محمد علي سعيد
بريطانيا وابن سعود
العلاقات السياسية وتأثيرها
على المشكلة الفلسطينية
دار الجزيرة للنشر
الطبعة الاولى
1402 هـ ـ 1982 م
دار الجزيرة للنشر
"ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتّى تتبع ملتهم، قل ان هدى الله هو الهدى ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم مالك من الله من ولي ولا نصير"
البقرة ـ 120
"يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود ولا النصارى أولياء ، بعضهم أولياء بعض ، ومن يتولهم منكم فانه منهم ان الله لا يهدي القوم الظالمين".
المائدة ـ 51
مقدمة
مع بداية القرن العشرين اضحت الامبراطورية البريطانية سيدة الخليج ان لم نقل سيدة الشرق بدون منازع، وكانت تعد عدتها وتتحين الفرصة لاطلاق رصاصة الرحمة على الامبراطورية العجوز والرجل المريض (الدولة العثمانية)..
في هذه الاثناء كان هم بريطانيا اكتساب اكبر عدد من الاصدقاء والحكام وشيوخ القبائل وتوقع اتفاقيات ثنائية معهم تكرس فيها سيطرتها عليهم عن طريق المساعدات والرواتب الشهرية والاسلحة، في نفس الوقت تسيطر على الموانئ والمرافق التجارية لحماية سفنها الذاهبة للهند ثم مالبثت ان وضعت فلولا من قواتها في الاراضي الخليجية علامة على استعمارها العسكري المباشر.. وهكذا كانت اغلب مشيخات الخليج بما فيها ايران وجنوب العراق تحت السيطرة الانجليزية المباشرة.
كان هذا وضع مشيخات الخليج، اما وضع الجزيرة العربية آنذاك فيمكن تلخيصه بالتالي :
كان الشريف حسين مسيطر تماما على ما يمكن تسميته اليوم (بالمنطقة العربية) ـ (مكة ـ جدة ـ المدينة ـ الطائف) ـ والشريف حسين كان متحررا من قبضة السلطات العثمانية وكان ولاؤه لآل عثمان اسميا بينما كان يعمل لتقوية العلاقات مع الانجليز آنذاك. . اما الجزء الجنوبي من الجزيرة العربية فكان خاضعا للنفوذ البريطاني المسلح الذي يضمن حماية السفن البريطانية المارة عبر مضيق باب المندب والمتجهة إلى الهند .. وشرق الجزيرة "الاحساء والقطيف" كان خاضعا للحماية التركية آنذاك.
اما اواسط الجزيرة "نجد وما حولها " فكانت تحت سيطرة ابن الرشيد الذي هزم "السعوديين وارغمهم على الهرب إلى الكويت، وابن الرشيد يميل إلى تقوية علاقاته مع الاتراك ، وكان مدعوما منهم للوقوف امام مطامع "السعوديين".
الفصل الاول
العلاقات [السعودية] البريطانية
التأسيس
غرس العمالة في الكويت
وكما اسلفنا كانت نجد تحت سيطرة ابن الرشيد وكان "آل سعود" يعيشون في الكويت، وبرغم ان علاقة الاتراك بحاكم الكويت آنذاك "محمد الصباح" جيدة، الاان الاتراك رأوا ان وجود "آل سعود" في الكويت لا يهدد حليفهم ابن الرشيد ولهذا كان حاكم الكويت وحكومة الاتراك تساعدهم ببعض من المال للعيش منتظرة الايام القادمة فلربما احتاجت للامير "عبد الرحمن السعود" في مهمة داخل نجد ..
ولم يرفض "عبد الرحمن" المساعدة بل كان يلح في طلبها في رسائل بعثها للوالي التركي على العراق .
كان لحاكم الكويت "محمد" اخ يدعى مبارك وكان على خلاف معه فسافر إلى "بومباي" في الهند التي كانت مستعمرة بريطانية، وهناك قضى عدة سنوات من عمره في التجارة الا انّه وفي بداية تواجده في الهند اتصل بالمكتب الهندي التابع للمخابرات البريطانية وهناك جند كعميل بريطاني حيث وضعت اموال طائلة تحت تصرفة وكان يجد المال في أي وقت يشاء وحين يسأل عن مصدر الثروات يقول : ان كرم الله لا حدود له !! [1]
وعاد مبارك إلى الكويت عام 1897 م فوحد عبد العزيز ذو صفات جيدة فهو ذكي ويحب المغامرة ، ولا غرابة في ان يحيط مبارك الصباح عبد العزيز وان يكيف عجينته حسب متطلبات اسياده الانجليز وكان يقول في نفسه "ان لهذا الصبي خامة جيدة ومن الممكن أن يجعل منه شيء كبير" [2]
وتلقى "عبد العزيز" خلال سنتين (1897 ـ 1899) تربية وتعليما في فنون العلاقات، وادخله مبارك الصباح المدرسة وكان عمره آنذاك (18 سنة) ، وتقدم "عبد العزيز" خطوة حين عينه مبارك سكرتيرا له وبدا باحاطة "عبد العزيز" علما ببعض انشطته ثم جعله يحضر مقابلاته الخاصة ..
وعن هذا الطريق قابل حشدا من عملاء الدول الاجنبية وخصوصا الانجليز الذي كانت علاقة مبارك بهم قوية .. [3]
في هذه الاثناء فكرت بريطانيا بتنفيذ انقلاب عسكري على حاكم الكويت آنذاك لاحكام السيطرة الانكليزية على الكويت وجعلها محمية تابعة لها وطرد الاتراك منها، ولا ريب في ان هذا الامر (السيطرة على الكويت وبالتالي على الخليج) في غاية الاهمية لمستقبل الصراع مع الدولة العثمانية .
من هنا قام مبارك "عميل الانجليز" بانقلاب على اخيه وقتله بنفسه واعلن نفسه حاكما، وكانت حجة الانقلابيين ان الحاكم اهان مباركا، وهذا ليس الا تبرير واه وساذج.
وتعزز موقع عبد العزيز وابيه بعد الانقلاب فقربهم مبارك ووضع عبد الرحمن على رأس حملة ضد ابن الرشيد، كما وضع تحت تصرف "ابن سعود" ـ عبد العزيز ـ الف مقاتل لغزو الرياض ووقعت معركة الصريف (1901 م) الذي هزم فيها مبارك هزيمة منكرة وتراجع إلى الوراء كثيرا حتّى وصل ابن الرشيد إلى الكويت، واحتل بعض اطرافها .
وهنا تذكر مبارك حماته الجدد ـ الانكليز ـ فابرق إلى بوشهر (الميناء الايراني المعروف) والخاضع للسيطرة الانجليزية يستنجدهم .. [4]فظهرت بارجة بريطانية عند فرضة الكويت ووجهت مدافعها نحو المدينة ثم ارسل قائد البارجة الحربية زورقاً إلى البر وعرف من يلزم بان مباركا هو صديق صاحب الجلالة البريطاني وان بريطانيا قد وضعته تحت حمايتها، وانها لن تسمح بطرده من مدينته. ثم ارسل الضابط البحري الانكليزي مندوبين إلى ابن الرشيد يطلبون إليه سحب قواته من المنطقة.[5]
وهكذا تراجع ابن الرشيد بعد تراجع الاتراك ونجا "ابن سعود" كما نجا مبارك من فتك ابن الرشيد..
بداية الغزو
لاشك ان عبد العزيز كان طموح اومغامرا وذا عقلية توسعية وسلطة استبدادية، كما اننا لانشك في ان له اطماع في السيطرة على كل الجزيرة بل تتعداها إلى دول عربية أخرى "الكويت قطر ـ البحرين ـ العراق ـ اليمن … الخ".
لكن الطموحات والاطماع والاستعدادات النفسية "لعبد العزيز" لا يمكن ان تؤهله بين لحظة وأخرى لان يصبح من لاشيء ملكا على اكثر من مليوني كيلو متر مربع وخصوصا إذا ما عرفنا التركيبة الاجتماعية القبلية السائدة آنذاك في ارض الجزيرة العربية.
ويمكننا القول وبكل ثقة ان الانتصارات التي حققها "ابن سعود" ما كانت لتجد سبيلها الىالواقع لولا الدعم الانجليزي المستمر ماديا وعسكريا ..من هنا فاننا لا نرى في انتصارات عبد العزيز شيئا خارقا للعادة كما حاول كثير من الكتاب المرتزقة تصوير ذلك فالتقاء المصالح البريطانية في شخص له كفاءات لابأس بها ونزعة مغامرة كانت كفيلة بتحقيق ذلك.
وينقل "وليمز وارمسترنج" في كتابه "ابن سعود" والذي ترجمه عبد العزيز على نفقته [6]: "وكان "عبد العزيز بن السعود" لا يملك ووالده سوى ذلك الجمل الذي ركبه من الكويت عام 1897 م قاصدا به غزو الرياض، وكان الجمل الذي ركبه ابن سعود جملا مسنا اجربا مصابا بعرج في احدى سيقانه فأوقعه في الطريق مما اضطر راكبه للسير على قدميه حتّى مرت به قافلة ارجعته إلى الكويت، وكانت قصة الجمل من القصص المضحكة التي يتحادث بها اهل الكويت وكانت تلك هي محاولة "ابن سعود" الاولى لاحتلال الرياض، مما جعل الانكليز يدركون مدى تصميمه، ويتفانون لدعمه بالمال والسلاح والرجال" ويقول : "ان هذا الاصرار الذي وجده المكتب الهندي في عبد العزيز هو مادفعهم لمساعدته إذ وجدوا فيه مالم يجدونه في سواه) .
بعد معركة الصريف وخروج مبارك الصباح منكسرا جاء عبد العزيز إليه يحثه لمقاتلة ابن الرشيد، ومع ان مباركا يميل إلى مقاتلة ابن الرشيد ويحلم بالسيطرة على نجد الا انّه لم يجد دافعا قويا نحو الغزو. حينها توجه عبد العزيز نحو الانكليز، فاتصل بعملاء من القنصلية البريطانية وسألهم تقديم العون له.. لقد كان مبارك موضع ثقتهم في الكويت وبفضله اقاموا محمية هناك وبواسطته اتصل عبد العزيز بهم . فلماذا لا توكل إليه مهمة مماثلة في نجد ؟ على غرار المهمة التي قام بها مبارك بانقلابه على اخيه؟ وهو في نفس الوقت عدو للاتراك اعداء الانجليز .[7]
اثار طلب عبد العزيز اهتمام المخابرات البريطانية كثيرا فأوعزت لمبارك الصباح ان يساعده للقيام بانقلاب مماثل في الرياض وفعل ما امر به وحث ابن سعود للاستيلاء على الرياض فوجده اشد منه رغبة في ذلك.[8]
ان نجد تمثل المنطقة الوحيدة البعيدة عن السيطرة الانجليزية وتدين بالولاء لابن الرشيد الموالي للاتراك ، ولهذا كانت نظرة بريطانيا هي زعزعة الوضع القائم في نجد .. ولكنها لم تكن تتوقع من عبد العزيز اكثر من ازعاج الاتراك.
وكما كان لانجلترا اطماع كان لعبد العزيز ذاته طمع في ان يسيطر على الرياض، وابن الصباح كان يفكر ان كل انتصار "لعبد العزيز" انتصار لشخصه وتوسيع للمملكته !!
وهكذا تلاقت هذه الاطماع الثلاثة لتعد عدة بسيطة قوامها يزيد على اربعين شخص قليلا، كيلا تثير انتباه احد، وساروا متوجهين إلى الرياض وهناك قاموا بانقلابهم الذي ادى إلى قتل ابن عجلان حاكم الرياض والسيطرة عليها كما هو معروف .
وفي عام 1902 م وضعت اللبنة الاولى للحكم "السعودي " باشراف بريطانيا العظمى سيدة الشرق والغرب آنئذ.
التوسع
وكما كان لبريطانيا دور أساسي في تكوين شخصية "عبد العزيز" وتأسيس حكمه، كان لها الفضل الاول في توسيع رقعة سيطرته وجعل عشرات من القبائل تدين له بالولاء.
ويمكننا تقسيم الدعم للملك عبد العزيز في هذه المرحلة إلى الاقسام التالية :
أ ـ الدعم المادي .
ب ـ الدعم العسكري .
ج ـ مواجهة المعارضة .
د ـ التوجيه والتنظيم وافادته بالتجارب والخبراء.
كان الملك عبد العزيز يتلقى راتبا شهريا من وزارة المستمعرات البريطانية شأنه شأن غيره من شيوخ الخليج.
ولما رأت بريطانيا ان "ابن سعود" قد استطاع تثبيت حكمه في الرياض بادرت إلى الاتصال به . وعقدت سلسلة من الاتصالات السرية كان يزود خلالها برزم من الجنيهات الذهبية وقد توجت هذه اللقاءات بلقاء الكابتن شكسبير المندوب الانجليزي في الكويت عام (1913 م) مع عبد العزيز في الرياض وكان الغرض كما يقول فيلبي : هو تمثيل بريطانيا في بلاطه [9].. وكانت مهمة شكسبير ان يحشد قوى "عبد العزيز " وابن الرشيد بامر من بريطانيا ضد الاتراك ، ولكنه لم يستطع ان يثني ابن الرشيد المدعوم من تركيا، فحصر جهده في "عبد العزيز " معتبرا مقاومة ابن الرشيد سدا لمنع النفوذ التركي والالماني من التسلل إلى قلب الجزيرة العربية .[10]
وحين اعلنت الحرب العالمية الاولى كان شكسبير لا يزال موجودا في الرياض وحينها وصل إلى الرياض (طالب النقيب" يدعو "ابن سعود" إلى دعم الاتراك والوقوف إلى جانبهم فاعتذر عن ذلك، وارسل الاتراك مرة أخرى وفدا من بغداد برئاسة محمود شكري الالوسي فلم يثن ذلك "عبد العزيز"، الذي برر عدم اشتراكه بان الانجليز يحتلون الخليج ويملؤونه بسفنهم واساطيلهم وجيوشهم، موضحا خوفه منهم ..[11]
الا ان السبب الرئيسي في عدم اشتراك ابن سعود هو وقوفه إلى جانب بريطانيا وخوفه من فقدان الدعم المادي والعسكري، اضافة إلى ذلك كان شكسبير نفسه يحث "ابن سعود" على عدم مساعدة الاتراك ويمنيه بدعمه ومساعدته للقضاء على ابن الرشيد حليف الاتراك…
شكسبير القائد
في هذه الاثناء كان ابن الرشيد يعد العدة من قبائل شمر للقضاء على "ابن سعود" الذي بدأ بدوره في استنفار القبائل والاخوان وتوجه بهم بقيادة الكابتن شكسبير، حيث التقى الجمعان عند جراب وسميت المعركة بمعركة جراب.
ان قيادة شكسبير لقوات "عبد العزيز" وتنظيم صفوفها دليل واضح على الدعم الانجليزي العسكري والسياسي "لابن سعود" ، ولاشك ان شكسبير يعرف المقدرة العسكرية للاخوان ويعرف نواقص هذه القوات، ولهذا طلب منذ اليوم الاول لمجيئه إلى الرياض من المندوب البريطاني للعراق برسي كوكس ما يحتاجه جيش الاخوان، طالما انّه موكل بتقوية "ابن سعود" ودعم توسعه..
ومما يدل على ذلك ان شكسبير كان قد توقع بان يكون ابن سعود سيدا للجزيرة، جاء ذلك في رسالة بعث بها إلى كوكس بتاريخ (15 مايو 1913 م) حيث قال فيها : "ان هذا الرجل ـ ابن سعود ـ هو زعيم من اروع طراز عربي وله من شخصيته ما يدفع إلى التفكير من انّه سيستقل بقيادة الجزيرة العربية إذا توصل إلى فرض الوحدة على قبائله، وهو احتمال وارد جدا كما يبدو لي مستقبل قريب .." [12]
وتوقع شكسبير ليس مبنيا على وهم فهو يعرف قدرة الاخوان ويعرف النواقص والاحتياجات، وكما يبدو من هذا المقطع من رسالته يعرف سبيل توحيد الجزيرة تحت قيادة "ابن سعود" وهذا ما تشير إليه جملة "فرض الوحدة على قبائله".
ولقد حاول بعض الكتاب تبرير وجود شكسبير في الحملة فبعضهم قال انّه التقى به صدفة وهو في طريقه إلى جراب !! والبعض الاخر اوضح ان عبد العزيز كان ممتنعا لولا اصرار شكسبير .. يقول خير الدين زركلي .[13]"ورأى شكسبير "عبد العزيز " يتهيأ للقيام من الرياض لمعركة ابن رشيد، فعرض عليه شكسبير ان يكون في جملة فرسان الحملة. وكره "عبد العزيز" ان يكون في رجاله ضابط اجنبي ويتوسط الجموع وهو بألبسته العسكرية وقبعته الرمادية . فاجابه برقته المعروفة : خير لضيوفنا ان يريحوا انفسهم من متاعبنا. ولكن شكسبير الحّ في الرجاء وعرّض له عبد العزيز بمخاطر الحروب البدوية، فازداد اصرارا على خوضها"..
