 حزيران 1941 العبد المخلص نوري السعيد
* * *
عزيزي نوري باش
لقد تلقيت بأنامل السرور رسالتكم الكريمة المؤرخة في 15 حزيران 1941 والصادرة عن بغداد، ولقد قدرنا ما جاء فيها من جمل وكلمات حق التقدير؛ وأنه من كان له مثل سابقتكم في الحجاز في حروب الثورة من بابها إلى أن بلغت نصابها فحري أن يكرم ويبجل متى كان لذلك التكريم والتبجيل سبب وسبيل·
أما وجودكم لدينا قبل قدوم سمو الوصي وأثناء وجوده هنا، فهو منكم عمل فذ لا يقوم به إلاّ كل شهم محب لوطنه· فقد برّأكم الله من كل ما ألم بالعراق في تلك المدة من خراب وتدمير على أيدي الأئمة الأشرار، سواء من كان من أهل العراق أو ممن حرضهم أعداء الكمال والاستقرار من فرار الأقطار بفلسطين وسوريا· والله أسأل أن يعيذنا جميعاً من شر كل هماز مشاء بنميم مناع للخطر معتد أثيم·
رغدان في 24 حزيران 1941

سمو الأمير عبد الله لدى نزوله من الطائرة في مطار بغداد , في زيارته الأخيرة للعراق
استعراض الموقف الحاضر في البلاد العربية
موقف العراق والأردن إزاء التضافر السوري اللبناني النجدي وتشجيع السياسة العليا له، وموقف مصر كالوسيط في تنفيذ سياسة مجهولة، ووجود نجد بالحجاز وما يجب على البيت الهاشمي وأنصاره بالعراق وشرق الأردن إزاء ذلك·
تمهيد
بالنظر لما يجري اليوم من أحاديث ومحاولات، وبالنسبة لأن الفكر القائم الآن قد يخرج السير العربي نحو استكماله من طور إلى طور، فمن واجب الأمانة وضع مبادئ الثورة العربية الكبرى ومبانيها في هذا البيان لاطلاع صاحب السمو الملكي الوصي المعظم ورئيس وزراء العراق ووزير خارجيته ورئيس وزارته السابقة الفخام على ذلك·
الأمة العربية
الأمة العربية ذات التاريخ وصاحبة الماضي المجيد والتي نزل على نبيها القرآن والتي فتحت المشرق والمغرب في أقل من ربع قرن وجاءت بالإصلاحات الدينية والمدنية وبما يقتضيه الإخاء الإنساني، أمة لا يجوز أن تكون مستعمرة مستعبدة، بل هي أمة قائمة مستقلة هادية، أما بقاؤها في ظل حكومات غير عربية ولكنها مسلمة فقد جاء عن رضوخ تلك الأمم للتعاليم الاسلامية والإخاء المحمدي· فإذا سادت تعاليم القرآن وعمل بالسنة فالعربي حينئذ سواء عنده أكان سلطانه عربياً أم كان ينتمي إلى غير العرب م المسلمين· لذلك كانت الأمة العربية تنظر إلى سلاطين الاسلام بما أعطاها الله من شرف خص به النبي العربي عليه الصلاة والسلام·
تصدع الرابطة العربية العجمية
على أنه لما جاء العصر الأخير والذي قبله، حدث شيء من التحور زلزل تلك الرابطة الجامعة بين العربي والعجمي؛ فمنشور التنظيمات الخيرية الصادر في عهد السلطان محمود الثاني كان أول مرقاة للخروج على التعاليم العربية المستمدة من قرآنها وسنة نبيها إلى الشكل الغربي الغريب الذي لم يفهمه منتحلوه أنفسهم؛ فكانت النكسات والاختلافات والتعثر في السير والتكلؤ في العمل ومن ذلك تحوير شكل الجيش والإدارة فجأة والقضاء على العسكرية الينيشارية وإيجاد الجند المسمى >بالنظام الجديد<· وحوادث مورة التي استخدم فيها الجيش المصري بأمر من السلطان إلى والي مصر محمد علي باشا آنذاك، وما كان هناك وفي كريت من فواجع وخاصة على الأسطول التركي المصري في ناوارين، ثم صدور الأمر السلطاني إلى والي مصر بالتوجه إلى الجزيرة العربية أيام محمد بن عبدالوهاب، وقد حدث ذلك وتكلل الجهد المصري بالنجاح في الحجاز ونجد وعسير حتى صنعاء·
بوادر الانفصال
بعد ذلك تراءى لوالي مصر الوهن في الجسم العثماني، فاقتحم إلى سوريا والأناضول وكانت هزيمة الجيش العثماني المشهورة أمام الجيش المصري، ثم تدخل روسيا وانكلترا في الأمر وارجاع الجيوش المصرية إلى مصر مخلية الأناضول وبلاد العرب بأجمعها، وارضاء والي مصر بأ&#1#1606; تكون ولايته فيه وفي أعقابه باسم والي مصر وبفرمان سلطاني، ومشى به الأمر كذلك حتى زمن الخديوي اسماعيل الذي حصر الإرث في نسله على أصول الوراثة الأورباوية وسمي «الخديوي»·
وكانت هذه الظاهرة أول صبغة عربية استقلالية بدت في مصر، عقبتها محاولة الشريف عبدالمطلب بن غالب - الذي كان أميراً على مكة بعد الشريف محمد بن عون رأس الأسرة الهاشمية الحاضرة، والصديق الحميم لمحمد علي باشا والي مصر - فقد انتهز ذلك الشريف الفرصة السانحة بسبب الحرب الروسية العثمانية المعروفة بحرب القدم، فحاول إعادة استقلال الحجاز إليه إلاّ أنه لم يتوفق إلى ذلك·
وعند الانقلاب العثماني الأخير الذي أعيد بسببه الدستور العثماني لسنة 1392 تحولت الحاكمية السلطانية إلى حاكمية ملية محصورة في العنصر الذي منه السلطان، وغدت سائر العناصر والأقاليم تبعاً للعنصر الحاكم، وشرع في تتريك العناصر الأخرى لتغيير صبغتها القومية ودفع الخطر عن السلطنة الدستورية التركية، الشاعرة بوجود أجناس أخرى في الامبراطورية هي أكثر عدداً وتدين بالاسلام· وبدأت الأحزاب المختلفة والأندية المتعددة لكل أمة تتشكل وتتكيف وتناضل عن حقها وتطالب· وأحس بالضغط من فرقة الاتحاد والترقي التركية في الانتخابات للبرلمان العثماني كي لا ينجح في عضوية البرلمان إلاّ من كان تركياً أو اتحادياً· عند ذلك شعر العرب، وشعر معهم بقية الأقوام الأخرى ممن تتكوَّن منهم الامبراطورية، أنهم على خطر الزوال؛ فحدثت الثورات في بلاد الأرناؤوط وفي جبل الدروز وفي الكرك، وتولى إخماد الثورة العربية سامي باشا الفاروقي المعروف، وكانت الثورة في عسير وقد أخمدها أمير مكة الشريف الحسين بن علي، وثورة اليمن وقد أخمدها المشير عبدالله باشا وأتم أمرها المشير عزت باشا·
وكان الشريف متمسكاً حينذاك بالرابطة العثمانية، بفضلها ويرى بقاءها ويؤثرها على انهيار وتصدع لا يعرف مداه ولا تؤمن عاقبته، إلى أن بلغ الصلف الاتحادي ذراه وشوهد أن أمر انفصال العرب عن الأتراك الذين تعادوا وتهوروا وازدروا كل ما سواهم أمر لا بد منه· فطالبت سوريا بإدارة لا مركزية واستولى ابن سعود على الإحساء واتفق الإمام في اليمن مع الاتحادين على شكل معين، وشدد الأمر بين السيد الإدريسي والترك على طريقة خاصة؛ وكانت هذه أول مرقاة أيضاً إلى الانفصال والقلوب مفعمة بالعداء ورجال الدولة من الاتحاديين يحرقون الأرم على كل عربي نابه·
الوفود إ&#160#1604;ى الحجاز والمساعي العربية
ثم ترامت الوفود إلى الحجاز من القطر الشامي، وعرضوا على الشريف في مكة ما الناس فيه من سوء حال ومستقبل مظلم مع الظلم والاضطهاد والنفي والإبعاد، حتى جاءت الحرب السابقة وجاء جمال باشا بسلطانه وعدوانه إلى دمشق، فضاقت الأرض بما رحبت وخاف بأسه كل عزيز وذليل· وفي غضون ذلك كانت مذاكرات القضية العربية بين الشريف وبين رجال الاتحاد والترقي تجري بالمخابرة أحياناً، وأحياناً بواسطة الأمير فيصل بن الحسين ملك سوريا أخيراً وملك العراق فيما بعد ذلك· وكانت المكاتبات تدور من الناحية الأخرى مع بريطانيا العظمى لإيجاد الحلول الموصلة العرب إلى حقهم الأكبر فيما إذا أخفق العرب والترك في الاتفاق·
تحديدات
وقبلت بريطانيا العظمى مساعدة العرب بقيادة شريف مكة، لوصولهم إلى استقلالهم وتحريرهم من نير الأتراك والألمان في كافة البلاد العربية، ما عدا الساحل الغربي من ولاية الشام وذلك يعني جبل لبنان، فقد كان الرأي المتقرر في مكة عدم إكراه لبنان على ما لا يرتضيه وأن له الحرية التامة في أن يسعى لنفسه ما يشتهيه· وما لبنان في البلاد العربية إلاّ عون لها مع أي صبغة يكتسبها·
ويدل التحديد المتقدم على أن ساحل حلب والساحل الفلسطيني معترف بهما للناحية العربية، واستثنت بريطانيا الإمارات العربية التي لها صلات عهدية مع حكومة الهند وهي الإمارات التالية:
إمارة آل سعود في نجد، إمارة الكويت، إمارة البحرين، سلطنة مسقط وعمان، سلطان حضرموت، ولحج، وإن مستعمرة عدن والنواحي الست التي على حدها مستثناة، هذا ولم يُستثنَ من الحركة العربية سوى ما ذكر أي بلد·
فاليمن وعسير وإمارة حائل في عهد ابن رشيد، والعراق وكله وسوريا؛ هذه تعهدات بريطانيا العظمى أن لا تعقد أي صلح مع تركيا وألمانيا قبل أن يتم تحريرها·
وعلى هذا بنيت الثورة العربية لإيجاد دولة عربية واحدة يرأسها ملك واحد وترمي إلى هدف واحد· وكانت الأمة حينذاك مستكملة الشروط الضامنة لقيامها على قدمها، وكانت لها متصرفية فلسطين وولاية بيروت وولاية حلب وولاية سوريا وولاية بغداد والموصل وولاية البصرة وولاية الحجاز، تلك المجموعة من الولايات الغنية بشبابها ورجالها من ملكيين إداريين وعدليين ومن قضاة شرعيين وأمراء عسكريين من أعلى الرتب إلى أصغرها، وكانت الجيوش العثمانية العربية مركز أحدها دمشق ومركز الثاني بغداد، وفي الحجاز الرجال الذين حملوا عبء هذه المسؤولية العظمى متكلين على الله وعلى الخلاص والأمانة في الأمة وعلى الوفاء من حليفتهم بريطانيا العظمى·
نتائج
وما أن ألقت الحرب أوزارها حتى عاد الناس من العرب الذين كانوا يخدمون الأتراك بالاتفاق مع حزب الاتحاد والترقي واختلطوا برجال الثورة العربية في هذه الأنحاء واختطفوا منهم زمام التوجيه فعملوا على استقلال سوريا والعراق· وكان عهد سايكس بيكو وجاءت الانتدابات على موجبه فكافحوها وأوجدوا الميثاق القومي الذي نص على حدود سوريا من أولها إلى آخرها ميثاقاً لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه· ثم جاءت الضربة الفرنسية وأخرج الملك ونكست الأعلام فتخبطت سوريا بعد أن أضاعت مركزها العالي الرفيع، وتقسمت كما هو معروف إلى سوريا ولبنان الخاضعين للانتداب الفرنسي وفلسطين وشرق الأردن الخاضعتين للانتداب البريطاني، وجاء التحديد الحاضر بين أجزاء هذا البلد الواحد على هذه الكيفية ولهذا السبب ولقيام الانتدابين·