لقد دخل شكسبير المعركة ليس كجندي عادي وانما كقائد، وليس صحيحا انّه اراد من مجيئه للمعركة ان يتعرف بنفسه إلى القيمة القتالية للوحدات "السعودية" وانه كان يشاهد العمليات الحربية وهو جالس على كرسي قابل للانطواء ويشرب الشاي بسكينة تامة كما يقول بنوا ميشان.[14]
ودارت المعركة (معركة جراب) يوم 25 يناير 1915 م حيث قاد شكسبير المدفعية "السعودية"[15]، ونظم صفوف الاخوان اثناء المعركة ولولاه لكانت قوات "ابن سعود" في مهب الريح، وواصل شكسبير القتال وقبل نهاية المعركة قتل برصاص الشمريين وقطعوه بسيوفهم كما قتلوا سكرتيره أيضاً ..
ونجا "عبد العزيز " من هزيمة محققة بفضل شكسبير، وخرج "عبد العزيز" متعادلا مع خصمه برغم خسائره الفادحة، فكتب رسالة رقيقة إلى برسي كوكس المندوب البريطاني في الخليج قال فيها : "كنا الححنا عليه ليتركنا قبل القتال، ولكنه اصر على ان يخوضه قائلا: ان اوامري ان اكون معكم وفي ذهابي مخالفة لشرفي واوامري ، فبقي فارجو ابلاغ اسفي لحكومة جلالة الملك".
ويفهم من هذه الرسالة انّه كانت هناك اوامر من بريطانيا وبالاخص من المكتب الهندي إلى برسي كوكس ليبلغ شكسبير بوجوب ملازمة عبد العزيز وتنظيم قواته .
ورد برسي كوكس على "ابن سعود" في رسالة بتاريخ مارس1915 م جاء فيها: "ان القبطان شكسبير، كان مامورا قادرا شجاعا. وفقدانه خسارة حقيقة لنا. ونحن نعلم ان وفاته هي موجب للاسف الحقيقي لسعادتكم كذلك" . ويضيف "فلا يخفى علينا ان سعادتكم بذلتم كمال الجهد من البداية، تنصحون له حتّى يفارقكم قبل مجيئه بالمصادمة مع ابن رشيد من حيث انّه كتب الينا قبلا بذلك المضمون ولكنه قال بانه كان مخالفا لاحساساته ان يفارقكم فقط من حيث ان تقع محاربة وانه سيبقى مع جنودكم بصفة ناظرا ".[16]
والناظر تعني المشرف والرئيس، فليس من المعقول ان يذهب إلى المعركة للنزهة وشرب الشاي والتمتع بمشاهدة المعركة !!
وإذا كانت خصائص شكسبير ذات قيمة كبيرة لدى بريطانيا، وان في قتله خسارة حقيقية لها فلماذا ارسلته إلى عمق صحراء نجد؟ لو لم يكن الهدف الموكل إليه كبيرا وخطيرا !!
لقد كان اهتمام بريطانيا العظمى بعبد العزيز كبيرا الامر الذي حدا بها ان ترسل افضل رجالاتها المخلصين ليكون مندوبا عند "عبد العزيز" ويكفي ان نفهم قيمة شكسبير لنفهم قيمة "عبد العزيز" لدى الانجليز… يقول "لويل توماس" في كتابه لورانس في بلاد العرب : "واني اميل إلى الاعتقاد بانه لولا وفاة شكسبير في اول غزوة، لما كان قدر للكولونيل لورانس ان يفوز بالشهرة العالمية التي احرزها، ولما استطاع ان يدخل دمشق دخول الفاتح الظافر على رأس جيش من الحجاز" وذلك لان شكسبير يعتبر المنافس الطبيعي للورانس والمكتب العربي في القاهرة.
إتفاقية دارين
الجزيرة محمية بريطانية
قبل معركة جراب وقبل اندلاع الحرب العالمية الاولى كانت بريطانيا تعد عدتها للقضاء على الرجل المريض وارادت ان توقع اتفاقية مع "ابن سعود" تكون التزاما عليه بعد الحرب ولكن الاحداث كانت اكثر سرعة فاندلعت الحرب وتلاها معركة جراب.
لم يؤخر توقيع الاتفاق رفض عبد العزيز لمحتواه ومواده، فبريطانيا تمتلك ورقة رابحة وهي حاجة "ابن سعود" للدعم الانجليزي قبال خصمه ابن الرشيد وهي الدولة الوحيدة التي لها القدرة في الخليج وتستطيع ان تقف بوجهه في أي وقت تشاء .. لهذا رفض "ابن سعود" عرض الدعم الفرنسي الذي قدمه المندوب الفرنسي قبل نشوب الحرب في مارس 1914 على ان يؤمن لها حرية التجارة في العقير أو القطيف ، وعلى هذا الأساس قبل العرض البريطاني الذي يقدم :
1 ـ خمسين الف ليرة سنويا.
2 ـ تسليمه ما يحتاج إليه جيشه من الاسلحة .[17]
وعلى اثر هذا العرض عقد اتفاق العقير اثر اجتماع بين عبد العزيز والسير (ارثر باريت) المقيم البريطاني في الخليج في مارس 1914 واتفق معه على ان يقدم لبريطانيا كل مساعدة ممكنة ضد الاتراك، واعترف ببقاء البحرين تحت سيطرة بريطانيا، وضمن المحافظة على رعايا الانكليز وتجارتهم في الخليج، وتعهدت بريطانيا من جهتها حماية "ابن سعود" ومنع التعدي عليه من أي طرف … [18]
وجاءت الاتفاقية الاكثر ذلة وخضوعا للانجليز بعد مقتل شكسبير، حيث استلم مهامه في الكويت برسي كوكس في نوفمبر ـ تشرين الثاني ـ 1916 م.
وصل برسي كوكس بمعية فلبي الذي رافقه في الحملة على العراق إلى العقير في آواخر سنة 1334 هـ 26 ديسمبر 1915 م وهناك التقى بعبد العزيز ووقع معه في جزيرة دارين المواجهة للقطيف على اتفاقية سميت بمعاهدة دارين. وهذا نصها :
بسم الله الرحمن الرحيم
لما كانت الحكومة البريطانية من جهة، "وعبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود" حاكم نجد والحسا والقطيف وجبيل والمدن والمراسي التابعة لها، بالاصالة عن نفسه وورثته وخلفائه[19]وعشائره من جهة أخرى ، راغبين في توطيد الصلات الودية التي مر عليها وقت طويل [20] ما بين الطرفين وتعزيزها لاجل توثيق مصالحهما، فقد عينت الحكومة البريطانية اللفتننت كولونيل السر برسي كوكس المعتمد البريطاني في خليج فارس مفوضا من قبلها، ليعقد معاهدة مع "عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود".
وقد اتفق اللفتننت كولونيل السر برسي كوكس و"عبد العزيز بن عبد الرحمن بن فيصل آل سعود" "المشار إليه فيما بعد "بابن سعود" وابرما المواد الاتية:
1 ـ تعترف الحكومة البريطانية وتقر ان نجدا والحسا والقطيف وجبيلا وتوابعها والتي يبحث فيه وتعين اقطارها فيما بعد ومراسيها على خليج فارس ، وهي بلاد "ابن سعود" وآبائه من قبل وبهذا يعترف "بابن سعود" المذكور، حاكما عليها مستقلا ورئيسا مطلقا على قبائلها ، وبأبنائه وخلفائه بالارث من بعده، على ان يكون ترشيح خلفه من قبله ومن قبل الحاكم بعده وان لا يكون الحاكم المرشح مناوئا للحكومة البريطانية بوجه من الوجوه، خاصة فيما يتعلق بشروط هذه المعاهدة.
2 ـ إذا حدث اعتداء من قبل احدى الدول الاجنبية على اراضي الاقطار التابعة "لابن سعود"، وخلفائه، بدون مرادعة الحكومة البريطانية، وبدون اعطائها الفرصة للمخابرة، مع "ابن سعود" وتسوية المسألة فالحكومة البريطانية تعاون "ابن سعود" ، بعد استشارته، إلى ذلك القدر وعلى تلك الصورة الذين تعتبرهما الحكومة البريطانية فعالتين لحماية بلدانه ومصالحه.
3 ـ يتفق "ابن سعود"، ويعد بان يتحاشى الدخول في مراسلة أو وفاق مع اية امة اجنبية أو دولة، وعلاوة على ذلك بان يبلغ حالا إلى معتمدي السياسة من قبل الحكومة البريطانية عن كل محاولة من قبل اية دولة أخرى في ان تتدخل في الاقطار المذكورة سابقا.
4 ـ يتعهد "ابن سعود" بان لا يسلم ولا يبيع ولا يرهن ولا يؤجر الاقطار المذكورة ولاقسما منها، ولا يتنازل عنها بطريقة ما، ولا يمنح امتيازا ضمن هذه الاقطار لدولة اجنبية أو لرعايا دولة اجنبية بدون رضى الحكومة البريطانية وبان يتبع مشورتها دائما وبدون استثناء على شرط ان لا يكون ذلك مجحفا بمصالحه الخاصة.
5 ـ يتعهد "ابن سعود" بحرية المرور في اقطاره على السبل المؤدية إلى المواطن المباركة، وان يحمي الحجاج في مسيرهم إلى المواطن المباركة ورجوعهم منها.
6 ـ يتعهد "ابن سعود" كما تعهد آباؤه من قبل بان يتحاشى الاعتداء على اقطار الكويت والبحرين ومشايخ قطر وسواحل عمان التي هي تحت حماية الحكومة البريطانية والتي لها صلات عهدية مع الحكومة المذكورة والا يتدخل في شؤونها، وتخوم الاقطار الخاصة بهؤلاء ستعين فيما بعد ..
7 ـ تتعهد الحكومة البريطانية "وابن سعود" على عقد معاهدة اكثر تفصيلا من هذه علىالامور التي لها مساس بالفريقين.
كتب في 18 صفر سنة 1334 الموافق 26 ديسمبر سنة 1915 م.[21]
"لقد توصل المتفاوضان بسرعة إلى هذا الاتفاق، واعلن "ابن سعود " رسميا وقوفه إلى جانب انكلترا وتعهد بصورة قطعية " الا يهاجم حلفاءها ولا يساعد اعدائها " ، من جهة أخرى وعد الانجليز ان لا تكون ايلولة هذه البلاد موضع مناقشة بعد تقسيم الامبراطورية العثمانية ومنحوه وساما ، كما تعهدوا بان يدفعوا له مساعدة شهرية تبلغ خمسة الف جنيه استرليني ذهبا ثم زودوه بالسلاح وتعهدوا بتقديم المساندة إذا تعرض لعدوان جديد".[22]
وغادر "ابن سعود" عقير سعيدا بهذه التسوية التي وصفها فؤاد حمزة احد مسئولي وزارة الخارجية "السعودية" بانها جائرة، بينما بررها البعض بانها شر لابد منه !! ، وقسم ثالث انحى باللائمة فيها على مستشاري "ابن سعود" وكأن "عبد العزيز" ليس له دخل في الامر [23]!!
مناقشة لبنود المعاهدة
البند الاول : اعترفت بريطانيا "بابن سعود " حاكما على أساس الحق التاريخي فيما ان هذه الاراضي كانت قد حكمت في فترة من الزمن من آباء "ابن سعود"، فلهذا يعترف به حاكما عليها "وهي بلاد "ابن سعود" وآبائه من قبل ، وبهذا يعترف "بابن سعود" المذكور، حاكما عليها مستقلا ورئيسا مطلقا على قبائلها"… وهذا الحق التاريخي يشابه تماما الحق التاريخي للصهاينة في فلسطين !!
والاعتراف باستقلالية "عبد العزيز" لا تخلو من الطرافة، ففي المقطع المذكور اعتراف بالاستقلال، بينما الجملة التي تليها "ان لا يكون الحاكم المرشح مناوئا للحكومة البريطانية بوجه من الوجوه" تخالف مقالة الاستقلال هذه !! لان بريطانيا بهذا الشرط تستطيع اسقاط أي حاكم لا ترغب فيه ، وبالتالي فهي تفرض الحاكم الذي تريده ..
البند الثاني: ان أي حاكم يعتمد على دولة عظمى استعمارية في حماية بلاده لا يمكن ان يسمى مستقلا .. وفي هذا تتعهد بريطانيا بحماية املاك "ابن سعود" من خطر الدول الاجنبية وبرغم ان الاتفاق لم يشر إلى دولة محددة الا ان الدولة العثمانية كانت هي المقصودة ، فإذا اعتدت دولة على "ابن سعود" دون مشاورة بريطانيا فانها ستعينه بقدر تحدده هي ، وما يفهم منه ان الاعتداء الذي ياتي بالاتفاق مع بريطانيا ذلك، أي في حين خروج "ابن سعود" على الطاعة الانجليزية .
البند الثالث:
وهذا البند يقصر علاقة "ابن سعود" مع بريطانيا فقط. ويحد من تحركه واستقلاله، واي استقلال هذا الذي يمنع الملك من كتابة رسالة إلى حاكم دولة أخرى الا بامر من بريطانيا ، واية دولة هذه التي لا يستطيع حاكمها الاتفاق مع الدول الاخرى، ولو في امر بسيط؟!
ان هذا البند يلغي كلية مهمة الدولة ويجعل من عبد العزيز ممثلا لبريطانيا في الجزيرة العربية ، بل ان المندوب له من الصلاحيات ما يفوق صلاحيات "ابن سعود".
وكان قصد بريطانيا من هذا البند هو احتكار الجزيرة وحاكمها ومنع أي تسلسل للمنافسين ـ فرنسا مثلا ـ .
والحقيقة ان كل بنود هذه المعاهدة لا تخلو من الطرافة، وهذا البند يتضمن جملة طريفة وهي وعد "ابن سعود" لكوكس بان يبلغهم باي اتصال يتم من قبل الاخرين به، وهكذا يكون "ابن سعود" سفيرا أو مندوبا لبريطانيا لا اكثر !!
البند الرابع :
وهذا البند لا يحتاج إلى توضيح، فقد أضحت بريطانيا هي المالك للجزيرة والمتصرف الفعلي فيها، وما عبد العزيز الا واجهة فقط، بدليل انّه لا يحق له التصرف فيها، وليس هذا فحسب بل والتنازل عنها باعتبارها ليست ملكا له أو لا اقل تحت تصرفه .
وانما تحت تصرف الانجليز ، وتاتي الجملة الاخيرة لتأخذ مكانها الهامش "على شرط ان لا يكون ذلك مجحفا بمصالحه الخاصة" لان كل هذه الالتزامات هي مجحفة بمصالح "ابن السعود" الذي يشبه وضعه ـ على الاقل ـ وضع طفل محجور على امواله وممتلكاته !!
البند الخامس:
وهذا البند ظاهره طيب اما القصد الرئيسي منه فهو دعم حليفهم الشريف حسين حاكم الحجاز الذي يعتمد دخله على الضريبة التي يفرضها على الحجاج وحين يكون المسير إلى مكة غير آمن تقل نسبة الحجيج وبالتالي يقل الدخل..
البند السادس:
وهنا يتعهد "ابن سعود" بالمحافظة على محميات الدولة البريطانية، اما إذا توسع في أراض تابعة للخلافة العثمانية فلا بأس بذلك !! لان كل توسع "لابن سعود" توسع لبريطانيا نفسها.
ماذا يقول كوكس وفيلبي
لقد تعرفنا على ماجاء في المعاهدة، إلا أن أجواء المباحثات وطبيعتها غير معلومة، كما أنّه بحثت في اجتماع العقير مسألة فلسطين قبل الاحتلال وقبل ان يطلق بلفور وعده المشؤوم، يقول كوكس "لقد كانت أول مرة لي اقابل فيها أميرنا "عبد العزيز بن السعود"، ولقد أعجبت به ولم يخيب ظن أحدنا بالاخر وقلت له : إنك شخصية قوية يا "عبد العزيز آل سعود" فرد عبد العزيز بقوله انني بكم وصلت إلى لقب الامير "عبد العزيز بن سعود " وسوف لن أنسى لكم هذا الفضل مدى حياتي وسابقى لكم خادما مطيعا منفذا لما تريدون" ويقول جون فيلبي الذي حضر هذا الاجتماع : ورد برسي كوكس قائلا : "نحن لم نمنحك لقب ـ أمير ـ فقد كنت اميرا بطبيعتك، أما اللقب الذي سأقلدك وسامه الآن باسم بريطانيا العظمى فهو لقب ـ السلطان "عبد العزيز" سلطان نجد والاحساء والقطيف والجبيل".. فقلده وسام السلطنة البريطانية ـ وقال : وفي المستقبل القريب سنقلدك وسام سلطنة حائل بعد القضاء على خصومنا ثم سلطنة الحجاز ونجد، لتصبح سلطان نجد والحجاز وملحقاتهما ثم نجعل منك ملكا بعد تسليمك عسير وبعض الامارات الاخرى لنطلق عليها اسمكم فتصبح "المملكة السعودية".