وبعد ذلك كانت الحركة الوهابية الأخيرة التي أدت إلى خروج العائلة الهاشمية من الحجاز، بعد جهاد وجلاد أدى فيه البيت حقه لبلاده المقدسة وحرص على أن لا تصبح الأمة العربية متحيرة لا رأس لها يجمع كل أجزائها، ليتابع مسؤولياته في الاحتفاظ بحقوقها· ومن المعلوم أن بريطانيا العظمى كانت متعهدة بأن لا تسمح لأي واحدة من الإمارات والسلطنات العربية التي لها صلات عهد بحكومة الهند في أن تعرقل مساعي الثورة العربية أو تقف معاكسة لها، حتى تتمم واجباتها القومية· وقد أوقفت الحكومة البريطانية اعتداءات الوهابيين على المملكة الهاشمية في الحجاز أكثر من مرة، وأخيراً في مؤتمر الكويت، ولما لم يوصل إلى اتفاق حينذاك، كان ما كان مما حصل فسقط الحجاز، وبسقوطه أصبحت القضية العربية منقسمة إلى قضايا مشتتة بين يمن ونجد وعراق وإمارة وجمهوريات في سوريا وبلاد منتدب عليها فلسطين· ومن المقتضى عدم اغفال بيعة الناس في مكة لصاحب النهضة بأنه ملك البلاد العربية، وقد ضربت السكة النقدية بهذا الاسم، ثم جاءت التجزئات السابقة كم ذكر·
وأننا، لما ذكر، نلقي هذه الحوادث بين أيديكم ليتبين أنه من الخسران العظيم على الأمة العربية أن تظل التجزئة فيها تحت اسم استقلالات واهنة تجعل كل جزء من هذه الأجزاء غير قادر فعلاً واقتصاداً على حفظ كيانه أن لم يعد بمجموعة إلى كيان واحد، واضعين أمام الأمة هذه الحقائق خشية فوات الوقت ومخافة العمل على دوام هذا الشكل بهذه الأسماء التي لا تلبث أن تعصف بها أعاصير السياسة فيأتي الندم حين لا ينفع الندم· وأي خسران على رجال الثورة إذا رأوا أن عملهم الانفصالي لم تكن له نتيجة سوى تجزؤات لمنفعة أشخاص وعدم ظفر الأمة بما كانت ترمي إليه من مجد موحد وحق تاريخي·
وعلى هذا، وبعد البيان الموجز الذي سردناه فيما يتعلق بمبادئ الثورة ونشأتها ومراميها، نرى أن إيجاد هذه الدويلات في الشام من حدود مصر إلى العراق إلى تركيا هو تقسيم ضار بمصلحة العرب، وأنه التحديد الذي أقامه شكل الانتدابين وأنه هو الذي كافحه الوطن ووقف في وجهه· فإن قبلنا هذا التقسيم واقررناه فكأننا رضخنا لما كانت الأمة رفضته، وستكون حجتنا واهية واهنة إزاء مطامع اليهود وأنصارهم إن طلبوا مث&#1#1604; ذلك في فلسطين·
من هذا كله يتبين أن البلاد العربية التي لا تزال في يد ورثاء الثورة من رجال البيت الهاشمي وأشياعه هم العراق وشرقي الأردن، وأن عليهما واجبات وتبعات من المقتضى أن ينظروا إليها بحقيقتها والاعتراف بها بالنظر للحقائق الآتية وهي:
*أ- الإقرار بأن سياسة إعلان استقلال سوريا والعراق عند انتهاء الحرب السابقة وفصلهما عن الحجاز قبل أن يتم الصلح بين تركيا وأعدائها وقبل أن تتنازل الحكومة التركية عن حقوقها في هذه البلاد لهذه الأمة كان من أكبر الأخطاء·
*ب- الاعتراف بأن استقلال سوريا والعراق وانفصالهما عن الثورة العربية والملك الواحد هو الذي جر الانتدابات على هذه البلدان·
*ج- الاعتراف بأن قرار التغيير في البيت المالك للحجاز هو إزالة الرئاسة الواحدة للبلاد الواحدة وأن كل هذا ليس في مصلحة الأمة العربية بأجمعها·
وعليه فخلاصة ما هو واقع الآن من دعوة إلى وحدة أمر لا يعرف منشأه والغاية منه· إلاّ أن هنالك مساعي خفية يجب البحث عنها والعثور عليها· فمسألة إيجاد وحدة عربية أو اتحاد عربي مسألة موهومة خطيرة؛ ففلسطين لا تزال محل اصرار لإتمام آمال اليهود فيها وأنها لا تزال تحكم حكماً مباشراً من انكلترا، سوريا ولبنان وإن كان يقال أنهما قد استقلا استقلالاً ذا سيادة وإن لديهما وزراء مفوضين من دول كبرى فإنه مع هذا يقال عنهما أنهما لم يُزَل عنهما الانتداب الفرنسي بشكل فني؛ وهذه نقاط ارتكاز إن دلت لا تدل إلاّ على التشكيك· وكذلك فشرقي الأردن الموعودة بصورة صحيحة إلى الوصول إلى مصاف اخواتها مرجأ أمر تحقيق ما طلبت إلى ما بعد الحرب، فهي مقيدة الحرية نوعاً· ولا تزال المملكة الحجازية منضمة إلى نجد وهي عقدة العقد لدى البيت الهاشمي وعقدة العقد لدى العالم الاسلامي بأجمعه في حجه وزيارة قبر نبيه، إذ أنه محظور على هذا العالم الكريم من أن يقوم بواجبات معتقداته كما يريد، وإن الأقلية المتعصبة المتحكمة فيه ليس لها في قديم الاسلام ولا جديده من فضل، وهذا لا ينبغي أن يغفل أمره·
وأنه لا ندري بالنظر للمسائل المعلقة بين انكلترا ومصر فيما يتعلق باحتلال مصر فيما ينوب الجانبين في السودان، ثم إنا على جهل تام من درجة تحقيق أماني الوحدة أو الاتحاد وما يملكه رئيس وزراء مصر من وعود سرية يعلمها هو من لدن انكلترا وأمريكا إلى أي حد هي· فإذا وقع إشكال بين الدول الغالبة التي لها من الحرب السابقة يد قوية على البلاد العربية، فهل سيسمح للمؤتمرين أن ينفذوا ما سيقررونه أم لا؟