وهنا استفسر "عبد العزيز" وهو يقبل جبين كوكس، ويده اليمنى ترتعش من شدة الفرح ويردد: "الله يقدرنا على خدمتكم. الله يقدرنا على خدمة بريطانيا، ماذا تعني بالامارات يا سيدنا برسي؟".. فتكلم المستشار عبد الله الدملوجي مسبقا الكولونيل بقوله : ان الكولونيل يعني بالامارات الاخرى مثل البحرين والكويت وقطر والشام وفلسطين واليمن فقاطعه كوكس بكلمة حاول فيها اخفاء ملامح الغضب من وجهه بابتسامة استخفاف قائلا : كلا .. كلا .. انما اقصد نجد وحائل والحجاز والاحساء والجوف، لاننا لا نضمن وقوف آل رشيد أو استمرار الحسين بن علي معنا، ولذلك سننقل الحسين بن علي لنعينه إذا اراد واولاده ملوكا على العراق وسوريا، ولكننا نعتقد ان الحسين سيرفض الاستجابة لتعيينه في منصب اصغر مما يتخليله في عقله وحينها سنضطر إلى نفيه بعيدا، اما اولاده فنتوقع موافقتهم".
ويقول فيلبي : "وبعد ذلك قرر السير برسي كوكس رفع مرتب السلطان "عبد العزيز" ، بعد ان تظلم السلطان من ضاّلة مرتبه عن مرتبته، ورفعه من (500) جنيه في الشهر إلى (5000) ، ومن ثم وضعنا معاهدة للحماية وقعها كل من كوكس و"عبد العزيز" "[24].
ويقول فيلبي في موقع آخر "كانت النتيجة العملية لهذه الاتصالات بين "عبد العزيز" وبرسي كوكس، الاتفاق على ان يصرف "لعبد العزيز " مبلغ خمسة الاف جنيه كل شهر، على سبيل المساعدة وامداده في الحال باربعة رشاشات وثلاثة آلاف بندقية ومقدار كاف من الذخيرة"[25].
على ان المساعدات لم تقتصر فقط على المال والسلاح بل والخبرات وارسال الخبراء أيضاً .. يقول الدكتور غسان سلامة في كتابه (السياسةالخارجية "السعودية") : "كانت لندن تقدم، بالطبع ريعا سنويا للملك "السعودي" منذ عام (1915 م)[26] ، وكانت ترسل الخبراء العسكريين ليقاتلوا إلى جانبه" [27]منهم الكابتن الذائع الصيت شكسبير . واعترف "عبد العزيز" اكثر من مرة من انّه يستلم الذهب الانجليزي ، وكان في بعض الاحيان يضلل اصحابه قائلا : ان هذا المال ما هو الا جزية يدفعها الانجليز لنا !!، وكتب امين الريحاني ـ احد مساعدي "ابن سعود" ـ في كتابه "ملوك العرب "[28] عن "عبد العزيز" قوله : "يظن الناس اننا نقبض من الانكليز مبالغ كبيرة من المال، والحقيقة ان الانكليز لم يدفعوا لنا الا اليسير مما نستحقه للاعمال التي قمنا بها لهم اثناء الحرب وبعدها، ونحن بيننا وبينهم عهد نحافظ عليه ولو تضررنا في انفسنا ومصالحنا.. الانكليز مدينون لنا ونحن لا نطلب غير ما كان لابائنا واجدادنا من قبلنا.. ليعلم ذلك اصحابنا الانكليز".
ولم تنقطع المعونات الانكليزية أو تتأخر، واستمرت إلى ان قطعت بريطانيا اعانتها عن الدول العربية ابتداء من 23 شعبان 1342 هـ "31 / 3 / 1924 م" [29]. ويبدو ان "عبد العزيز" ومشايخ الخليج قد استثنوا من هذه القاعدة إلى ان ظهر النفط كما سيتوضح .
فيلبي صانع العرش
ارى من اللازم التحدث عن جون فيلبي الذي وقع العبأ الاكبر على شخصه والذي صنع بمعونة اسياده العرش "السعودي".
بعد مقتل الضابط شكسبير مندوب بريطانيا في البلاط "السعودي" في معركة جراب عام "1915 م"، كانت هناك حاجة ماسة من قبل بريطانيا لدعم "ابن سعود" وتوجيهه لاستكمال مابدأه شكسبير، وكانت هذه المهمة تقع في دائرة اختصاص المكتب الهندي الذي يتولى الاشراف على الخليج.
ووقع الاختيار على "هاري سانت جون بريدجر فيلبي" ، الذي درس اللغة العربية حتّى اجادها تماما، والمتخصص في دراسة العالم الاسلامي، ثم انضم إلى المكتب الهندي وعمل هناك سبعة اعوام (1908 ـ 1915 ) ، ثم شارك مع السير برسي كوكس في حملته على العراق واصبح مدير المخابرات هناك..
كان اول لقاء له مع ابن سعود قد تم في العقير ـ كما ذكرت ذلك سابقا ـ فوجد فيه تلك الخامة الجيدة التي وجدها قبله مبارك الصباح، ولما كان الامر قد جاء من لندن بالتوجه إلى الجزيرة فقد وجدها فرصة لاتمام الرعاية .
ويوضح فيلبي مهمته قائلا:
"بعد مصرع قائد جيش "عبد العزيز آل سعود " .. الكابتن شكسبير على ايدي قوات ابن الرشيد في نجد ـ وصلت رسالة من رئاسة المخابرات الانكليزية في لندن تؤيد وجهة نظر برسي كوكس ـ حينما كنت سكرتيرا له في العراق ـ تحث الرسالة بدعم "عبد العزيز آل سعود " وتعيين "جون فيلبي" خلفا للكابتن "شكسبير" وتسليمه كامل المسؤولية للعمل بكل وسيلة تمكنه من دحر خصوم "بن سعود" .. وكانت الرسالة تلك بداية لترك عملي كسكرتير لرئيس مكتب المخابرات في الجزيرة والخليج، فقد تركت مهمتي إلى مهمة اهم من مهمة السكرتير، تلك هي مهمة الدعم، والتمويل، والتخطيط، لانجاح "عبد العزيز آل سعود" واعادة تنظيم جيشه وتمويله وايجاد ميزانية خاصة له وتسليحه بالذخيرة والسلاح، وايحاء الافكار الوهابية والقيام بايجاد انصار له في كل بلدة وقبيلة وقرية من انحاء جزيرة العرب وايجاد عملاء لنا مهمتهم تزويدنا بمعلومات عن خصوم "ابن السعود" الاقوياء مع بث افكارنا بينهم وبث الاشاعات المرجفة في هذه المدن والقبائل والقرى المعادية.[30]
وقد ابتدأت هذه المهمة عام 1916 م تقريبا حيث اخذ يتردد على الرياض بين فترة واخرى، وانتقل عام 1917 م إلى غزة لمقابلة القائد البريطاني الجنرال اللنبي ـ وذلك قبل احتلال فلسطين ـ ليحتج بقوة ضد منافسه لورانس رئيس المكتب العربي في القاهرة والذي يرى دعم الشريف حسين وتجاهل "ابن سعود"، حيث اكد للجنرال بان الهاشميين غير جديرين بان يلعبوا الدور الذي ينيطه بهم "صانع الثورة في الصحراء" وحذر القائد الاعلى لجيش مصر بان لورانس قد راهن على الحصان الخاسر. ان "ابن سعود ـ لا فيصل ـ [31] هو الذي يجب ان يساند !! [32].
بعد احتلال فلسطين ونكث بريطانيا لوعدها باقامة الدولة العربية الكبرى بقيادة الشريف حسين، وقف الاخير ضد معاهدة سايكس بيكو والتي تضع بموجبها كلا من سوريا ولبنان تحت الاستعمار الفرنسي .. حينها أي في عام 1918 اعطى الانجليز ـ رسميا ـ امرا للميجر فيلبي بالعودة إلى الرياض والاقامة فيها بصورة دائمة على رأس بعثة صغيرة !! [33].
وسرت شائعة على ان فيلبي ترك حكومته وقدم استقالته ليلحق "بابن سعود " في الصحراء، ولكن الواقع اثبت ان هذا الامر ـ ان صح حدوثه ـ ما هو الا اعطاء صورة محسنة له ، وهذا ما حدث بالفعل إذ مالبث فيلبي ان خطط للحملة التي هاجمت الحجاز الذي وقف حاكمه ضد سياسة الانجليز وخرج عن الطاعة، واشترك فيها ، وكان الرأس المدبر للمجزرة التي وقعت في تربة والتي راح ضحيتها اكثر من [34] الف شخص، وكانت خطة فيلبي هي ارهاب اهالي مكة وجدة وبث الرعب والاراجيف في نفوسهم، وقد صدق حدسه فحين دخلت القوات "السعودية" مكة لم يكن في الشوارع احد وهذا ما يذكره "آل سعود" انفسهم اليوم !!
وبعد احتلال مكة شهد حصار جدة إلى ان استسلمت وذكر كل تفاصيله المؤلمة في كتاب بعنوان "اربعون عاما في القفر" ، ودخل دخول الفاتحين إلى جدة بصحبة الملك نفسه عام 1926 م.
واقام فيلبي في جدة بعد احتلالها وانشأ شركة لاستيراد السيارات امعانا في تضليل العامة وزاد على ذلك ان اعلن اسلامه عام 1930 فمنحه "عبد العزيز" اسم "الشيخ عبد الله" وقام بحجته الاولى في نفس العام .. والمضحك المبكي ان يكون هذا العميل البريطاني اماما في احدى الصلوات للحرم الشريف (…).
واصبح فيلبي منذ اعلن اسلامه يرافق الركب المكي في الحج واكثر الاسفار وصرف "عبد العزيز" له مرتبا ومنحه بيتا في مكة وآخر في الرياض، كما اعفاه من "ضريبة الدخل" ، وكانت كل سفراته بالطائرة تدفعها الحكومة عنه، وسيارته ليست خاضعة للتسجيل.[35]
وفي حين كان "عبد العزيز " يحول الحديث في مجلسه حين يلمح غترة فيلبي الى موضوع يجوز له سماعه، موهما الحاضرين بانه لا يثق به كثيرا كان فيلبي يلتقي كل يوم في ديوان القصر الملكي حيث يجتمع المجلس الذي يناقش مشكلات الدولة، بينما يتخذ الملك مجلسه عند زاوية الجدار الداخلي من القاعة وقد يحدث في اوقات كثيرة ان يستدعي صديقه ـ فيلبي ـ خلال النهار ليرى رأيه في موضوع من الموضوعات المهمة !![36].
كانت كل تحركات فيلبي السياسية وتوجيهاته لعبد العزيز تتسم بطابع السرية الا انها لم تكن خافية على العامة، وقد تجاهل "ابن سعود" فيلبي في كثير من المواقف ليوهم الناس باستقلاله، وحتى سفرات عبد العزيز لم يكن يخلو منها فيلبي الا انّه لم يحسب بصورة رسمية فحين قام عبد العزيز بزيارته الرسمية فالعلنية لمصر في اوائل 1365 هـ 1946 م كان فيلبي في جملة المسافرين معه من جدة على اليخت (محروسة) الا ان اسمه لم يذكر رسميا في عداد الحاشية الملكية ، ولم يظهر هو في أي احتفال او مجتمع رسمي، كعادة العملاء دائما في تجنب الظهور والاثارة وهذا ما يريح فيلبي الذي رفض ان يسمى مستشارا للتاج !! برغم ان منصبه ومسؤوليته اكبر من ذلك.
لقد ادى فيلبي دوره الموكول إليه من المخابرات البريطانية وهذا ما جعل عبد العزيز يقول فيه: "لقد عمل فيلبي كثيرا من اجلي ومن أجل قضية نجد، وضحى بالكثير في سبيلنا"[37]ولهذا كان فيلبي لا يفارق "ابن سعود" حتّى في جلساته الشخصية يقول فيلبي موضحا شدة التصاقه "بابن سعود" : "لقد عرفت "ابن سعود" ستة وثلاثين عاما هي نصف حياة هذا الملك ، وكنت طيلة الثلاثة والعشرين عاما الاخيرة منها على اتصال دائم به لا انقطاع فيها مطلقا"[38]وحتى في اواخر ايامه "كان الملك عبد العزيز في مجلسه بالطائف وكان ذلك قبل وفاته ببضعة اشهر وكانت تبدو عليه علائم الهرم والخور، وضعف البصر، ولا يكاد يسمع له صوت، وكان يجلس على كرسي متنقل، فدخل فيلبي وجلس على مقعد بعيد عن الملك، ولما ابصره الملك وشخصه أومأ إليه ان يقترب ويجلس إلى جابنه ويسولف له "[39] .
وقبل موت "ابن سعود" حدثت خلافات بينه وفيلبي نفي الاخير على اثرها إلى بيروت وكان سبب الخلاف هو ان فيلبي نشر بعض الوثائق حول علاقاته واعطى تصريحات ومقالات للصحف الاجنبية حول ذلك، لكنه اعاده بعد وساطة بينهما وبعد تهديد فيلبي بنشر المزيد من الوثائق .
وسيتبين في الفصول القادمة بعضا من مهام هذه الشخصية وتأثيراتها السيئة التي رسمت خيوطها السوداء على امتنا الإسلامية وقضيتنا في فلسطين .
الحماية
استطاع "عبد العزيز " ان يفرض سيطرته على القبائل النجدية بدعم الخبراء الانجليز ومالهم واسلحتهم، الا ان اوضاع الجزيرة لم تكن بتلك الصورة التي يستطيع فيها شخص فرض سلطانه على كل القبائل التي تتقيد بانظمتها الخاصة والتي تختلف في اغلب الاحيان مع مجمل سياسة الحاكم.
لهذا رأينا كثيرا من القبائل تمردت على عبد العزيز حينما اراد ان يخضعها لسلطانه كما رأينا كثيرا من الحركات قد قبرت في مهدها، ليس لان "عبد العزيز" له القدرة على ذلك، بل لان الانجليز كانوا المواجه الاول لهذه الثورات الشعبية العارمة.
في هذا الفصل نوضح الكيفية التي تمت فيها تصفية المعارضين من خلال سرد واقع حركة قوية كادت ان تسقط حكم "عبد العزيز لولا التدخل الانجليزي المباشر..
المعارضة الاولى : الاخوان
لم أشأ هنا ان اتكلم عن حقيقة حركة الاخوان وتأسيسها ، الا ان الموضوع فرض نفسه، فكنت أحبذ ان اتكلم عن الدعم الانجليزي "لعبد العزيز" في مواجهة هذه الحركة باختصار، الا انني وجدت صعوبة بالغة في فصل هذا الدعم عن واقع الحركة والرؤى التي تحملها، ولهذا سيكون الحديث عن حركة الاخوان وواقعها وعلاقاتها مع "عبد العزيز"، واسباب الخلاف معه، وتفاصيل أخرى حول الثورة ونهايتها.
التأسيس
على الطريق الرملي الذي تسلكه القوافل بين نجد والاحساء تغفو في احضان الصحراء واحة "الارطاوية" التي يترأى ماؤها وشجيراتها القليلة كالحلم في اعين البدو التائهين وسط الصحراء وهم يحثون نياقهم لتسرع وسط كثبان الرمال المحرقة وهي تسير باتجاه واحة الارطاوية التي تترامى بكسل ظلال اشجارها المحيطة بمستنقع من المياه الراكدة التي خلفتها امطار الشتاء.
في هذه الواحة كان مولد حركة "الاخوان" هذه الحركة العظيمة التي استطاعت ان تفرض وحدة القبائل في الجزيرة العربية ، وكانت الحركة الثورية الإسلامية الاولى خلال هذا القرن في بلادنا.
في ايام السنة التي يندر فيها المطر وتغور آبارالمياه القليلة التي تتناثر وسط صحراء الجزيرة كان البدو يقصدون هذه الواحة للتزود بالماء والاستراحة وهناك كان بعض البداة الذين اتعبهم التجوال قد قرروا ان يطيلوا المكث عند الواحة.
الشيخ عبد الكريم المغربي عالم ديني ذو افكار اصلاحية كان يعتقد ان من الممكن الاستفادة من الروابط القوية التي تشد ابناء القبائل العربية إلى بعضهم من أجل اقامة مجتمع حركي متماسك، واعتباره طليعة للمجتمع الإسلامي الواحد الذي يجمع القبائل العربية كلها.
في مطلع القرن العشرين كان الشيخ المغربي يحاول تطبيق افكاره هذه في قبيلة "المنتفق" القاطنة جنوب العراق وقد اصبح خلال اتصاله بهذه القبيلة معلما لشيخها فالح السعدون وبعد ذلك معلما لـ "مزعل السعدون" ، لكن الشيخ المغربي لم يتوصل إلى نتائج كبيرة من عمله في اوساط هذه القبيلة فقرر تركها إلى نجد..
في طريقه إلى نجد مر الشيخ المغربي بـ "الارطاوية" فرآها واحة لطيفة الهواء طيبة الأرض بعيدة نسبيا عن المدن ومراكز القبائل التي يكثر فيها الصراع، وتصطدم فيها التيارات وكان فيها تجمع صغير من اولئك البدو الذين جاؤوا اليها من الصحراء . وفي هذه الواحة قرر الشيخ المغربي ان يطبق فكرته التي لم يقدر لها النجاح في جنوب العراق.
وتحدث الشيخ مع الاسر البدوية المقيمة حول الواحة واستطاع ان يؤثر كثيرا على مجرى تفكيرهم بل انّه استطاع ان يقنعهم باجراء تغييرات اساسية في انماط حياتهم فقد اقنعهم بترك البداوة وزراعة الأرض وهذا كان عارا كبيرا لدى القبائل العربية كما صنع اطارا تعاونيا فيما بينهم وبنى لهم بيوتا طينية بعد ان ظلوا يعيشون في ظل الخيام المصنوعة من الشعر التي لا تقي من حر ولا برد وبذلك توصل الشيخ المغربي إلى اقامة مجتمع صغير ومتكامل، وذو مستوى متقدم نسبيا وفي هذه المرحلة ابتدأ بتنظيم حلقات لتعليمهم امور دينهم ولرفع مستوى ثقافتهم وتفكيرهم وتلك كانت البداية الحقيقية لحركة الاخوان والتي استمرت قرابة سنتين منذ وصول الشيخ المغربي إلى "الارطاوية" .
حوالي العام 1914 م كانت مجموعات من قبائل "مطير" تقصد الارطاوية للتزود بالماء وهناك التقاهم الشيخ وتحدث معهم كما لمسوا الفرق بين حياتهم في الصحراء وحياة هؤلاء الذين استوطنوا الواحة فنقلوا ذلك لبقية ابناء وشيوخ قبيلتهم الذين قرروا المجيء إلى الارطاوية حيث استوطنوا فيها واقاموا لهم بيوتا من الطين كما نظموا اراضي واسعة وزرعوها وباعتبار ان رحلتهم إلى الارطاوية قد صاحبها تغيير في اسلوب حياتهم فقد اعتبرها الشيخ المغربي "هجرة" واطلق على الارطاوية "هجرة الارطاوية" اقتباسا من "دار الهجرة" المصطلح الإسلامي الذي يطلق على البلاد التي يهاجر اليها الإنسان في سبيل الله .
في هذا الوقت تحولت الارطاوية ومجتمعها إلى ظاهرة فريدة جلبت الاهتمام في الجزيرة العربية خاصة وان الشيخ المغربي قد خطا خطوات متقدمة لتطبيق فكرته حيث آخى بين افراد قريته واسماهم جميعا "الاخوان" كما فرض على كل فرد منهم التدرب على القتال وفنونه وعمق في نفوسهم عقيدة الوحدة الارضية والشعبية، ومقاومة الاجانب.
عام 1916 م كان قد مرّ "14 سنة" على استيلاء الملك "عبد العزيز آل سعود" على السلطة في الرياض ومنذ ذلك الوقت كان صدره يجيش برغبة قوية للسيطرة على اجزاء أخرى من الجزيرة العربية وفرض نفوذه على قبائلها، وكان "الاخوان" الذين تبلور كيانهم اكثر من ذي قبل يشكلون قوة أخرى منافسة تحمل نفس الطموح من منطلق ديني بحت، وقتها فكر "عبد العزيز" في طريقة مثلى للتعامل مع "الاخوان" وكان بين اربعة اختيارات :
1 ـ ان يهملهم ويعمل في طريقه، وقد كان هذا يصطدم مع طموحه التوسعي حيث سيشكل "الاخوان" عقبة في طريقه.
2 ـ ان يتخذ موقفا معاديا تجاههم، وهذا أيضاً كان غير ممكن لقوتهم وتماسكهم خاصة بعد انضمام قبيلة مطير التي لها أيضاً علاقات بقبائل أخرى كبيرة وقوية.
3 ـ ان يقيم معهم علاقات حسنة ومتكافئة، وهذا بالنسبة إليه خطر على المدى البعيد ذلك ان "الاخوان" ليسوا قبيلة فقط بل ـ انّه تجمع عقائدي ذو نمط حياتي واتجاه فكري موحد وذو طبيعة انتشارية مما يهدد بفتح جيوب لهم في منطقة نفوذ "عبد العزيز " ما يهدد سلطانه في المستقبل.
4 ـ الاختيار الاخر والاصعب كان احتواءهم.
وقد نجح في ذلك بعد محاولات صعبة، فقد قام "عبد العزيز" ورجاله بزيارة إلى الارطاوية وتحدث لشيوخها حول الدين والاخلاق والجهاد، ولكن راعه خلال زيارته شدة التماسك فيما بينهم وطاعتهم لقيادتهم فلما عاد كان قد تكاملت في ذهنه خيوط المؤامرة التي يريد تنفيذها لتمييع حركة "الاخوان" واضعاف الترابط الداخلي فيها.
في لقاء آخر مع زعماء الحركة اعلن انّه يريد تقوية هذه الحركة بضم كافة القبائل التي تحت نفوذه اليها وانه سيقوم بعد ذلك بالجهاد لتوحيد الجزيرة ونشر الإسلام فيها وقد ارتاح زعماء الحركة لهذه الفكرة وما كان يخطر ببالهم انها ستكون المسمار الاول الذي ثبته عبد العزيز في نعش حركتهم العقائدية.
اعلن عبد العزيز ان كل القبائل القاطنة في منطقة نفوذه يجب ان تنضم للاخوان وان تشكل جيش التوحيد الذي عرف بعد ذلك بجيش الاخوان كما اعلن عن تعيين شيخ قبيلة مطير "فيصل الدويش" اميرا على هذه القبائل وفي الواقع فقد اضعف دخول القبائل إلى حركة الاخوان تماسكها الداخلي حيث انضمت اليها قبائل لم تتطبع بطبائع الحركة كما لم تتوفر فيها روحية الحركة وافكارها، كما ان هذه القبائل التي كانت في الغالب موالية لعبد العزيز قد اصبحت حصان طروادة لعبد العزيز داخل الحركة. وعلى كل حال فقد تطورت الأمور بطريقة اصبحت الحركة فيها تنظر إلى عبد العزيز كقائد لها باعتبار انّه ذو مكانة سياسية موجودة بالفعل ويجاهر بالدين ويريد الجهاد لنشر الإسلام كما ـ اعتقدوا ـ رغم انّه كان يتظاهر بالدين وحب الجهاد للخداع والتمويه على الاخوان، والناس الاخرين.
منذ ذلك الوقت أي 1916 م حتّى عام 1922 م .. استطاع عبد العزيز ان يستفيد كثيرا من قوة الاخوان التي تحولتالى جيش في سبيل مد نفوذه وسيطرته إلى اجزاء كبيرة في الجزيرة العربية وبالفعل فقد نجح في ذلك فقد غزوا حائل وسيطروا عليها بعد طرد آل الرشيد منها كما غزوا الجهراء في الكويت .. الخ، كما سيتوضح .
حادث الخرمة
اليقظة بعد السبات
حادثة الخرمة هي واحدة من الحوادث التي فتحت اعين الاخوان المضللين وكشفت لهم حقائق عن ارتباطات ابن سعود بالانجليز الذين يكرههم الاخوان إلى اقصى درجة.
في ربيع 1918 م كاد حادث غير منتظر ان يفعل النار في البارود، فقد اعتنقت مدينة "الخرمة" المذهب الوهابي ووضعت نفسها بصورة عفوية تحت حماية ابن سعود، لكن هذه المحلة كانت سوقا يأتي اليها بدو الداخل ليبيعوا قطعاتهم من تجار الساحل.. من هنا لم يكن في وسع الحسين [40] ان يسمح بانتقال ملتقى الطرق هذا إلى سيطرة عدوه المنافس فارسل قواته إلى الخرمة لفرض سيطرته وتوكيدها ، فقاوم سكانها المحاصرون ببطولة فذة لكنهم استسلموا اخيرا وسقطوا تحت ضغط العدو الكبير، وقد ذبح قسم منهم من قبل المشاة الحجازيين.
هذا العمل الوحشي القاسي اثار في بلاد نجد كلها موجة من الاستنكار العنيف، فطالب الوهابيون والاخوان بالسير نحو "الخرمة " للثأر لاخوانهم وصرخوا قائلين : ان الشريف حسين هو عدونا الكبير .. اية فضيحة هذه ان يكون رجل مثله حاكما للمدينتين المقدستين !!، فهل سنسمح له بسحق اولئك الذين يدينون بعقيدتنا دون عقوبة ؟ انهض يا ابن سعود.. تقلد سيفك وقدنا إلى المعركة لننتزع اخواننا من براثن الفاسقين !!
اجابهم ابن سعود: كل ما تقولونه صحيح لكننا يجب ان نصبر لاسباب عليا.."[41]
وقد فات الاخوان ان يسألوا عن ماهية الاسباب العليا؟ واجاب كاتب الرواية على ذلك رغم عدم حاجة الاخوان للسؤال والجواب، قال : "كان ابن سعود في حالة شديدة من الحيرة، ان غرائزه ومصالحه وكبرياءه ، وشعبه ونفسه، هذه كلها كانت تدفعه لمهاجمة الحسين. لكن فيلبي الذي يراقب بانتباه شديد تصرفاته وتحركاته، والذي كان على اتصال مستمر به يذكره دون توقف باتفاقية العقير[42].
كان يردد على سمعه : لاتنس ان الحسين حليف بريطانيا وان مهاجمته تعني انتهاك البنود في اتفاقنا. وانت تعلم ان الخروج على تعهداتك، سيسبب لنجد ولنفسك اوخم النتائج".[43]
لكن فيلبي اكد له حماية بريطانيا ودعمها له واقترح عليه "والاقتراح بالمعنى الانجليزي امر" ان يسير نحو دمشق مما يسهل هجوم الجنرال اللنبي أو باتجاه الشمال الغربي لقتال محمد بن رشيد وقبائل شمّر . وقال له : "ان الخطر الاشد الذي يجب القضاءعليه اولا،هم آل الرشيد، الذين لم يبدوا أي تعاون معنا، اما الشريف وآل الصباح فعلينا اقناعهم بالسير معنا والتخلص ممن لم يوافق على السير خلف ابن سعود ".[44]
ولهذا فان رد سعود فقط، هو الاحتجاج ضد الظلم الذي وقع على اتباعه وطالب في رسالة له للشريف حسين اخراج القوات الهاشمية من الخرمة والجلاء عنها، وهذا الرد لم يكن الا لتهدئة اتباعه من الاخوان الغاضبين.
"وعاد حادث الخرمة إلى السطح، حين طرد سكانها حامية الحسين بانتفاضة يائسة واستعدوا للمقاومة من جديد. ومرة اخرى الّحوا على ابن سعود ان يبادر إلى انجادهم ، لكن ابن سعود لم يتحرك كما كان شأنه من قبل .
وبدا العلماء والاخوان يتساءلون : ماذا نعني هذه السلبية التي لا يجدون لها تفسيرا ؟ الوهابيون يقتلون وابن سعود يشهد المذبحة دون ان يخف إلى نجدتهم ، بل دون ان يقول لهم كلمة عطف وتعزية؟. ماذ صنع له الانجليز هؤلاء الكلاب الكفرة، الذين كانوا يتنقلون دون توقف في ممرات القصر وابهائه ؟! والذين يعقدون مع الملك اجتماعات خفية لانهاية لها..)[45]
اذن كان الاخوان يكرهون الانجليز ويتهمونهم بتطويع "ابن سعود" ، ويدركون ان الانجليز وراء سكوت عبد العزيز وانهم الرأس المدبر لهذا الخنوع .
"ومرة ثالثة وجه سكان الخرمة نداءا حزينا يائسا إلى اخوانهم في نجد. ثم ارسلوا إلى ابن سعود رسولا يحمل إليه رسالة جاء فيها : "إذا كانت ممتنعا عن القدوم الينا بسبب الحفاظ على فيض الذهب القذر الذي يغذيك به الاجانب فقل لنا ذلك يا ابن سعود؟! .. الخ"[46]
احدثت هذه الرسالة حالة انفعال شديد في طول البلاد وعرضها ثم تحول الانفعال سريعا إلى غضب عارم وتمرد من قبل الجنود فشعرابن سعود ان سلطانه يتسرب من بين يديه خصوصا حينما سارع الجنود إلى الحرب ضد الحسين من دون اوامره.
ولم يتردد العلماء في اتهام عبد العزيز ببيع حقوقه من أجل قدر من العدس وبتواطئه مع الاجنبي وكانوا يرددون هذه الاتهامات في المساجد وعلى رؤوس الاشهاد دون خوف أو تردد.
التحريف !!
في هذا الجو المحموم، خاف عبد العزيز من فقدان السيطرة على الجند، هنالك وقف جون فيلبي ليقنع مشايخ الوهابيين وليوضح لهم خط سيرهم واهمية اعطاء الاولوية للقضاء على حكم آل رشيد فوقف العلماء الذين جمعهم هذا العميل الانجليزي مؤيدين وهذا ما كان مطلوبا منهم آنذاك !! والقصد من حشد هؤلاء العلماء الذين يستلمون رواتبهم منه، هو ايجاد اعلام معاكس ضد الاخوان والشيوخ المعارضين لابن سعود.
واقترح فيلبي نيابة عن ابن سعود عقد اجتماع كبير في (شقراء) ، بينما استدعى ابن سعود قادة الجيش الاخواني بداعي الخطورة واستقبلهم عند ابواب المدينة متوددا اليهم!!
وعقد الاجتماع عند ابواب المدينة وجلس ابن سعود والى جانبه فيلبي تحت حراسة مشددة ، وخطب ابن سعود قائلا: لقد قررت ان اخوض الحرب والعدو الذي اقترح عليكم هزيمته هو محمد بن رشيد (..) [47]
وكان عبد العزيز يهدف إلى امرين :
الاول : ان توجيه الجنود إلى حائل "والذي اقترحه فيلبي " يبعده عن مواجهة الشريف حسين التي تغضب الانجليز ..
الثاني : كان عبدالعزيز يريد من حربه ضد آل الرشيد اعادة الاخوانيين الذين يمتلاؤن حماسا للحرب قد ينقلب ضدّه إذا ما رفض محاربة حسين.
وتجهمت الوجوه من هذا الاقتراح !! وحصلت دمدمة استياء في صفوف الجيش ونهض القادة العسكريون كل يريد الكلام …" قالوا كل بدوره : ماذا يعني هذا ؟ وماذا يهمنا من محمد بن رشيد؟ نحن لانريد حربه، بل نريد هذه الحرب ضد الحسين!" وهنا اصاب الخرس ابن سعود فوقف فيصل الدويش القائد الاعلى للاخوان وطلب الكلام باسم الجيش كله وقال : "يا عبد العزيز ان الاخوان لا يفضلون الحرب مع آل رشيد بناء على مشورة فيلبي ولمصلحة الانكليز، فالاخوان يقولون ان آل رشيد وشمر واهل حائل مسلمين وانما الحرب يجب ان تكون اولا مع الذين يتعاونون مع الانكليز .[48]
وفي مكان آخر قال بلهجة حاسمة : "نحن نطالب بمقاتلة الشريف حسين الذي يضطهد اخواننا في "الخرمة" والذي سلحه الانجليز … ونحن نطالب بمقاتلة اعداء العقيدة … ليس لك يا عبد العزيز ان تقول غير كلمة واحدة ثم نتبعك حتّى الموت، شرط ان يكون سيرنا ضد الشريف حسين الذي يسيء إلى المدينتين المقدستين… اما فيما سوى ذلك … فاعلم اننا لن نطيع اوامر الاجنبي ابدا… انني بهذا الكلام اعبر عن عاطفة كل واحد من جنودك."
وتابع الدويش : ان المعركة ضد محمد بن رشيد قد اوحى بها الانكليز وانها ستحقق مصلحتهم، ووجه اللوم إلى موقف عبد العزيز المجامل للانجليز الذين يتهمهم الدويش بتطويع ابن سعود.
ومن وراء الدويش كان الاخوان مكفهري الوجوه ومعالم التهديد بادية في نظراتهم خصوصا بعد ان الهب خطاب الدويش حماسهم، فكانت نفوسهم ثائرة على الانجليز وابن سعود والشريف حسين .[49]
احرج عبد العزيز بهذه المعارضة القوية ولكن هذا الرجل يعرف كيف يستغل الشعور الديني القوي عند الاخوان فلقد تتلمذ على ايدي الانجليز وفهم اصول اللعبة بينما الاخوان ـ للاسف ـ لم يكونوا يعلمون الألاعيب السياسية.