ولذلك فمن واجب بغداد وعمان السعي للسير على سياسة هاشمية موحدة مع صرف المساعي للقضاء على من يريد إخراج القضية العربية عن مبادئ النهضة الأولى، بالأخص في القطر السوري الذي قد قام به تفاهم سعودي سوري لبناني خطير، وبذل الجهد لإحياء أنصار الثورة مرة أخرى بهذه الديار وإعادة الدعوة الهاشمية بها· هذا فيما يخص العراق والأردن وأنه يجب عليهما الدعوة الهاشمية بها· هذا فيما يخص العراقو والأردن وأنه يجب عليهما لفت نظر النحاس باشا إلى أن يطلب باسم المؤتمر من الحكومة العربية السعودية إيجاد إدارة دستورية وحكومة مسؤولة بالحجاز قائمة على هذا الأساس لتأمين الرقي واستكمال أسباب الدفاع وتأمين حرية المذاهب في البلاد المقدسة حتى تتمكن الحكومة النجدية من اكتساب ثقة العالم الاسلامي·
وكذلك فمن واجب الساعين للاتحاد أو الوحدة إظهار الرغبة في أن تكون المملكة اليمنية تحوز شيئاً من الاصلاح العصري، مع شكر جلالة الإمام على أنه احتفظ بهذه القطعة المباركة بشكلها الحاضر سالمة نقية· ولذلك ولئلا يقع أي فشل في هذا الجهد، فمن الممكن عقد اتفاقات ترمي إلى وحدة عسكرية في نظامها، ووحدة مالية من حيث النقد وقيمته، ووحدة ثقافية ووحدة اشتراعية في غير الحجاز، ثم إيجاد عهد دفاعي لدرء أي خطر قد يقع على أي قسم من هذه الأقسام؛ وأن تتم هذه في سنين معينة بعد التداول، ومع هذا فلا ينبغي منع هذه الأقسام من أن تنضم متحدة أو موحدة كلها أو بعضها متى شاءت وفي أي لحظة أرادت·
وأنه ينبغي وحدة العمل وبناء وحدة عقيدة يدافع عنها الجميع أثناء الخروج من الحرب الحاضرة إلي حالة السلم، وما يمكن أن ينجم من وراء هذا من أضرار تلحق بالبعض أو الكل، مع الدعوات الطيبة وتمنيات الخير للأمم العربية وملوكها وزعمائها الكرام·
الوحدة العربية وكيف مزقت
وسوريا وكيف ضاعت، وسوريا ورئاسات الدولة فيها وجمهورياتها،
وفلسطين وأحزابها وصهيونيتها وسبب ضياع الحجاز من أجلها،
وسوريا واستقلالها الاخير المزعوم وحالتها اليوم

مزقت الوحدة العربية بسبب الانتدابات، وكانت مساعي منوري سوريا في عهد الدستور العثماني طلب إدارة لامركزية، وبالطبع فإن دعاتهم جعلوا مركز دعايتهم في أوروبا باريس وفي الشرق مصر· ونظراً للضغط التركي كان العطف على هذه المزاعم في كل بلد عربي مرئياً ظاهراً، فجاءت الحرب العامة فاستغلت وقامت الثورة العربية·
ولما تبيّن أن الحركة العربية ثابتة، جاء سايكس وبيكو إلى جدة ومعهما الملك فيصل، فكان ما تذاكروا فيه - مما خفي عليَّ إلى الآن - غير ما كتب إليَّ الوالد عنه وأنا بوادي العيص، وهو قوله: «حضروا فأبدوا لنا ما أرادوا فأجبناهم بما ألهمنا الله وقد عادوا وعاد أخوك»·
فمنذ ذلك الحين والجيش الشمالي العربي الذي يقوده الملك فيصل، كان ينال كل مساعدة وتأييد من الانكليز والفرنسيين؛ وباقي جيوش الثورة في الحجاز كانت لا ينالها من المطر إلاَّ الرشاش· وتبيّن أن هذه الجهود تنصرف لإيجاد قوة تسند جيش اللنبي من يمينه، وتبيّن أن المحادثة كانت لإيجاد سوريا مستقلة عن الحجاز، وإيجاد دولة عراقية مستقلة عن الحجاز أيضاً·
وبعد أن جلت الجيوش العثمانية عن بلاد الشام إلى ما وراء حلب، ظهر عياناً أن سفر الأمير فيصل إلى أوروبا باسم رئيس الهيئة العربية في مؤتمر الصلح إنما هو أمر ظاهر، والحقيقة هي أنه كان يعمل بين لندن وباريس للاتفاق على إيجاد مملكة سورية مستقلة عن الحجاز؛ وأن الأمر لظاهر، فإن في إنزال الراية العربية عن بيروت في أول أيام الهزائم التركية ما يشير إلى صحة ما ذهبنا إليه·
فهذه السياسة هي التي مزقت وحدة العرب وملك العرب· فلما تم ذلك وكانت البلاد ترغب شيئاً، والذين يريدون الرئاسة والحكم يعجزون عن الحصول على ذلك الشيء وهو استقلال البلاد الحقيقي، جاء التبلبل والتردد مع عدم الاستعداد، وعملت العصابات ما أشير إليها·
ثم لما وقعت الواقعة دخلت فرنسا وفر المترئسون، وهكذا سقطت سوريا وجاء الرجال الذين ترأسوها تحت إمرة المفوضين السامين الفرنسيين من رؤساء الحكومة ورؤساء الجمهوريات إلى أن حلت الحرب الأخيرة، فهزمت فرنسا واستسلمت وجاءت حكومة فيشي وسيطرت وجاءت اللجان الألمانية الإيطالية، واضطرت إنكلترا إلى التدخل لسلامة نفسها قبل كل اعتبار، فأدخلت معها ديغول ومن معه، فكان للانكليز فرنسا وللألمان فرنسا أخرى· أما العرب فهم ينتظرون مصيرهم مستسلمين، ولقد وقع ما كان ينتظر·
وبعد أن تم إخراج فرنسا الفيشية قيل إن ميدان الحرب بعد عن الشرق الأوسط وأن لا مانع من إعادة الحياة الدستورية إلى سوريا ولبنان مع الاعتراف باستقلالهما؛ وقد جرى ذلك تحت ضمانة بريطانيا كما يعرفه الناس·
وكانت الانتخابات وجاء البرلمان السوري وجاءت الجمهورية الحاضرة، ثم حصل ما حصل بين هذه الجمهورية وفرنسا، وتدخلت انكلترا لتأمين الأمن فكبلت أيدي الفرنسيين وأرخت الحبل بيد الحكومة السورية، على أن يكون في لندن مؤتمر لحل المشكلة؛ وهذا يعني إن الإشكال لا يزال في طريق الحل، وأن انكلترا كانت أوصت الطرفين بالتقابر، وأنها تريد نفاذ استقلال سوريا ولبنان، ولا تنكر مركز فرنسا الممتاز في البلدين·
أما فلسطين فلا تزال تتخبط تحت شهوات أحزابها· فالعرب في تأخر واليهود كل يوم يستزيدون أرضاً يملكونها· ولقد أدهشني ما رأيت بينما أنا في طريقي من جنين إلى اللد، من مستعمرات اليهود؛ فالساحل كله من حيفا إلى يافا أصبح بأيديهم، وقد عمروا تلك الرمال واستخرجوا مياهها وأحيوا مواتها وجعلوها جنات عدن وألجأوا العرب إلى الجبال القاحلة· ولا تزال الأحزاب العربية تناضل عن الشخصيات الذين على أيديهم خربت البلاد، بعد أن كان لمساعي هؤلاء التأثير الكبير في سقوط الدولة الهاشمية في الحجاز· لأن الدفاع السلبي غير المتقن الذي اتبعه جلالته تحت تضييقهم قد أدى إلى سقوط الحجاز وفي كل هذه الأمور العبر·
أما الجامعة العربية ومركزها بمصر، فهو أمير خطير للغاية· اسم كبير ودعاية عريضة طويلة، واجتماع ممثلين ليس لهم من الاتصال بالرغائب القومية ولا بوسيلة من الوسائل، وكل دولة من دول الجامعة العربية مرتبطة بدولة أجنبية كبيرة لا تمكنها من التصرف خارج الالتزامات المتعهدة بها، والأمم العربية وملوكها في منعزل عن ذلك؛ فاعتبروا يا أولي الأبصار·
وإننا نثبت هنا ما كنا أوصينا به توفيق باشا أبوالهدى ثم سمير باشا الرفاعي لدى سفرهما إلى مصر للمشاورة في مسألة الوحدة العربية·
إلى فخامة رئيس وزرائنا توفيق باشا أبوالهدى
تعليمات خاصة بمسألة الوحدة العربية
1- قد أطلعكم فخامة نوري باشا على ما يجب مما كان أساساً للمذاكرة بين الرئيسين المصري والعراقي في صدد الوحدة·
2- إن ما أطلعنا عليه مما جرى بين رفعته وفخامته هو غاية ما يمكن ضمن تلك الدائرة·
3- شرق الأردن تؤيد هذه المساعي المحمودة بكل تصميم·
4- عني المرحوم الملك حسين بالبلاد العربية تلك البلاد التي تحدها من الغرب الحدود المصرية والبحران الأبيض والأحمر، ومن الشمال الولايات التركية ومن الشرق الحدود الإيرانية مستثنية الإمارات والسلطنات التي لها صلات عهدية بحكومة الهند وهي الأمير ابن سعود (يومئذ) وأمير البحرين وسلطان مسقط وسلاطين حضرموت ولحج· أما ولاية اليمن العثمانية ومتصرفية عسير وولاية الحجاز وإمارة شمر، وهي إمارة الرشيد ومركزها حائل، فكلها ضمن البلاد العربية المقصودة، ولا يخرج من هذا إلاّ أولئك الأمراء والسلاطين الذين لهم صلات عهد بالهند كما جاء آنفاً، ومستعمرة عدن البريطانية والنواحي الست·
5- لقد جاء في التحفظات البريطانية ذكر الساحل الغربي من بلاد الشام كمرسين وأضنه، وقد رضي المرحوم باعتبار مرسين وأضنه ليستا بعربيتين محضاً·
6- وبما أن البلاد الفلسطينية والسورية ساحلاً وداخلاً كانت الهدف من الثورة، فهي القضية التي ينبغي اذن الخروج منها بوحدة شاملة أو باتحاد تعاهدي؛ فبالمعنى الأول جعل المجموع حكومة واحدة بصبغة واحدة وفق ما جاء في قرار المؤتمر السوري 2 تموز 1919 والمبلغ للدول ذات العلاقة يومئذ من لدن الحكومة الفيصلية، وبالمعنى الثاني اتحاد تعاهدي يبقي الحكومات الاقليمية كما هي ويضمها في أمور تتعين لربط أجزائها بعضها ببعض تحت رئاسة واحدة·
7- إن الإتحاد المعمول به اليوم والمرتكز على مصر والعراق لا يكون محكماً قبل أن تتحد البلاد الشامية (سوريا الكبرى) أو أن توحد، وإذا بقيت هذه البلاد منقوصة السيادة تحت انتدابات أجنبية أو تشتت محلي، فأمر تمثيلها مع مصر والعراق يكون من الضعف وعدم التماسك بصورة تجعلها تعجز عن القيام بما يجب عليها في هذا المضمار·
8- من المعتقد أن بريطانيا العظمى والأمم المتحدة على اثر عهد الأطلنطي وبنتيجة ما أثبتته الحرب الحاضرة لا بد وأن تكون قد عزمت هي ومن معها على تصحيح غلطات الحرب السابقة وعلى بناء الديمقراطية بناء صحيحاً يجعل الأمم الشرقية في منزلة الاستقلال والشرف القومي والاستعداد، واصلة إلى الكفاءة الجديرة بالاعتماد عليها لحفظ السلام العام على طول الساحل الشمالي لأفريقيا والساحل الغربي لفلسطين وسوريا· ولذلك فالمعتقد أن أمر الوحدة متى عولج بطريقة صحيحة متساندة من العراق ومصر، بعد الاصرار الكلي على وحدة سوريا أو اتحادها، سوف لا يجعل هناك مصاعب يواجهها العاملون على الاتحاد العربي إزاء انكلترا أو أميركا· أما الانتداب الفرنسي فموقف فرنسا الحاضر هو بنفسه يقرر أن قيام فرنسا بعبء كهذا مرة أخرى ليس من الممكنات، وأن عرب سوريا الكبرى مصممون على وصولهم إلى حقوقهم في بلادهم، وتلك الحقوق هي الاستقلال والوحدة والاتحاد، وأن هذه النتيجة ضرورة حيوية عسكرية للعراق وتركيا ولمصر في آن واحد·
9- أما القضية الفلسطينية فقد أعلنت بريطانيا العظمى سياستها فيها في الكتاب الأبيض الذي لم تنقضه إلى اليوم، وليس بد من ادخال فلسطين في الاتحاد أو الوحدة، وأن هذا الإدخال لا يتنافى مع أي حل كان قد قدم من أية لجنة بريطانية أوفدت لهذا أو من أي مؤتمر عربي قدم اقتراحاته في هذا الصدد؛ ومن الممكن الاعتماد على قرارات مؤتمر لندن بهذا الشأن أو على مقررات المؤتمر البرلماني العالمي العربي الذي عقد بمصر·