قام عبد العزيز بعد هذه المعارضة القوية يترجى فيها الاخوان ويستعطفهم في خطاب له دام ساعتين جاء فيه : "اسمعوني جيدا.. انتم تدعون جنودي، والذين شاهدونا معا في ميادين القتال يعرفون ماذا تعني هذه العبارة . ان العواطف التي احملها لكم ليست تلك التي يحملها رئيس لمرؤوسيه، بل هي أيضاً عواطف اخ نحو اخوانه ، وعواطف اب نحو اطفاله، هذه العواطف هي التي اتوجه اليها اليوم بالنداء، انّه ليس لي أي جيش ، وليس لي أي سلطان ، دون الله ودونكم.. لا تظنوا انني اهمل واجباتي الاساسية !! هل تظنون حقا ان آلام اخواننا لا تحرك عواطفي ولا تثير شفقتي كما تحرك عواطفكم وتثير شفقتكم؟ لكنني اعلم ما هو ضروري ! توقفوا عن الاهتمام بشريف مكة وانني لاقسم لكم انّه إذا لم يمنعه الانكليز من تجديد حملاته على الخرمة سرنا معا نحوه لمعاقبته كما يستحق !!" وليضلل البسطاء من حوله فيما يتعلق بالانكليز وابن الرشيد قال : "اما فيما يتعلق بمحمد بن رشيد فالحقيقة ان الانلكيز قد الحوا علي بمهاجمته ! لماذا اخفي ذلك عليكم؟! لكن الانلكيز ليسوا من يقطف ثمرات هذا الهجوم، انهم سيزودونني من أجل ذلك بالذخيرة والسلاح، وسنكون بعد ذلك في وضع احسن لتصفية الحساب مع الحسين . وزيادة على ذلك اقول لكم: ان الانكليز قالوا لي اننا بعد الاستيلاء على حائل سنعطيك كل الفرص لاحتلال الحجاز لان الشريف حسين لم يوافق على بعض مطالبنا، لذلك نقول لكم ـ يا الاخوان ـ ان آل رشيد وشمر واهل حائل كفار واعداء لكم للدين !!" [50]ولعب عبد العزيز لمدة ساعتين بعواطف الاخوان، واستغل حسن نيتهم وبساطتهم واستدرجهم بكلام دخل اعماقهم حتّى اقنعهم بقتال آل رشيد.. رغم انّه اعترف لهم بالدعم الانجليزي ووعود الانجليز !!
وهكذا حولت مسيرة الاخوان من الحجاز إلى حائل بعد ان استدر عبد العزيز عطفهم وهو يتحدث اليهم بصوت مختنق وكأنه يميل إلى البكاء فأجابوه داعين لمسيرته ومؤكدين اخلاصهم له، وتناسوا قضية الانجليز الذين كانوا يقابلونهم في شوارع الرياض باغماض العين واشاحة الوجه والبصق في التراب علامة على التقزز منهم!!
اما قادة الاخوان فقد استسلموا لضغط المجموع فسكتوا حينما رأوا ان الغالبية مع عبد العزيز ولوان هؤلاء القادة ثاروا على ابن سعود من قبل لقضي عليه، ذلك ان عبد العزيز كان عاجزاً عن اسكاتهم بالقوة كما انّه لا يقدر على اقناعهم بالعقل وبالحجة المفقودة، وهو في نفس الوقت لا يقدر على الخروج عن ارادة الانكليز..
كان ابن سعود ذكيا لهذا تعامل مع عواطفهم وعطل عمل عقولهم فلم يهاجمهم أو يقرعهم أو يقتل منهم ويسيطر عليهم بالقوة، متريثا في الانتقام من المعارضين لانه لا يزال في حرب على عدة جبهات فهو من جهة يحارب محمد بن رشيد، ومن جهة أخرى فانه ينتظر الضوء الاخضر من الانجليز للهجوم على الشريف حسين، فكان سكوته عن المعارضة يهدف إلى عدم فتح جبهة أخرى داخل امارته.
وفوق ذلك كله فان الاخوان كانوا قوة متعاظمة ويشكلون العمود الفقري للجيش السعودي إذ يبلغ تعدادهم اكثر من خمسين الف مقاتل ! وعبد العزيزلا يستطيع مواجهة هذه القوة.. كما ان اطماع ابن سعود لم تنته بعد ولهذا كان صمته من أجل جعل الاخوان مطية للوصول إلى مطامحه . ولكنه كان يفكر في استغلال الظرف للقضاء عليهم وتحطيم قوتهم ، ففي الوقت الذي يعد فيه العدة لتصفيتهم رأى ان دخولهم في حروب ضد اعدائه تهيء له مراده، ومن ثم يسهل عليه ابتلاعهم بعد انهاك قواهم الاساسية وتخريب سمعتهم عند عامة الناس..
الاعتداء على الكويت: بداية الانفصال
يمكن اعتبار عام 1920 م بداية الانفصال بين عبد العزيز والاخوان ففي هذا العام كانت قد ظهرت بعض الامارات التي تدل على اتصالات اجراها عبد العزيز مع مسئولين بريطانيين ، وكان ذلك يتناقض مع عقيدة الاخوان المعادية بعنف للاتصال بالاجانب الذين يعتبرونهم كفرة، وسارقين، ومستعمرين.
فبعد وفاة مبارك الصباح حكم من بعده ابنه سالم الذي يطوي كراهية لابن سعود، نزح إلى الكويت عدد كبير من قبائل العجمان ـ اشد القبائل مقارعة للحكم السعودي ـ فاستقبلهم سالم مرحبا بهم فاغتاظ ابن سعود وطلب من برسي زكريا كوكس ابعاد قبيلتي شمر والعجمان، كما تقدم بنفس الطلب إلى المندوب البريطاني في الكويت الكولونيل "هملتن" وخلفه الكابتن (لاخ).
وازداد الامر تعقيدا حين طلب سالم معونة سعود بن عبد العزيز بن متعب آل رشيد والذي بادره بارسال مجموعة من الفرسان بقيادة الشيخ ضاري بن طواله.
ومع ازدياد قلق ابن سعود وعدته الحكومة البريطانية بمراقبة اعدائه ودفعته للتحرش بابن الصباح الذي يميل الىالخروج عن طاعة الانجليز وارجاعه لبيت الطاعة فارسل ابن سعود قوات الاخوان للتحرش بالقبائل القاطنة على الحدود الكويتية ، فارسل سالم قوة واجهت الدويش قائد الاخوان في مكان يسمى "حمض" في 1 حزيران 1920 م هزم فيها الكويتيون وقتل منهم الالوف، وبعد هذا ادعى ابن سعود انّه لم يأمر فيصل الدويش بالهجوم وتنصل من مسئوليته والقاها على عاتق الدويش..
واشتكى سالم من ابن سعود عند المعتمد البريطاني في الكويت "مور" فجاءه رد مائع يطلب فيه مسايرة سالم لابن سعود.
في هذه الاثناء زحفت قوات فيصل الدويش على الكويت وابتدأت بقرية الجهراء التي سميت المعركة باسمها،وكانت المعركة بتاريخ 10 / 10 / 1920 م وقتل الاخوان كل من يجدونه لانه كافر !! فخرج سالم من الكويت بقوة لم تصمد امام الدويش فولى هاربا والتجأ في قصره (القصر الاحمر) وحوصر هناك وبعد تقديم الشروط الاخوانية وافق سالم عليها لفك الحصار فانسحب الاخوان وخرج سالم إلى الكويت وطالب الانكليز بحماية الكويت من ابن سعود. وهكذا كان عبد العزيز كلب صيد ناجح لبريطانيا، بعد ان ارجع سالم إلى بيت الطاعة الانجليزي!!
في هذه الاثناء (14 / 10 / 1920) وبعد قبول بريطانيا حماية الكويت ارسل الدويش وفدا يستحث فيه سالم الدخول في الإسلام !! وانجاز شروط الاتفاق فلم يجب ووقع الدويش في مأزق فأرسل وفدا آخر قابل (مور) نيابة عن الوفد الكويتي، تنازل فيه وفد الدويش عن معظم شروطه السابقة انقاذا لموقفه..
وفي هذا الاجتماع اتهم "مور" الدويش بانه قاتل بدون امر ابن سعود فرد عليه رئيس الوفد وهو شيخ اعمى يسمى "الديحاني" بالقول : "قل غير هذا يامور ! نحن ماجئنا الا بامر من ابن سعود، وهو أيضاً صديقكم وانتم تعرفون هذا، وابن السعود لايسير خطوة الا بتوجيهاتكم.. الخ" [51] .
واعلن "مور" نهاية الجلسة قبل بحث الشروط قائلا : "نخبركم يا الاخوان ان الجلسة انتهت، فاذهبوا إلى شيخكم فيصل الدويش وقولوا له ان حاكم الخليج المستر "ترفر" قد اتصل باسم الحكومة البريطانية البهية مع الأمير عبد العزيزآلسعود وابلغه ان الكويت اصبحت بحمايتنا وعليه سحب جيش الاخوان من كافة حدودها، وقبل مغادرتكم للكويت زوروني في مقري بدار الاعتماد البريطانية لاحملكم رسالة بهذا المضمون إلى فيصل الدويش "[52] .
وهذا هو نص الرسالة التي حملها الوفد إلى الدويش والتي يهدد فيها الانكليزالدويش بعد ان استعادوا السيطرة على الكويت :
"من المعتمد السياسي للدولة القيصرية الانكليزية بالكويت الميجر جي . سي . مور، إلى فيصل الدويش افهمكم ان معاهدة الحماية المعقودة بين الحكومة البريطانية وبين ابن السعود في العقير عام 1915 تنص على تعهد ابن السعود بعدم التجاوز على الكويت، لانها تحت الحماية البريطانية لهذا فان الحكومة البريطانية تعتقد ان مهاجمتكم الكويت لم تكن برغبة من ابن السعود. وعلى هذا فاني انذركم بوجوب عدم التعدي على الكويت بعد الان، والا فستعرضون انفسكم لقصف الطائرات ".
19 / 10 / 1920 م
وعلى هذا فان ابن سعود يبريء نفسه من مهاجمة الكويت، وبريطانيا تبريء ابن سعود، وتبقى المسألة والاتهام ضد الدويش وهنا اكتشف الدويش انّه خدع اكثر من مرة، وانه اصبح دمية تحركها الايدي الاجنبية .. ولا يلدغ المؤمن من جحر مرتين !!
وفي20 / 10 / 1920 م وصلت البارجة الحربية البريطانية المسماة "سبيكل" إلى ميناء الكويت لتطمين سالم الصباح ، وفي اليوم التالي القت طائرة حربية بريطانية منشورا على معسكر الاخوان تهددهم وتتوعدهم ومما جاء في المنشور:
"ولا يمكن بعد للحكومة البريطانية ان تقف على جانب بدون دخولها في المسألة ، ثم من التأمينات التي نطق بها من مدة قصيرة سعادة الشيخ عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل السعود، إلى فخامة السير برسي كوكس المندوب السامي في العراق ، تشك الحكومة البريطانية بان افعالكم هي بعكس ارادة واوامر المشار إليه الشيخ عبد العزيز آل سعود ولاشك بان سعادته سيفهمكم بذلك عندما يعلم بافعالكم. فبناءا عليه بهذا ننبهكم بان إذا تجربون ان تهجموا على مدينة الكويت فحينئذ ستصبحون مجرمين بالحرب ليس عند سعادة شيخ الكويت بل عند الحكومة البريطانية أيضاً . فالحكومة البريطانية لم تعتبر ذلك هكذا افعال عدائية بواسطة القوة التي تفتكر لائقة . هذا مالزم اعلامه".
ميجر جي . سي . مور
الوكيل السياسي لدولة
بريطانيا في الكويت
ان النقاء الايماني الذي يحمله الاخوان البسطاء يسير في اتجاه واحد فاما ان اهل الكويت كفار فيجب قتالهم واعادتهم للاسلام، والسير في هذا الطريق للنصر أو الشهادة "بنظرهم"، اما انصاف المعارك التي فيها مهادنة ووفود فهذا غير محبّذ عندهم.
وقتال الكويت كشف لهم ولاول مرة في حروبهم ان الهدف الذي جاؤوا من اجله وهواعادة اهالي الكويت لحظيرة الاسلام، ليس الا زيفا، فقد سمحوا لهم "الانجليز وابن سعود" بقتال الكويت لحد معين وهذا لم يكن في معاركهم السابقة التي تتميز بالحدية فاما نصر اوهزيمة. من هنا عرفوا ان الغرض ليس اعادة الكويت للاسلام وانما لوضع الكويت في موقعها الذي يريده الانجليز، وقد كشف المنشور الذي القته الطائرة البريطانية عن تواطيء ابن سعود مع الاجانب واتصاله بهم، فوقعوا في فكي كماشة، فمن جهة انهم لم يحققوا اهدافهم من الغزو ومن جهة أخرى يرغمون على التراجع ويحملون مسئولية سفك الدماء البريئة !!
وقد تكشف الرسالة التي وجهها الدويش لسالم الصباح عن عقلية الاخوان وسذاجتهم ، وفي نفس الوقت عن ايمانهم العميق بالله الذي وجه في غير محله .. وهذه هي الرسالة : "من فيصل بن سلطان الدويش، إلى سالم الصباح سلمنا الله واياه من الكذب والبهتان ، واجار المسلمين يوم الفزع الاكبر من الخزي والخذلان..
اما بعد فمن يوم جاءنا ابن سليمان يقول انك عاهدته على الإسلام والمتابعة لنا "أي التبعية لنا" لا مجرد الدعوى والانتساب فقط، كففنا عن قصرك بعد ما خرب، وامرنا برد جيش ابن السعود، على امل ان ندرك منك المقصود، فلما علمنا انك خدعتنا آمنا بالله وتوكلنا عليه .. ويروى ان عمر قال : من خدعنا بالله انخدعنا له ، فنحن بيض وجوهنا ، نرجو من الله ان يهديك، ولا يسلطنا عليك، اياه نعبد واياه نسعتين ".[53]
الملخص والنهاية !!
وانتهت المعارك وانسحب الدويش بامر من عبد العزيز بعد اتصالات بينه وبين كوكس .. ففي برقية عبد العزيز إلى كوكس طلب الاول اوامر كوكس الانسحاب أو البقاء موضحا انزعاج الاخوان من وضعهم ومن تصرفات ابن سعود والانجليز، كما يعترف فيها ابن سعود بان هجومه على الكويت ما هو لا بدافع من بريطانيا وهذا نص البرقية التي ارسلت بتاريخ 23 / 10 / 1920 م . . وهو يلخص كل ما ذكر عن قضية الاعتداء على الكويت ..
"بغداد ـ الاخ الامجد الاجل الافخم الصديق المندوب السامي لحكومة بريطانيا العظمى :
انتم تعلمون اننا ما تحركنا لغزو الكويت الا بطلب منكم، وبتوجيهاتكم الكريمة لكون الكويت شذت عن طريق الجميع، واصبحت تماليء تركيا وتتعاون مع ابن رشيد وتؤيد قبيلتي شمر والعجمان اعداء الطرفين، وهذا ما يعرفه الميجر مور معتمدكم في الكويت، وبالاول قلنا ان هذه الاعمال ما هي الا مناورة من عنده ليبالغ في مصادقة بريطانيا لال صباح وللكويتيين ، ولكن مندوبا من قائد قواتنا فيصل الدويش ارسله الينا على عجل يقول ان فيصل الدويش في غاية الغضب مني ومن بريطانيا ومن ا لكويت ، وانه في الوقت الذي نأمره بالهجوم على الكويت تقوم بريطانيا بتوزيع منشوراتها بالطائرات لتهديده بضربه بالطائرات البريطانية الصديقة مما اثار جندنا علينا ، وفي هذه المنشورات يامر المعتمد البريطاني في الكويت الدويش بالانسحاب من مكانه في الصبيحة بالقرب من الكويت، ونحن لا نعرف ممن نتلقى اوامرنا؟ هل نتلقاها منكم أو من المندوب السامي في الكويت؟، والدويش والاخوان يسالونني ـ بمفهومهم ـ في رسالة الدويش ويقولون : ما هذه الاعمال فينا ؟ ان كان اهل الكويت وابن صباح من الكفار مثلما قلتم اتركونا نقاتلهم حتّى نفنيهم أو يسلمون . وان كان من المسلمين فلماذا تهددنا بريطانيا بمنشوراتها بالقتل والقصف بالطائرات إذا لم ننسحب ثم لماذا يقوم المعتمد البريطاني الميجر مور بتوبيخ وفدنا برئاسة الشيخ الديحاني وامام جمع كبير من اهل الكويت ،ويقول له "ان الاخوان كذابين هم والدويش وان ابن السعود ما ارسلهم وان بريطانيا غير عليمة، وغير مؤيدة لهجوم الاخوان على الكويت ، وإذا ترون اننا ننسحب من مكاننا في الكويت فسننسحب ، لكن اخبروا ابن صباح الذي يستعين بقوة الميجر مور ان يوقف تحرشاته بجندنا المخيمين في الصبيحية .
التوقيع
عبد العزيز آل سعود
وعلى اية حال كان عام 1920 م وما رافقه من احداث قد اكد على ان عبد العزيز يأتمر بأوامر الاجانب، وانه لامجال لتبرئته من ذلك، وفي هذه المرحلة قام الاخوان بالعديد من الاعمال بدون امر عبد العزيز، لكنه تغاضى في اغلب الاحيان عن تصرفاتهم ، لعدم قدرته على ضبطهم ولخوفه منهم ثانيا ولحاجته اليهم في فتوحاته ثالثا وما دامت هذه التصرفات تصب في جدول مصلحته فقد تريث في المواجهة لتنفجر بعد احتلال الحجاز وتتحول إلى صراع مكشوف معه كما سيتوضح.