وأما لبنان فلا مانع من جعل الخيار له في الوحدة أو الاتحاد مع كل هذه البلاد العربية واحتفاظه بما يريد من شكل وكيفية، على أن مسأل&##1577; لبنان الكبير هو من جملة الحقوق السورية التي لا ينبغي اغفالها: وأما السودان فهي كما معروف مصرية بريطانية· وأما شمال أفريقيا فمن المستحسن التوسل للتفاهم مع حضرة صاحب الجلالة السلطان مراكش ومع حضرة صاحب العظمة باي تونس· أما ليبيا وطرابلس فأمرهما حتى يحين الحين؛ وأن الأمل في أن سيكون لليبيا كيان عربي مشكوك فيه· وأما مصر فمع كون اسمها مصر، فهي من أمهات البلاد العربية وهي الكنانة وهي التي لها من الصلات القديمة والروابط القومية ما لا يمكن التبرؤ منه والعياذ بالله·
فالبلاد العربية ترحب بالاتحاد بهذا القطر العزيز بكل قواها، وتشيد بذكر الساعين إليه وعلى الأخص زعيمها المحترم·
10- إن أمير شرق الأردن يؤيد بكل جهده مساعي مصر والعراق ويصر على أن مصر والعراق السعي لوحدة سوريا أو اتحادها قبل أي اتحاد عربي آخر·
فلتكن مذاكرات فخامتكم مع رفعته على هذا الأساس، وإننا ننيركم بهذه التعليمات ونترك مسألة ما يمكن أن يتجدد من أبحاث إلى فطنتكم ورويتكم المعروفتين·
حاشية: فيما يتعلق بنجد والحجاز واليمن، أرى أن لا يلح عليهما فيما لا يستأنسان به، مع جعلهما على وقوف عما يجري فيما لا يعده العراق ومصر ومن معهما سراً لا يزال·
رغدان في 23 شعبان 1362
الموافق 24 آب 1943


عزيزي سمير باشا

هذه التعليمات لفخامتكم فيما يتعلق بمهمتكم في مؤتمر وزراء الخارجية العرب بمصر:
1- اقرؤوا السلام دولة ماهر باشا والنقراشي باشا وليعلما أنني محتفظ لدولته ولمعاليه بأرق شعور المودة وأحاسيس الأخوة·
2- أُقدر تمام التقدير الشعور العام العربي بخصوص الوحدة العربية وقد نظرت باهتمام إلى البروتوكول الذي هيئة مؤتمر الاسكندرية، ومن المعلوم أن الوحدة العربية إذا حصلت تكون الأساس المتين للعرب في آسيا وأفريقيا وفي البلاد الاسلامية كتركيا وإيران والأفغان· إن هذه الوحدة متى اقترنت بالحرية والسيادة العسكرية غير المقيدة كانت خير عون للديمقراطيات في كل موقف وفي كل أزمة، وإذا قلنا الديمقراطيات فنحن نعني بها أي دولة قديمة ديمقراطية لها أغلبية كبرى من التبعة للمسلمين، تلك الحكومات التي مشت مع التاريخ الاسلامي من القرن المسيحي السابع إلى اليوم·
3- من المعلوم أن النهضة العربية عند نجومها، كانت البلاد العربية موحدة بمجموعها خديوية مصر بالنظر لسلطة السلطان العثماني، وليست هناك حواجز جمركية أو موانع تتعلق بجوازات السفر، وقد كانت وحدة تعليمية·
4- إنما لما جاء الدستور العثماني وتسلطت فرقة الاتحاد والترقي على الدولة العثمانية ومشت نحو تتريك العناصر وإخراجها عن صبغتها القومية وعدم الاعتداد بمرامي الشريعة السمحة المحمدية، والثورات في اليمن وعسير، والمطالبة في سوريا بإدارة لا مركزية؛ كل هذه الدوافع ساقت العرب إلى الرغبة في الانفصال عن هذا الجسم العتيق الواهي، وكانت النهضة وهي الحركة العربية الثانية التي تلت حركة محمد على باشا والي مصر الذي وصل بجيوشه إلى قونيا لهذا الغرض نفسه·
5- فإن كانت الحركة الأولى جرت إلى حيازة مصر العزيزة ما حازته من تخلص من تلك اليد، فإن الحركة الأخيرة العربية أدت إلى عين النتيجة نفسها في البلاد، ولم يكن يتصور أن هذه الحركة تجر إلى تفتيت وتفريق يقع على أثر انتهاء الحرب العظمى السابقة ذلك التفرق الذي تسعون جميعاً اليوم الجمعة·
6- ومن هذا يفهم أن الأمر دقيق وخطير، ولكن نعتقد بحسن النية في الجميع· فالبيت الهاشمي الذي تزعم هذه الحركة التي لها صلة غير منفكة بتاريخ محمد علي باشا الكبير وبتاريخ الشريف محمد ابن عون صديق ورفيق محمد علي باشا، يضع نصب عيون اعتباركم مسؤولياتها في تحقيق مراميها· ونلفت الأنظار إلى حالة التقسيمات الحاضرة لتنظروا إليها بعين حقيقتها· وليست البلاد العربية اليوم حرة بعيدة عن الأيدي والأنظار التي لها مقاصدها الكبرى اليوم غير ما كانت عليه قبل عصر المطامع في الغاز والمعابر إلى البحار الكبرى يجعل هذا الشرق في دفة ورقة مخيفتين· فإذا رأينا إلى ما لمصر من إدارة وتشكيلات وما للعراق كذلك من وحدة وتهيئة لا نرى هذا في الحجاز ونجد ولا في سوريا بأجمعها؛ وأن لمصر من المعلومات والأخبار عن حالة الأمة الحجازية ما يغنينا عن الشرح، ولديها أيضاً من الأخبار والمعلومات عما للقضية الصهيونية والانتداب الفرنسي بسوريا ما يعنينا عن الإشارة إلى ذلك· وأن لكل بلد من المجموعة الأفريقية وآسيا من المسائل المعلقة غير المحلولة ما يلفت النظر· والوقت ليس بوقت تشكيك، بل هو ائتلاف وتضامن نزيه يوجب الاعتراف بما هنا وهناك من أدواء قومية وأجنبية واجبة الاصلاح· لذلك تتقدمون إلى المؤتمر وأنتم على علم من هذه لنقله إلى رئاسة الوزارة ووزارة الخارجية بمصر وأن الاعتقاد في أن مصر تقف موقف الأخ المحايد الجامع الناس للخير، وهذه فكرة العراق الشقيق، والسلام عليكم·
رغدان في 29 صفر 1364
الموافق 21 شباط 1945
سوريا
كيف تستقل وتدوم وهي مجزأة؟!
أليس من العجيب أن ترفض سوريا كل انتداب على أثر انتهاء الحرب العظمى الأولى، وتعلن وحدتها وتخ&#157#1578;ار ملكها وتصر على مبدأها وتقاتل عنه، فتهاجم فيقضى عليها وتدار أمورها مدة ما بين الحربين بأيد أجنبية وبوحي أجنبي، فتثور ثورتها المعروفة وتجاهد جهادها القويم، ثم تأتي اليوم تخالف ذلك المبدأ فترضى بالتجزئة وتسعى لإبقاء الحالة الراهنية كما هي، ضاربة بالشعور الماضي عرض الحائط تاركة ميثاقها القومي؟! تالله إن هذا لأمر عجيب؟····
إن التجزئة الحاضرة هي بعينها تطبيق عهد سايكس بيكو بعينه، زد على هذا الآن سعي انكلترا لاحلال النظام الذي أخلَّت به فرنسا في سوريا باعتدائها الأخير· فبريطانيا التي تعلن أنها نصحت للجانبين السوري والفرنسي بأن يتساهلا فيتعاقدا على عهد يحفظ الوداد بينهما ويعطي سوريا استقلالها ويعطي فرنسا مركزها الممتاز، جاءت هي فكبلت أيدي الفرنسيين وحلت قيود الو&#15#1591;نيين واستولت بجيوشها على سوريا تديرها لتعيد النظام؛ وستظل كذا حتى المؤتمر الثلاثي وحتى تعاهد سوريا ولبنان فرنسا، ولا يعلم أحد متى وكيف يتم هذا·
يا قوم لا حياة لسوريا وهي مجزأة·· يا قوم إن حياة الفرد قصيرة وإن حياة الأمم طويلة·· يا قوم ألا تتعظوا بما هو واقع نصب أعينكم؟ لقد حرص هتلر على أن يكون أبرز شخصية في تاريخ البشر، فدعا أكبر أُمة في أوروبا ليقودها فاستقادت له فخر صريعاً في جداله الظالم وخرت صريعة معه، فلم يُغنِ عنه حرصه شيئاً ولم تغنِ عنه تلك الأمة العظيمة، لأن عمله عمل باغٍ ومسعاه لنفسه لا لأمته وشعبه·
يا قوم، أنتم الذين جئتم لإعادة الحياة البرلمانية إبان الحرب الحاضرة وفي وقت بعد فيه ميدان الحرب نوعاً عن الشرق الأوسط، فقبلتم ما عرض عليكم بحرص شخصي ورغبة ذاتية، لتحكموا فتأمروا وتنهوا متكئين على حراب معادية أُثبت تحت أقدامكم، إن تحركتم عليها خرجت من رؤوسكم·
يا قوم، لِمَ تبوأتم مراكزكم قبل أن تضعوا أيديكم على ما هو لكم، ولقد نصحكم الناصحون حينذاك لقد خدعتم - يا قوم - أو تخادعتم، إنها يا قوم صفقة خاسرة· فيا هل ترى ماذا أنتم صانعون؟! إن لفرنسا حقاً ممتازاً، تقول انكلترا إنها لم تنكره، وتقولون أنتم لا تقبلونه، وأنتم والفرنسيين اليوم في قبضة انكلترا التي اشترطت لخروج جيوشها ما يرفضه الجانبان·
يا قوم لا مخرج لكم اليوم من هذا المأزق بغير إعلان الوحدة وتنفيذها؛ فإن هذا العمل يجعل قضية بلاد الشام في يد جانبين: العرب أهل الحق، ودولتي الغرب انكلترا القوية وفرنسا الخاسرة· وعالم اليوم ليس هو بعالم الأمس، والحق لصاحب الحق····
امتيازات البترول في الحجاز
كتاب من صاحب هذه المذكرات الأمير عبدالله بن الحسين
إلى فخامة المندوب السامي لشرقي الأردن
عزيزي سير هرولد مكمايكل
عزَّ عليَّ أن أسافر إلى العراق قبل أن أراكم، ولكنها الظروف قد حالت دون ذلك فأخرت زيارتكم لاربد فجرش، حيث كان في الامكان أن أراكم في أثناء تلك الزيارة· والآن يسرني أن أُودعكم كتابة، حيث أنني عزمت على السفر إن شاء الله يوم السبت القادم الموافق 8 نيسان 4491، وأملي أن أعود بعد عشرة أيام أُقيمها هناك·
عزيزي سمير هرولد: أنا لا أدري كيف أبدأ فأكتب أفكاري الذاتية إليكم، في الموضوع التالي الذي يهم كل مسلم ومسلمة على وجه الأرض، ويهمني ويشغلني معهم وزيادة عليهم، لأنه موضوع يتعلق بوطني المقدس ووطن أجدادي إلى اسماعيل بن ابراهيم عليهما الصلاة والسلام· حيث قد شاع لدى الرأي العام أن امتيازات للبحث عن البترول والتبر قد أعطيت لشركات أميركية في الحجاز، بمهد الذهب، وهو محل يقع في الوسط شرقي المدينتين القدسيتين مكة المكرمة والمدينة المنورة· وقد أوجدت هنالك محلات للسكن ومراكز للأشغال ربطت بالساحل في البحر الأحمر، وأنه علاوة على ذلك قد أسس مخيم لشركة أميركية لتشغيل الذهب والنفط غربي جبل رضوى على طريق ينبع البحر - المدينة المنورة، ومخيم آخر بموقع بريمان شرقي جدة وشمال طريق جدة - مكة المكرمة تعمل على ما يقال طريقاً معبدة إلى منطقة غامد وزهران بالحجاز إلى جنوب الطائف·
ومن المعلوم أن المنطقة من مدينة صالح إلى حدود اليمن بما فيها متصرفية عسير، من الشمال إلى الجنوب إلى حدود إمارة حايل وهي شرقي تيما وشرقي الحناكية في خط يمتد فيدخل حرة كشب، إلى شفا نجد فيترك للحجاز وادي الخرمة وتربة ووادي بيشة من ناحية الشرق، ثم ما يصاقب هذا الحد من مداين صالح فحدود اليمن من ساحل البحر، هي منطقة مقدسة لا تفتح لعمل ما ولا لقصد ما غير أعمال التعبد للمسلمين، من حج وعمرة وزيارة· فهي بلاد الهدوء والسكينة وطرح الأوزار والتفرغ لعبادة الله· وأداء الواجب، وقد بقيت هكذا في العصور الاسلامية بأجمعها·
وانني أقول إذا كان جلالة الملك ابن سعود قد احتلها ونزل بها، فليس لجلالته أن يخل بقدسيتها أو يغير طقوسها ويدخل إلى ساحة قدسيتها عمالاً يعملون لدنياهم، فيغيرون اخلاق سكانها ويصرفونهم عن وظيفة المجاورة للبلدين القدسيين، فتصبح مجالاً لأعمال الدنيا التي تقلق راحة الذين يؤمونها من أقطار العالم لطرح الأوزار ونسيان الدنيا والخروج بالتوبة من الآثام·