وابتدأت ثورة الاصلاح
بعد مجزرة تربة في الطائف وقبيل الاستيلاء على بقية المدن الحجازية تنصل ابن سعود من مسئولية المجازر التي ارتكبت والتي بلغ قتلاها اكثر من (150000) إنسان ، مع العلم انّه كان الداعي الاول لها وكان مستشاره الانجليزي جون فيلبي المخطط والمنفذ الاول لها.. كما ذكرنا . يقول محمد عبد الغفور العطار نقلا عن لسان ابن سعود في كتابه "صقر الجزيرة" : "لقد وصلني وانا في الرياض خبر المذبحة في الطائف فبكيت حتّى تبللت لحيتي! .. واعترتني الكآبة وطافت على وجهي سحابة من الحزن البالغ العميق، وتمنيت لو لم ينتصر سلطان بن بجاد بهذا الثمن، وتمنيت انني حاضر، ولكنني بعثت رسولي إلى سلطان بن بجاد وخالد بن لؤي [54]مهددا !! وطلبت اليهم الكف عن القتال، ولما قدمت مكة عزمت اولياء القتلى واهليهم على وليمة ورتبت لهم والفت لجنة للتعويضات على منكوبي الطائف واعطيت كل واحد عشرة ريالات فرنسية وصاعا من القمح )!!
وكان غرض ابن سعود من هذا هو ايجاد كراهية للاخوان لدى الرأي العام ، واخراج نفسه من التهم الموجهة إليه، تمهيدا لليوم الموعود .. يوم المواجهة مع الاخوان ..
ويبرئ العطار ابن سعود الذي املى عليه كتابه "صقر الجزيرة" فينقل وصايا عمر بن الخطاب ويلصقها بعبد العزيز... يقول : (وانا كمؤرخ ابرئ ابن سعود من مسئولية مذبحة الطائف، فهو من تعاليمه ونصائحه لجنده، الا يتبعوا مدبرا والا يجهزوا على جريح ، والا يهاجموا بيتا ، والا يقتلوا شيخا ولا طفلا، والا يعترضوا امراة ولو قاتلت، والا يؤذوا المدنيين من السكان).
ويحمل العطار نيابة عن ابن سعود مسئولية المجزرة سلطان بن بجاد (فهو الذي صنع ما صنع، وهو رأس البلاء في محنة الطائف وفاجعته، حتّى ان ابن سعود لم تطمئن عينه بالنظر إلى هذا (السفاك) الاثيم الذي كان قائدا عاما[55] ، فلم يراقب الحالة مراقبة دقيقة ومنح البدو بسوء ادارته فرصة الاعمال الاجرامية والضراوة والوحشية)!!
وهنا لم يتحمل قادة الاخوان هذا الدجل والتشهير والقول بالباطل فواجهوا ابن سعود بالحقيقة امام الاشهاد مؤكدين على ان كل ما عملوه كان بامره لان اهل الحجاز كفرة كما يقول ابن سعود!!
في نفس الوقت الذي دخل فيه ابن سعود مكة طلب البيعة من الناس حيث القى خطابا جاء فيه: "وان كان الحسين قد أمّروه الاتراك، فنحن لم تؤمرنا غير سيوفنا، والانكليز ساعدونا واهملوه لانهم عرفوا ان ما فيه خير ، وان كان هذا يعجبكم فينا فتعالوا بايعونا !..)[56]وحرض ابن سعود علماء الجهل والسوء طلاب الدنيا على التشهير بالاخوان واتهامهم بالوحوش والسفاكين وغير ذلك وفي نفس الوقت يقمون بتلميع وجه ابن سعود وتبرئته من جرائمه ومجازره ..
وحوصرت جدة برا من ابن سعود وبحرا من البواخر الانجليزية ومنعت عنها الطعام واستمر الحصار اكثر من سنة كاملة ولكن علي بن الشريف حسين استسلم لعدم قدرته على مواجهة ابن سعود المدعوم من الانكليز.
يقول العطار : "ان لدى ابن السعود العديد من الضباط الانكليز والعديد من المدفعية ، وبعد ان كانت الذخائر والمعدات الحربية قليلة زادت واصبح لدى السعوديين من المدافع الرشاشة في ميدان جدة وحدها اكثر من خمسين ، غير المدافع الجبلية والصحراوية، والسيارات المصفحة والدبابات الانكليزية الجديدة، ومع كل هذه الاسلحة كميات متزايدة من القنابل والرصاص ..)[57]
ولا يحتاج التضليل السعودي المتزايد إلى جهد لكشفه ، فلم تنطل هذه الحيل على قادة الاخوان وعلى المتفتحين من الاخوانيين ، بل ان الامر لا يحتاج إلى أية مهارة أو تشغيل للدماغ طالما ان الملك ذاته اعترف عشرات المرات بفضل الانجليز عيله ودعمهم له ، وحتى بعد محاصرة المدينة المنورة واحتلالها، اعترف عبد العزيز كالعادة بدعم اصحاب العيون الزرق قائلا: "بعد احتلال المدينة لم يبق للشريف أي شيء .. الموانيء تحت قبضتنا .. والذخائر كثيرة، والجنود تزداد اعدادهم، والمال يصرف لنا بسخاء ، ونصرفه بسخاء ، والانكليز ما قصروا "[58]
ولقد آلم الاخوان ذلك الحقد الذي عباه ابن سعود للشعب ضدهم في الحجاز، وزاد في آلامهم تلك الالقاب الباطلة التي اسبغها عليه المرتزقة في الحجاز مثل "صاحب السمو" و "سمو سيدنا الامير" و "سمو الامير"، إذ ان هذه الالقاب مثيرة للاخوان وممنوعة بتاتا في نجد بل انك لا تسمع في نجد من يقول ذلك، فحين يخاطب احد الاخوان أو النجديين عبد العزيز يقول له " يا طويل العمر" وثار الاخوان على هذه الالقاب وعلى عبدالعزيز لقبوله بها ، وهم الذين حاربوا الشريف لانه اعلن نفسه ملك المسلمين !! بل ان قادة الاخوان شهروا سيوفهم في وجه ابن سعود اكثر من مرة في مكة وجدة وامام الناس لانه شارك الله في اسمائه الحسنى..
كان عبد العزيز يسفه آراءهم ولم يتوان عن اظهارهم امام الناس كجهلة ومتخلفين وانهم ضد المخترعات كالتلفون وغيره ، مع العلم ان عبد العزيز هو الذي حرمها من قبل فتاوي الوعاظ المنتفعين واستخدمها كادانة للشريف وكمبرر لحربه ضدّه.[59]
يقول أحمد عبد الغفور عطارلسان ابن سعود : "لم يرض الدويش وقبيلته مطير، وابن بجاد وقبيلته عتيبة وابن حثلين وقبيلته العجمان، ترحيب ابن سعود بالمخترعات الجديدة، كالتلفون، واللاسلكي ، وسكن القصور، واكثر ما آثارتهم المعاهدات التي عقدتها السعودية مع الانكليز والاوروبيين ، فقالوا انها تربط بلاد المسلمين برباط الذلة تحت راية الكفار"[60].
وكل ما ذكره ابن سعود صحيح، ولكن ليس بالترتيب الذي اورده !. وهو يعترف بان اكثر ما آثارهم (الاخوان) هي المعاهدات مع الانكليز الذين يرون في ارتباطهم معهم ذلا وفرض سيطرة الكفار على المسلمين .. وهذا هو السبب الاول لثورة الاخوان.
اما السبب الثاني فهو كون عبد العزيز ميالا كل الميل بعد ان حصل على الامامة والامارة، إلى الأمور الدنيوية، فقد وجده الاخوان كثير الاهتمام بالنجاح الارضي بحيث لا يستطيع ان يقوم بواجباته نحو السماء، حتّى ان الاخوان وصفوه بعبارة توضح ذلك وتبين سبب عدائهم له ، فكان كما يقولون (اميرا اكثر مما يلزم، وامام دون ما يجب له ) [61] ، ولهذا فهم يعيبون عليه سكن القصور كما ذكر العطار، لان الامام لا يكون متعاليا على رعيته يسكن الابراج وشعبه جائع !!
والسبب الثالث : هو دجل ونفاق ابن سعود، بل كذبه وكفره واستغلاله للدين والاخوان كمطية لشهواته واطماعه .. ولا ادلك على اصداره الفتاوي ضد الشريف حسين بانه كافر لانه يستخدم اللاسلكي والتلفون ولانه نصب نفسه ملكا للمسلمين !! ثم يأتي هو ليفعل ذلك وليستخدمه ضدهم مبررا ذلك بجهلهم وتعصبهم !!
من هنا فقد الاخوان ثقتهم بالتدين السعودي المزيف وبرجال دينه الذين جمعهم فيلبي وصرف عليهم الذهب الانجليزي ، ولهذا كانت معارضتهم للتلفون وغيره ليست قوية وانما لانها ورقة ضد ابن سعود الذي حرمها وحللها!!
وكما يقول الاخوان ان التلفون حرام لان ابن سعود يخابر به الانجليز ، وهذا يوضح انهم ليسوا اعداء للتلفون وغيره، ولكنه مادام اصبح وسيلة لنشر الفساد والاتصال بالكفار فهو حرام!!
ويمكنك أيضاً ان تفهم ذلك وتتلمسه بوضوح في الجيل الاخواني الجديد الذين قادهم الشهيد جهيمان بن سيف العتيبي ، فقد بينت كراسات الشهيد مدى حقده وحقد المسلمين على الدول الغربية الكافرة، حيث يقول في احدها : "وهل ممكن اعلان الجهاد على دول الكفر ولنا عندهم سفراء ولهم عندنا سفراء وخبراء واساتذه، فلا ننخدع بزخارف المزخرفين ، كيف ندعو لرفع راية الجهاد وعلم النصرانية يرفرف بجانب علم التوحيد ؟ فدعونا يا قوم من المهزلة ولا نكون مغرورين ومخدوعين إلى هذا الحد، لابد ان يكون عندنا فرقان بين الحق والباطل، ولابد من التجرد والابتعاد عن مخالطة هؤلاء القوم ..).
كما تلمس نفس المبرر الذي اطلقه الاخوان القدامى على التلفون فحرموه، حيث حرم جهيمان التلفزيون والراديو لانهما اصبحا وسيلة فساد وميوعة، ولو كان غير ذلك لكان هناك راي آخر.
وكا استغل عبد العزيز تحريم الاخوان للتلفون ضدهم، استخدم فهد واخوته نفس الفتوى ضد احفاد الاخوان القدامى حين حرموا التلفزيون والراديو..
وهكذا تدهور الموقف بين الاخوان وعبد العزيز بسبب التناقض بين حاجات الاخير كرئيس دولة دون جيش الاخوان وبين الاسس التي على ارضيتها اعتبر الاخوان عبد العزيز اماما لهم..
الرجوع إلى نجد لتكفير ابن سعود
ورجع الاخوان وقادتهم غاضبين من الحجاز بعد ان احتلوه، إلى موطنهم الاول (الارطاوية) وعقدوا مؤتمرا بتاريخ 3 رجب 1345 حضره القادة وكبار الرؤساء تعاهدوا فيه : "على نصرة دين الله"، واتخذوا القرارات التالية:
اولا : ينكر الاخوان على عبد العزيز بن سعود ركونه للانكليز وادخالهم البلاد المقدسة ، كما ينكر الاخوان تنصيب عبد العزيز ملكا فالاسلام يحرم الملكية.[62]
ثانيا : ينكر الاخوان ارسال عبد العزيز ولده سعود إلى مصر لعقد اتفاق مع الانكليز.[63]
ثالثا : ينكر الاخوان ارسال عبد العزيز ولده فيصل مع فيلبي إلى بلد الشرك لندن لرهن بلادنا للانكليز.[64]
رابعا : ينكر الاخوان على عبد العزيز استعماله للعطور والسيارات وسكناه في القصور وزواجه بعدد من النساء والجواري في كل بلد يحل فيه، كما ننكر لبسه وابناءه افخر الملابس ، واكلهم افخر المأكولات ، وجعل اموال المسلمين كلها بايديهم دون غيرهم ، وزعم عبد العزيز وابناءه في كل مناسبة، انهم اخذوا البلاد بالسيف وحدهم ولم يروا لنا أي اعتبار بينما "نحن ذلك السيف " الذي يقولون عنه في كل زمان، ولولانا لم يصلوا إلى ما وصلوا إليه.[65]
خامسا: ينكر الاخوان على عبد العزيز اخذه للضرائب والمكوس .[66]
سادسا : يقرر الاخوان انّه لاعهد ولا طاعة لعبد العزيز لانه خان العهد، واخلف الوعد، وعمل للمشركين .[67]
وحين سمع عبد العزيز باجتماع الاخوان عاد سريعا إلى نجد قادما من الحجاز وعقد مؤتمرا بتاريخ 25 رجب 1345 هـ ـ 17 يناير 1927 ، حضره جميع زعماء الاخوان الا فاتح الحجاز (سلطان بن بجاد) الذي فقد ثقته بعبد العزيز تماما .. وفي هذا الاجتماع اظهر عبد العزيز نفسه كمدافع عن الدين وحام للشريعة !! وانه لم يتغير !! [68]
ثم جمع علماء السوء ووقعوا على فتوى مغرضة ترد على انكارات الاخوان وتبرر افعال ا بن سعود غير المشروعة .[69]
واشتعلت الثورة
بتاريخ 28 اكتوبر 1927 م هاجم "نايف بن مزيد" ابن عم الدويش مخفرا اسمه "بصية" كان حكام العراق الانجليز قد اقاموه في الاراضي التابعة لابن سعود، وهذه بداية التمرد العلنية على اوامر عبد العزيز الذي سارع إلى حكومة العراق والمندوب السامي البريطاني في بغداد ، يخبرهم بتمرد الدويش عليهم ويحذرهما من هجومه، ويخبرها بتأهب قواته لتأديبه !![70]
واستنجد عبد العزيز بالانجليز حيث تابعتهم الطائرات الانجليزية وقضت على بعض منهم ، ثم اغارت على القبائل الثائرة والداعمة للدويش فالقت الطائرات قنابلها على"اللصافة" فدمرت المسجد وعددا من البيوت.[71]
رد الفعل المضلل
ولما كان عبد العزيز متخوفا من مجابهة الاخوان، دون حدوث رد فعل سيء عليه فقد مهد لذلك بان عقد مؤتمرا [72]سماه (الزركلي) بالجميعة العمومية !! حضره (347) من علماء البلاط ورؤساء الحواضر والبوادي وانضم اليم آخرين ليصلوا إلى (800) شخص، وتخلف زعماء وقادة الاخوان الحقيقيين عن هذا المؤتمر.
وهناك خطب عبد العزيز بخطبة تشبه النصائح عززها بآيات من القرآن، وذكر ابن سعود الله كثيرا للتعمية والخداع ، وذكر الاخوان بفضله عليهم وانه هو الذي جمعهم وهداهم إلى الاسلام، كما انكر عليهم ان يكون لاحدهم وهداهم إلى الاسلام، كما انكر عليهم ان يكون لاحدهم ايفضل عليه في توسيع سلطانه واستقراره .. بعد هذا قدّم ابن سعود استقالته ـ ان صح التعبير ـ وطالب الحاضرين اختيار واحد من افراد اسرته الدموية، مبررا عمله هذا بأمرين:
الاول ـ كما يقول ـ : محبة راحتي في ديني ودنياي ، والثاني : اني اعوذ بالله من ان اتولى قوما وهم لي كارهون !![73]
وهنا وبعد ان اكد الجند طاعتهم له استثارهم ضد الدويش محملا اياه كل سلبياته واخطائه، استعدادا كما يقول الزركلي : "للايقاع برؤوس الفتنة وتأديب الغلاة من الاخوان !!).
وقام الدويش واتباعه من الاخوان بحملة اعلامية مضادة ضد ابن سعود، مكررين اتهاماتهم له، وموضحين ان كل ما قاموا به من قتل للنساء والاطفال. انما تم بامر من ابن سعود ومن وعاظ سلاطينه.. يقول الزركلي في كتابه (شبه الجزيرة في عهد الملك عبد العزيز ص 485) : "اما القائمين بالحركة فتجاهلوا المؤتمر والمؤتمرين ، وإذاعوا في الهجر انهم قائمون بامر الدين واقامة الشريعة التي يهدمها عبد العزيز، وان عبد العزيز طالب ملك، وموال للكفار ، وشريك لهم في جميع الاعمار )!!
وقام الاخوان بشن الحملات المتتابعة على بادية الكويت والعراق مخالفين لاوامر ابن سعود الذي لم يتوان في الطلب من علمائه بان يصدروا فتوى تكفر فيها الاخوان بعد ما كانوا هم المسلمين وحدهم فقط!!
ترتيب الاوراق قبل الهجوم
لم يبادر عبد العزيز إلى استخدام القوة في مواجهة هذه الثورة خصوصا بعد انتهاء مؤتمر الجمعية العمومية والذي استطاع فيه تكريس هيمنته على القبائل واحتوائها واخذ الدعم المسبق منها في مواجهة الاخوان.
وكان السبب في تأخر عبد العزيز في المواجهة هو تأمين الدعم الانجليزي ، حيث اتفق معهم ضمن معاهدة سميت "معاهدة بحر" على ان يتعهد الانجليز بتسليم الثائرين إذا ما التجأوا إلى العراق أو الكويت أو شرق الاردن !! كما تعهد الانجليز لابن سعود بطرد قبائل العجمان الثائرة من العراق أو الكويت [74]وهذا ما حصل بالفعل!
في هذه الاثناء هاجم ابن مشهور ـ احد قادة الاخوان ـ سرية من رجال بن جلوي ـ حاكم الاحساء ـ فهزمهم وفتك بهم .. هنا استعد ابن سعود للقتال بعد ان حاك كل خيوط التآمر حيث :
1 : اطمأن لدعم القبائل في مواجهة الاخوان، المكروهين من قبل الناس لانهم رأوهم سفاكين للدماء فكانت فرصة للانتقام !!
2 : اطمأن لدعم الانجليز عسكريا، وتسلميه الثائرين.
3 : حصل على تعهد العراق والكويت والاردن بطرد الثوار وعائلاتهم وتسليم من يصطادونه!!
معركة السبلة : وثيقة العار!!
وحشد عبد العزيز جيشا جرارا قوامه (40000) شخص وتقدم بهم نحو الاخوان البالغ تعدادهم (4000) شخص والتقى الجمعان عند مكان يسمى السبلة قرب (الزلفي) بتاريخ 19 شوال 1347 هـ 29 /3 / 1929 م .. فما هي الا جولات بسيطة حتّى افناهم ابن سعود بعد ان احاط بهم وقتل منهم (3059) شخص بينما فرّ قسم منهم وعلى رأسهم سلطان بن بجاد إلى قريته (الغطغط) القريبة من الريا ض، حيث غدر به ابن سعود بعد ان اعطاه الامان واستسلم في شقراء، وارسله إلى السجن بعد ان قيده إلى ان مات من شدة الجوع والعطش..
اما قريته (الغطغط) فقد نقل الزركلي في كتابه، نقلا عن فيلبي : "ان الامير!! عبد الله بن عبد الرحمن دمرها تدميرا تاما تشهد به خرائبها" [75]، وهذه عادة آل سعود المفضلة !!
واما الدويش فانه جرح في خاصرته وكاد يسقط عن جواده لولا ان ادركه احد رجاله وحمله إلى موطنه في هجرة "الارطاوية" ، فتبعه ابن سعود ببعض قواته وجيء بالدويش محمولا على نعش ونساؤه يبكين وانزل بين يديه [76] ، واخذ يشتمه ويعيب عليه ، ولكن الدويش كان في وضع لم يحسد عليه فلم يرد علىالامام (…).
في هذا الوضع لم يشأ ابن سعود استثارة جيشه بقتله لاسيما وهو في هذه الحالة، كما ان الاطباء اكدوا ان اصابة الدويش بالغة ولن ينجو منها فتركه دون اثارة ضجّة !!
الذباب = البشر
يروي يوسف ياسين وكيل وزارة الخارجية السعودية في عهد عبد العزيز ـ فيما بعد ـ في جريدة "ام القرى" الرسمية، ما حدث بعد معركة السبلة من قتل للاسرى باستهتار بالغ ودون اهتمام بارواح الناس ، فيقول :
"بعد معركة السبلة، جمع لعبد العزيز رؤوساً من رجال عتيبة ومطير الاسرى، وبعد ان كبلوهم بالقيود، وصفوهم امامه، بدأ بتقطيع رؤوسهم الرأس تلو الرأس .. وكان آخر واحد منهم ضرب رقبته عبد العزيز بسيفه " رقبان" فنفذ السيف في لمح البصر والرأس في مكانه، فظهر ابن السعود ان الضربة اخطأت ، فرفع السيف وقبل ان يهوي به ثانية انتفض القتيل ، وسقط الرأس، الا ان الضربة الرادفة هوت ـ بعد سقوط الرأس ـ على جسمه فقدته نصفين، وشطرت القلب شطرين، الا ان المدهش الغريب ان كلا شطري القلب كان مستمرا في ضرباته ثواني معدودات "!
ويعلق أحمد العطار في كتابه "صقر الجزيرة" ص 580 على هذه "البطولة" !! فيقول : (ومن الواجب ان نذكر ـ رقبان ـ سيف ابن سعود بالثناء الجميل فنروي هذه الحادثة،التي تدهش، وتعتبر في حكم النوادر الغاليات وهي كافية لتخليده!!"
وبعد معركة السبلة امر عبد العزيز الجزار بن جلوي حاكم الاحساء بتأديب العجمان الذين لم يشتركوا في معركة السبلة، وكانوا قرب الاحساء فارسل اليهم ابنه فهد بن جلوي على رأس قوة عسكرية مدعمة بالسلاح الانجليزي فلما اقترب منهم، كتب إلى زعيمهم ضيدان بن حثلين يريد التباحث معه بامر من ابن سعود، فلما قدم اعتقله وقتله، فعلم العجمان ذلك وهجموا على فهد وجماعته وقتلوه معهم ما عدا القليل الذي هرب بجلده !!
وكانت هذه الواقعة في 19 ذي القعدة 1347 هـ .
وعادت الروح الثانية
هرب الدويش من الارطاوية بعد ان تشافى وانضم إليه جمع لا بأس به من قبيلته مطير بتاريخ 12 / 1 / 1348 قاصدا "الوفرة" القريبة من الكويت حيث يعسكر العجمان هناك والذين قادهم "نايف بن حثلين" بعد مقتل ابن عمه "ضيدان" ، وهناك قاد الجموع ضد ابن سعود ثانية.[77]واخذ يشن الهجمات على اتباع ابن سعوج في اعماق نجد وحدثت في هذه الاثناء معارك كثيرة قتل في اثنائها ابنه القائد "عزيّز" ، وتحركت عتيبة ـ القبيلة القوية ـ ضد ابن سعود أيضاً ، وانضمت ضمن المعارضين لعبد العزيز، فما كان منه الا ان اغار عليها وسلب اموالها وقضى على شوكتها.[78]ولكن الدويش باعتراف الزركلي ـ الذي يعتبر من ضمن الحكومة السعودية ـ استطاع ان يشن حملات سريعة في قلب نجد وفي شرقها وغربها أيضاً ، وهذا يدلل على مقدرة الدويش العسكرية عدة وعددا وحسن قيادة !!
السيف .. السيف !!
وكعادة ابن سعود ، حينما يريد اتخاذ قرار فانه يعقد اجتماعا يظلل فيه جنده، ولكن في اجتماع الشعراء وبعد ان افتضح امره وموقعه الباطل استخدم الحزم في الحفاظ على ملكه العضوض..
كان هذا الاجتماع [79]مخصصا لتجييش الجيوش في مواجهة الدويش وهناك اتهم الاخوان بانهم خوارج ـ كما فعل ابناؤه من بعده اثناء ثورة الحرم ـ وانهم فارقوا الجماعة، وظاهروا المارقين وخفروا ذمة المسلمين، وافسدوا في الأرض ، واخلوا الامن ، وقتلوا البريء … الخ.
واتخذ المجتمعون الذين ترأسهم ابن سعود قرارات صارمة وهذه بعض منها![80]
1 ـ كل من اشترك في الفتنة "الثورة" وبقي حيا ، يؤخذ ماله وجميع مالديه من جيش "ابل" وخيل وسلاح، وتحكم الشريعة في رقبته "أي يقتل"!!
2 ـ كل من كان متهما بممالأة اهل الفساد "الاخوان" ولم يجاهد مع المسلمين تؤخذ منه شوكة الحرب (الذلول ، والفرس ، والبندق "البندقية") وذلك عملا بالقاعدة السعودية (كل شخص متهم حتّى تثبت براءته ) !!
3 ـ كل ما يؤخذ من الاشرار المفسدين ، يمنح للمجاهدين الصادقين، ليتقووا به" . وبالطبع فان عبد العزيز من النوع الثاني !!
4 ـ يرسل إلى الهجر التي فيها اناس من اهل الفساد (أي من الاخوان) ، امير ومعه قوة (قوة عسكرية )، لينظر في امر المفسدين بما تقضي به الشريعة والمصلحة العامة !!
5 ـ كل هجرة غلب الفساد على اهلها (أي التي تؤيد غاليبتها الاخوان) يطردون منها ويفرقون بين القبائل، ولا يسمح لفريق منهم بالاجتماع في مكان واحد!!
6 ـ ترسل السرايا لانفاذ ـ لتنفيذ ـ هذه المقررات في خلال عشرة ايام .. وطبعا يكون التنفيذ بالقوة !
7 ـ بعد انفاذ ـ تنفيذ ـ هذه المقررات، تنحدر جميع الرايات في الحال إلى اطراف الحدود، حيث يقيم الاشقياء من العجمان والدويش. وهنا بيت القصيد السعودي !
في هذا الاجتماع ككل الاجتماعات يحرص عبد العزيز على امر هام هو توحيد الجبهة الداخلية قبل البدء باية معركة، وقد يكون توحيد الجبهة بالتضليل الاعلامي وفتاوي علماء الانكليز ،وقد يكون بالقوة إذا لم ينفع الطيب ، كما يقول ابن سعود!!
وسار عبد العزيز بجيشه متجها لقتال الاخوان وارسل للدويش ان يستسلم فرفض وكتب إليه ان لا يهاجمه وان لا يضطره إلى الدخول في بلاد الكفار .. يقول الدويش في احدى رسائله لعبد العزيز بتاريخ (4 رجب 1348 هـ ) : (ويكون عندك معلوم، ويتقرر في عقلك ولا تشكك ـ أي لا يداخلك الشك ـ اني لو لا بغضي للكفار ولا ودي (كرهي) ادخل حدر (تحت) ولايتهم، كان ما كزّيت لك جميع مركوب ـ أي لا احب ذلك ـ وادر اني ـ اعلم ـ في ذلك صادق، وانت تخبرني (تعرفني) ماني راعي مكر .. اليوم ادخل على الله لاتحدنا على الكفر ـ ، وحسبنا الله ونعم الوكيل، والله خير كافي ، ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم.
كما ارسل كتابا آخر بتاريخ (6 رجب 1348 هـ ) يناشد ابن سعود بتقوى الله وان لا يرد الناس إلى الكفر تحت وصاية الاجانب الانكليز يقول ضمن كتابه : (لو ان لنا رغبة في حجى غير حجى الإسلام فكل باب ـ والله ـ مفتوح امامنا، ولكن يا عبد العزيز اتق الله في المسلمين ولا تردهم إلى الكفر بعد ما ذاقوا طعم الإسلام)..[81]
فماذا كان رد عبد العزيز؟ .. الرد هو عدم الاجابة، وحجز الوفد الذي سلمه الرسالة، في ضيافته !! كما يقول الزركلي !! ولكن كيف يكون حجزا وضيافة فهذا مالم يفسره بائع الضمير والدين!
بقي هنا ان نذكر ان الاخوان لجأوا قبل الشهر من هذه الرسالة إلى الكويت والعراق والاردن وجزء قليل إلى سوريا ، ولكن ما ان سمع ابن سعود الخبر ارسل رسالة للحكومة البريطانية بتاريخ 26 / 9 / 1929 م جاء فيها : (وفي 25 ربيع الاول نزل الدويش ومن معه من مطير ، من القرين إلى الصبيحة في حدود الكويت ، فمن هذا يتبين للحكومة البريطانية، في منع التجاء العصاة إلى اراضي الكويت لم تف به حكومة الكويت، وهؤلاء هم العصاة قد حملوا اموالهم ونساءهم وما يخافون عليه ووضعوه في مأمن من اراضي الكويت، وخرج اهل السلاح والكفاح منهم لاراضي نجد، لقتالنا ، وكانت الحكومة البريطانية وعدت انّه في حين التجائهم، ستطردهم بالقوة، وهاهم جلسوا آمنين ونحن على اهبة المسير اليهم، ولا يهمنا امر الكويت ولا من فيه، وانما المهم في نظرنا هو موقف الحكومة البريطانية، إذا بقي هؤلاء في اراضي الكويت واردنا الهجوم عليهم) ثم طلب عبد العزيز الموافقة من بريطانيا مكملا (فهل لدى الحكومة البريطانية مانع من هذا ؟ وإذا كان عندها مانع فيه، فما التدبير الذي تراه للايقاع بهؤلاء الذين لا يقدرون بريطانيا، والذين كانت اعمالهم تضر بمصالح بريطانيا صاحبة الفضل الاول علينا وعلى العرب)!!
واستلم ابن السعود التأكيدات من الصديقة بريطانيا (…) التي قامت بشن حملات واسعة بالطائرات على القبائل الثائرة .. ولا يتصور احد ان الهجوم كان على الرجال الثوار وانما كان على القاصرين من عوائلهم التي اتوا بها إلى الكويت للحماية، وهكذا طاردهم الانجليز من الكويت كما طاردهم كلوب (الانجليزي) من العراق بالطائرات ايضا، واجبرهم على الدخول في اعماق نجد ليفترسهم الطاغي ابن سعود..
وطورد الاخوان وعوائلهم حتّى حدود العراق حيث لم تسمح لهم الحكومة العراقية وبأمر من الانجليز من الدخول فيها والالتجاء اليها، واعطوا مهلة يومين بعد ان طوردوا من الحدود .[82]
وهرب الدويش إلى الجهراء بالكويت فابرق عبد العزيز في اليوم نفسه (5 شعبان) إلى المندوب السامي في العراق يطلب منه طردهم وحصرهم في اماكن محددة، حتّى يتسنى له مهاجمتهم فقام الانكليز بمحاصرة الدويش بالسيارات المصفحة والمدافع الرشاشة على الحدود، بينما تولت الطائرات قصفهم بتوجيه من ديكسون (المندوب البريطاني في الكويت) ، الذي اعترف في كتابه (الكويت وجاراتها) بانه كان مع الاخوان وانه اسلم، ولبس العمامة مثلهم، كما يعترف بانه كان يقوم بمراسلة قيادة القوات الجوية البريطانية بجهاز لاسلكي خاص ليحدد لهم مسيرة الثوار .. ويقول ان : (الطائرات الانكليزية كانت تضرب الثوار وانا معهم). وحين اكتشفه الاخوان طلب منهم الامان فاعطوه ذلك ثم اقفل راجعا الىالكويت واستلم الثائرين، [83] كما سيتوضح.
يقول الدويش في رسالة بعث بها لفيصل حاكم العراق آنذاك موضحا دعم الانجليز لابن السعود: (وهم يسوقوننا في طيارات وتنابيل[84] ، ويقولون ارجعوا لابن سعود والا اشملوا مع الحجرة)..
واستسلم الدويش بالجهرة في 9 يناير 1930 م بعد ان انهكته القوات البريطانية ، وبعض عربان العراق الذين استطاعوا دخول خيمة الدويش نفسه واحراقها وقتل الكثير من جند الدويش.
وبرغم ان الدويش استسلم الا انّه لم يكن لعبد العزيز أي دور عسكري في اخضاعه كما تبين ، وانما كان الاعتماد على بريطانيا وطائراتها وخبرتها في التجسس والخداع .. حتّى ان الدويش لم يصطدم بابن سعود في موقعة واحدة تذكر، برغم ان عبد العزيز توجه إليه بجيش كبير ، لكنه لم يجرؤ على مواجهته !
طائرات تحت الخدمة
ويحكي الدكتور غسان سلامه، ان : (الملك عبد العزيز اشترى في عام (1929 م) ، اربع طائرات حربية بريطانية ، يقودها بريطانيون ، بهدف قمع تمرد الاخوان) [85] ، ولا نتصور ان هذا يمت إلى الحقيقة بصلة، بل ربما ان عبد العزيز اشاع في جنده ذلك للتضليل لا اكثر.
ونعتمد في قولنا هذا على حقائق منها:
1 : ان عبد العزيز في عام 1929 م حيث لم يبدأ بعد انتاج النفط، لم يكن يمتلك قرشا واحدا غير الدعم الانجليزي المادي اللامحدود، فيكف يتمكن من شراء اربع طائرات حربية !!
2 : يذكر الزركلي ـ وهو مصدر حكومي ـ ان ، كلفة حرب ابن سعود مع الاخوان هي (اربعين الفا من الجنيهات) ، ولا نتصور ان هذه الاموال لو صرفت على الطائرات وحدها تكفي ، فكيف إذا ما اضيفت لذلك نفقات الجند والتسليح والتموين ؟!
3 : ولان عبد العزيز لم يكن في جنده من يقود هذه الطائرات ولمعرفته ان لا احد يصدق ذلك لو قال غير هذا ، فقد اعترف بقيادة البريطانيين ولربما اضاف مبررا اخر وهو ان هؤلاء البريطانيين مسلمون !