اكتب هذا إليكم كمسلم وكأمير هاشمي، يقول هذا هو الحق الذي أرجو رفعه لرئيس الوزارة البريطانية الأفخم، ليعلم ما يهم أهل الاسلام في محل عباداتهم وقبلتهم وقبر رسولهم؛ ويعلمه لما قلت لا شك أنه سيعمل على اجتناب ما فيه قلق للعالم الاسلامي من ناحية رقيقة دقيقة·
أما جلالة ملك نجد فربما لم يبلغ علمه ما أعرف، حيث هو جديد فيما هو فيه؛ وأنه وإن كان الأمين اليوم على الحرمين فليس له أن يتصرف فيهما وضمن حدودهما بما يخل بقدسيتهما المحضة القديمة·
راجياً وزن أفكاري بميزان بريء من كل قصد غير الحقيقة، وعرضه بأسرع الوسائل حسبما ذكرت·
إن الموضوع لمهم، وأنه متى انتهت الحرب وعاد العالم إلى السلام فرأى وسمع، فسيكون لهذه الأمور المخيفة الآن ضجتها المزعجة في العالم الاسلامي غداً، وبالخاصة في الهند· وإن ما اكتبه لهو مبني على حسن النية والإخلاص للمسلمين وللدولة البريطانية - التي لديها منهم العدد الوافر - وللملك ابن سعود نفسه، وقد كتبت إليه عن الموضوع ما يجب·
وتقبلوا شعوري الودي عزيزي·
12 ربيع الثاني 1363 الموافق 5 نيسان 1944
* * *
ونستون تشرشل
وبريطانيا العظمى والعرب
أود أن أتكلم عن هذا الرجل الذي قام في الحربين بما يدهش العالم، وبالسياسة التي سار عليها في وزارة لويد جورج في القضية العربية يوم أن كان وزيراً للمستعمرات·
ونستون تشرشل هو سعد بريطانيا وحظها ورجلها الفذ في العصر الأخير، فقد قيض له أن ينجو بالمملكة المتحدة وبالامبراطورية بما يشبه المعجزة·
لقد تحمل هذا الرجل عبء المسؤولية وهو يعلم ما عليه· لم يجهل تشرشل ما كانت عليه ألمانيا من استعداد عظيم مفاجيء، وما يكنه صدر كل ألماني من حقد على بريطانيا في الدرجة الأولى قبل سواها؛ ويعلم ما كانت عليه المملكة المتحدة من عدم استعداد جرته عليها الوزارات والبرلمانية البريطانية السابقة، منذ سقوط وزارة لويد جورج حتى وزارة تشمبرلن وكانت الحرب الأخيرة في عهدها·
ولكم حذر قومنه من ألمانيا، وكم خطب، وكم أنب؛ فشاء الله القدير أن يقع هو تحت عبء ما حذر قومه منه، وينجو ببريطانيا وبالعالم ع&#1#1604;ى الشكل المعلوم، وبعد المحن والمشاق التي مرت على الانكليز في هذه الحرب الضروس· ولكن لولا الانكليز واخلاص كل انكليزي وانكليزية لوطنهم وسعيهم، ماذا كان يستطيع أن يعمله تشرشل؟!·· فانكلترا بلد كفء لتحمل كل ملمة وكل كارثة مفاجئة، وتشرشل أثبت أنه الكفوء لقيادة هذه الأمة الوادعة، القاسية، المترفة، الناعمة، الشجاعة·
فانكلترا وحدها، ورئيس وزرائها وحده، هما اللذان مثلا للعالم مثال الوطنية والصبر والجدال عن الحق، وبذل الأنفس والأموال لسلامة الوطن وعز القومية وصيانة الشرف؛ فحازت بريطانيا عن جدارة واستحقاق غار الظفر، وفاز تشرشل بالقيادة المشرفة لهذه الأمة·
إن في تراجع دنكرك مثال الشجاعة والصبر، وفي هجوم الأسطول البريطاني علي وهران، وفي تدمير الأسطول الإيطالي في معقله، وفي عمل ويفل وهزيمة غرازياني، وفي القضاء على الجيوش الإيطالية في الحبشة والأرتريا، وفي الاستعدادات في بريطانيا لتلقي الغزو الألماني، وفي شجاعة وتضحية سلاح الطيران الملكي في الدفاع عن بريطانيا، وفي الهجوم على الأعداء في كل محل، ما يثير الاعجاب والدهشة؛ مع أن هذه الأعمال المجيدة ليست في ميدان واحد، بل هي واقعة في ميادين مترامية متناثرة في بحار الله وأرضه، تلطم أعداءها حيث تراهم، وفي حيث تجدهم، بشجاعة وتمكين متزايدين·
تالله إنها لمن المعجزات المحيرات، وإن في وقوف بريطانيا تقاتل المحور البطاش وحدها قبل أن تدخل أميركا الحرب باعتداء اليابان عليها، وقبل أن يحارب هتلر روسيا، القول الفصل لمن يقول كلمة الحق عن انكلترا ورئيس وزارتها· وما ثنى عنان الغزو الألماني إلى روسيا إلاّ عنف الدفاع في بريطانيا، وظن الزعيم الألماني أن المخرج في روسيا؛ وما النصر إلاّ من عند الله·
ومستر تشرشل هو الذي حضني على أن أسعى لأخي فيصل في أن يكون ملكاً على العراق، فأحل في شرق الأردن وأعمل بالحسنى لاستعداده وحدة سوريا؛ وهو الذي سعى كل السعي في أن يحل الوئام محل الخصام بين الوالد المرحوم وابن سعود· وإنني في هذه الكلمة أطوي شعوري عن الزعيم وهذه الأمة التي تتعامل مع العرب·
فيا أيها العرب! اعلموا أن في مصاحبة انكلترا وجوب الاستعداد وفي مخالفتها ما عجزت عنه الأمم الكبار، وحاذروا·· فإن انكلترا لا تقيم لأحد وزناً إن لم يكن كفؤاً، وانكلترا لا تصاحب الكذوب ولا الجبان ولا النوام، وانكلترا لا تبني سياستها على العاطفة ولا على ما قدم لها من مساعدة في حلف ما أو حرب ما، بل انكلترا أمة المثابرة والدوام، تحترم القوي وتحب أن تضمه إليها، وتكره التخاذل وتبتعد عنه· فكونوا أقوياء حذرين أوفياء يقظين، تكن معكم بريطانيا وتوليكم اعتمادها·
وأخيراً تحياتي واعجابي وأحسن تمنياتي لبريطانيا ومليكها ولزعيمها تشرشل·