4 : ان ما ذكرناه في هذا الفصل كاف للتدليل على ان ابن سعود لم يشتر اية طائرة، فضلا عن ان المصادر الحكومية ومنها الزركلي تتجاهل ذلك حين تتحدث عن ثورة الاخوان. وحين تتحدث عن الطائرات تضيف وراءها كلمة (بريطانية)!!
البشرى السارة
جاءت رسالة من المندوب الانجليزي تبشره باستسلام الاخوان وتخبره بان (فرحان بن مشهور)[86]مسجون في العراق وسيتم تسليمه اليكم، وان فيصل الدويش ورفيقه : نايف بن حثلين ورفيقه الثاني : جاسر بن لامي [87]معتقلون في باخرة بريطانية ، ويأخذ الانجليز رآي ابن سعود عما يفعل بهم ؟ فبعث ابن السعود في اليوم التالي (11 شعبان 1348 هـ ـ 13 / 1 / 1930 م) يطلب إليه تسليم المجرمين ، انفاذاً لعهد الحكومة البريطانية معنا المتضمن حمايتنا وانها لا تأوي احداً منهم في أراضي العراق والكويت وشرق الاردن"..[88]
فاجابه ديكسون نيابة عن مندوب العراق بانه سيقدم إليه مندوبا عن الحكومة البريطانية لحل المشكلة .. وجاء الوفد البريطاني واجتمع مع ابن سعود [89] حيث اتفق الجانبان على امور ثلاثة: ان تسلم بريطانيا اللاجئين من قادة الاخوان، وان تطارد الدبابات والطيارات البريطانية[90]جماعات العجمان ومطير اللاجئة إلى حدود العراق حتّى تضطرهم إلى دخول نجد وان يتعهد عبد العزيز بتسلميم ما استولى عليه الدويش، وجماعاته من اهل الكويت والعراق.[91]
الف الف مبروك شكر لبريطانيا
وقف ابن سعود راجعا إلى مكان يسمى (خباري وضحه) جنوب الكويت، حيث تم نقل القادة إليه في (28 / 8 / 1348 هـ 30 / 1 / 1930 م) مصحوبين بقائد البارجة الحربية (لوبن) و(ديكسون) الذي سلمهم لعبد العزيز باسم الحكومة البريطانية ، وكما يقول الزركلي ـ احد مسؤولي وزارة الخارجية في عهد ابن سعود ـ ، شكر الملك المندوبين وقال : هذا برهان عملي على صداقة الدولة الانكليزية تشكر عليه [92] ، وربما حوّر الزركلي كلام عبد العزيز وردّه ووضعه في قالب مؤدب ، فقد نقل مؤلف كتاب تاريخ آل سعود رد عبد العزيز الذي اجاب الوفد الانكليزي بالقول : "الف شكر لكم والف الف شكر لبريطانيا العظيمة الحبيبة الصادقة في صداقتها ومودتها، انها كل يوم تقيم لي برهانا جديدا على مودتها الوطيدة وحبّها)!![93]
وامر بارسال الدويش وابن لامي وابن حثلين ، إلى احد الخيام المجاورة بعد ان عنّفهم [94] ثم اودعم سجن المصمك بالرياض،وفي 3 / 10 / 1931 م، اعلن عن وفاة الدويش في سجنه بعد ان ترك شهرا يعاني من تورم في حنجرته دون علاج، اما رفاقه فقد نقلوا عام 1934 م إلى سجن (العبيد) بالاحساء ، ومنذ ان اصبحوا بحوزة ابن جلوي انقطعت اخبارهم إلى اليوم حيث لقي كل واحد منهم حتفه في ذلك السجن الرهيب .[95]
وهكذا اسدل الستار عن الفصل الاخير لانتفاضة الاخوان الاولى لتندلع مرتين : الاولى في عهد فيصل والثانية بقيادة الشهيد جهيمان في اواخر عام 1979 م ـ مطلع عام 1400 هـ ـ ..
وكما قضي على الانتافضة الاولى بالدعم الانجليزي اللامحدود، قضي على الاخيرة بالدعم الامريكي والفرنسي والرجعي عموما..
كلمة اخيرة:
لم يكن باستطاعة عبد العزيز القضاء على ثورة الاخوان الذين خدعهم بتدينه المزيف، ولكن الاهراب والقنابل التي كان تلقيها الطائرات الانجليزية على الثائرين وقبائلهم حققت اغراضها في القضاء على اكبر ثورة كادت تطيح بالنظام الجاهلي آنذاك.
الفصل الثاني
ابن سعود والثورات الفلسطينية
لم تكن مشكلة فلسطين بتلك الاهمية بحيث تشغل جزءا من اهتمامات الملك عبد العزيز، الذي كان في بداية تسلطه مشغولا في توسعة رقعة سلطانه، والمحافظة على استمرار الدعم البريطاني اليه، وتجنب كل ما يثير غضب الانجليز عليه ..
سر الاهتمام
وبرغم ان ابن سعود لايهمه من امر القضية الفلسطينية شيء، الا انّه اقحم على الاهتمام بها في وقت لم تكن له الرغبة في ذلك.
ويحدثنا الملك عن سر اهتمامه بالقضية الفلسطينية فيقول في رسالة له إلى الحكومة البرطانية بتاريخ (1 / 1 / 1937 م) : (وقبل بسط توصياتنا، نريد ان نحيط الحكومة البريطانية علما بانه مادفعنا إلى التدخل في قضية فلسطين، الا صداقتنا لها ، وحرصنا على ايجاد جو من السلام والتعاون بين العرب جميعا وبين الحكومة البريطانية ) [96].
وفي رسالة أخرى للحكومة البريطانية في سبتمبر 1937 م يبين فيها اسباب اهتمام بقضية فلسطين فيقول :
(ولا يخفى ان هناك اسبابا جوهرية جدا، تحملنا على الاهتمام بقضية فلسطين ، تلك الاسباب هي :
اولا : ان وعود بريطانيا للعرب بالاستقلال، اعطيت في الأساس باسم الحجاز الذي هو الان قسم من مملكتنا ..
ثانيا : ان عموم حل قضية فلسطين على وجه مقبول، قد يؤدي إلى ايجاد هوة سحيقة وبرزخ لا يمكن اجتيازه بين العرب وبريطانيا.
ثالثا: ان قضية فلسطين قضية عربية إسلامية .
رابعا : المسؤولية الادبية العظمى التي اخذناها على عاتقنا، بموافقة صديقتنا بريطانيا، حينما اصدرنا بالاشتراك مع ملوك العرب وامرائهم، البيانين اللذين كان لهما الاثر الفعال في وقف الاضطرابات[97] وتعاون العرب مع اللجنة الملكية ..[98]
ويمكن استنتاج اسباب اهتمام ابن سعود بالقضية الفلسطينية من خلال ما ذكر، كالتالي :
1 / ان الدافع الاول لعبد العزيز من اقحام نفسه بالمشكلة الفلسطينية هو دفع الحكومة البريطانية، وهذا ما عبّر عنه بقوله : (ما دفعنا إلى التدخل في قضية فلسطين الاصداقتنا لها..) وقوله (المسئولية الادبية العظيمة التي اخذناها على عاتقنا، بموافقة (لاحظ كلمة موافقة ) صديقتنا بريطانيا) ، ولولا الموافقة البريطانية ما كان عبد العزيز يتحرك ليلعب دوره بشأن القضية ذلك ان سياسة ابن سعود الخارجية قد اصبحت بيد البريطانيين بسبب المعاهدات والاتفاقيات.
2 / ان تحريك بريطانيا لابن سعود ليس بقصد حل المشكلة الفلسطينية حلا عادلا، وانما لتنفيذ خطط الاستعمار البريطاني.. ولو ان عبد العزيز تحرك لحل القضية بنزاهة لوقف ـ طبيعيا ـ بوجه بريطانيا المستعمرة . وهذا ما يمكنك ان تتلمسه بصراحة في قول ابن سعود : (وحرصنا على ايجاد جو من السلام والتعاون بين العرب جميعا وبين الحكومة البريطانية) أي فرض السيطرة البريطانية على جميع العرب تحت اسم التعاون والصداقة.
ويتبين ذلك أيضاً في خوفه من ابتعاد العرب عن بريطانيا جراء سياستها الاستعمارية، ولهذا فهو يهتم بالقضية لازالة سوء التفاهم بين الجانبين، باسكات الثائرين وكما يقول : "ان عدم حل قضية فلسطين بوجه مقبول قد يؤدي إلى ايجاد هوة سحيقة وبرزخ لا يمكن اجتيازه بين العرب وبريطانيا) .. وهكذا تكون مهمة عبد العزيز، تطمين العرب تجاه بريطانيا وبالتالي الاعتماد عليها في حل القضية .. ففي حين تقوم فيه بريطانيا بتقطيع اوصال فلسطين وتسلمها لليهود يقوم هو بوضع المورفين لتسكين الضحية !!، وهذا ما اعلن عنه في النقطة الرابعة التي اوضح فيها دوره ودور ملوك بريطانيا في ما اسماه (وقف الاضطرابات) التي تعتبر مهمة ابن سعود الرئيسية الموكولة إليه من قبل بريطانيا الصديقة !!
3 /هناك اهتمام آخر لعبد العزيز بالقضية الفلسطينية ينبع من تفكيره ونظرته التوسعية، فهو يريد السيطرة على فلسطين باعتباره خليفة الشريف حسين الذي وعده الانجليز باستقلال الدول العربية ووضعها في مملكة واحدة تحت تصرفه .. أو لا اقل يكون الوكيل للفلسطينيين والمشرف على دولتهم .. وهو ما عناه ابن سعود بقوله : "ان وعود بريطانيا للعرب بالاستقلال ،اعطيت في الأساس باسم الحجاز الذي هو جزء من مملكتنا).. ولم يوضح ما يعنيه بهذا القول صراحة ولكن الغرض فيه مكشوف كما ترى !!
4 / اما ان عبد العزيز يهتم بفلسطين باعتباره مسلم وعربي ، فهناك شواهد كثيرة تزيل الصبغة الإسلامية والعربية عن وجه عبد العزيز .. وفي الفصل الاول من هذا الكتاب ما يكفي لتوضيح ذلك ونعتقد ان طرح مثل هذا السبب من ابن سعود، انما هو للتضليل ورفع العتب، فباعتباره (حامي الحرمين) لابد وان يجير الإسلام لتبرير اعماله ومواقفه !!
نعم لإحتلال فلسطين
يعتبر الملك عبد العزيز اول حاكم عربي يقبل باقامة دولة لليهود كما انّه اول حاكم يدعم الكيان الصهيوني ويكون له شرف في تأسيسه !!، كما انّه أيضاً اول حاكم وقف بوجه الثورات الفلسطينية واجهضها..
وليس هذا الحديث من قبيل المبالغة وانما هو ناتج عن بحث وتمحيص ومستند إلى حقائق ثابتة ووثائق دامغة ..
يوم دخل الانجليز فلسطين
في 10 كانون الاول 1917 م اقتحم الجنرال (اللنبي ) على رأس جيش بريطاني ، مدينة القدس وكان اول تصريح له يوم دخوله (اليوم انتهت الحروب الصليبية) ، حيث اضطرت تركيا إلى الاستسلام الذي كان يعني التخلي عن كل البلدان العربية للاستعمار البريطاني .. [99]
وبعد عدة اشهر واصلت القوات البريطانية تقدمها للشمال فأحتلت اجزاءا كبيرة من اراضي العراق (كركوك والموصل) ، وغيرها، وبهذا سيطرت بريطانيا سيطرة تامة على فلسطين والعراق، ووضعت تحت سيطرة حراب المحتلين مباشرة.
فماذا كان رد عبد العزيز ؟!
لقد سبق وان اوضحت، ان عبد العزيز كان مشغولا بتوسيع رقعة حكمه، وضمان سيولة الدعم الانجليزي، ولم يكن يرغب في اثارة خلاف مع الصديقة الصدوقة بريطانيا.. ولهذا لم نر أي اعتراض من ابن سعود على وعد بلفور (12 تشرين اول 1917 م) الذي تعهد فيه وزير الخارجية البريطاني بانشاء وطن قومي لليهود في فلسطين .
ومهما تكن المبررات ، فان موقف ابن سعود اللامبالي من هذا الوعد (سواء بحجة ضمان الدعم، اوبحجة انشغاله) ، لا يدل انّه يحمل في جنباته ذرة من العروبة أو التدين .. فالساكت عن الحق شيطان أخرس !!، هذا إذا ما حملنا صمته على محمل التبرير، اما تفسيرنا لهذا الموقف فانه لا يتعدى موافقة الاجير لاسياده.
وإذا كان عبد العزيز مسلما ويريد نشر العقيدة الاسلامية، فلماذا لم يعط كلمة واحدة ضد هذا الوعد المشؤوم..
اما موقف ابن سعود من احتلال بريطانيا للدول العربية، بعد استسلام تركيا،فهو اكثر لؤما وخيانة ، فإذا ما تجاهلنا موقفه من الحكومة التركية، ومن حلفائها، واشغالها بمهاجمتهم لمساعدة الانجليز، إذا ما تجاهلنا ذلك فلا يمكن ان نتجاهل ونغض الطرف عن تأييده للاستعمار وتهنئته باحتلاله لبلادنا العربية المسلمة..
ففي عام 1919 م دعي الملك عبد العزيز لزيارة بريطانيا ، ولما كان موقفه غير ملائم، لاعتبارالشعب زيارته هذه زيارة لبلد مشرك، فانه فضّل ارسال ابنه فيصل برفقة جون فيلبي ليقدم لحكومة جلالة الملك البريطاني تهانيه باستعمار بريطانيا للدول العربية ، مؤكدا مقولة الانجليز المستعمرين حين دخلوا بلادنا (انما جئنا كممحررين !!) ..[100]
وهذه ليست المرة الاولى التي يدعم فيها ابن سعود قوات الاحتلال، فقد سبق له ان ايّد احتلال بريطانيا للعراق عام 1916 م وابرق للمندوب السامي يهنئه بالنصر !!
اننا لا نتصور ان يقوم رجل (ملك أو غير ذلك) يحمل في قلبه ذرة من الاحساس الوطني، بما قام به ابن سعود .. فبماذا يفسر تهنئة حاكم لمستعمر غاشم على احتلاله لارض فلسطين العربي المسلمة؟ وفي الوقت الذي هب الاهالي لمقاومة هذا المستعمر الغادر؟!
وزيادة على موافقة ابن سعود على استعمار فلسطين وصمته الذي عنى موافقته الضمنية على وعد بلفور هناك وثيقة بخط يده يوافق فقها على اعطاء فلسطين لليهود .. والحقيقة انني لم احبذ نقل نص هذه الوثيقة هنا أو الاعتماد عليها باعتبارها منقولة من مصدر محسوب على المعارضة الوطنية مما قد يشك في حيادها الا انّه وفي احدى مطالعاتي لبعض الكتب الحكومية وجدت وثيقة أخرى بخط الملك عبد العزيز ، فقارنت بين خط ابن سعود في الاولى والثانية، فوجدته متشابها بصورة كاملة ..
ولهذا تأكدت من ان الوثيقة الاولى والتي يقبل فيها ابن سعود اقامة دولة صهيونية صحيحة، وانا لا اجبر القارئ على اتخاذ نفس الموقف، وعليه ان يقارن بين الوثيقتين في آخر الكتاب ليتأكد من ذلك.
نعم لقيام دولة اسرائيل
الوثيقة الاولى، ذكرت في كتاب (تاريخ آل سعود)، نقله من كتاب ارسله (جون فيلبي) بعد نفيه إلى بيوت عام 1952 م ، إلى سعود واخيه فيصل، مع صاحبه حسين العويني، وشرح في كتابه هذا عن هذه الوثيقة بقوله : ان عبد العزيز وقعها في مؤتمر العقير، بناء على طلبي لنثبت للمخابرات الانكليزية حسن نوايا عبد العزيز تجاه اليهود .. [101]
ولم يمتنع ابن سعود حين طلب إليه برسي كوكس ان يوقع على جعل فلسطين وطنا قوميا لليهود [102]، بل اجابه قائلا : "إذا كان لاعترافي هذه الاهمية عندكم، فانا اعترف الف مرة باعطاء اليهود وطنا في فلسطين أو غير فلسطين وهذا حق وواقع !!) وهنا دسّ عبد العزيز يده واخرج ورقة صغيرة كانت في جيبه المتدلي من اعلى صدره إلى اسفل بطنه، وكتب السلطان بخط يده، يقول:
(انا السلطان عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل السعود، أقر واعترف الف مرة للسير برسي كوكس مندوب بريطانيا العظمى، لا مانع عندي من اعطاء فلسطين للمساكين اليهود أو غيرهم، كما ترى بريطانيا التي لا اخرج عن رأيها حتّى تصيح [103]الساعة)[104]!!
وقال فيلبي : بعد انفضاض هذا الاجتماع اخذت امازح عبد العزيز متسائلا وقلت : كيف تبصم يا عظمة السلطان بهذا الشكل ؟ الا تتوقع ان يغضب العرب على عظمتكم فيما لو عثروا على هذه الوريقة ؟ فقال باستهزاء : العرب ؟! العرب ، وين العرب ؟ نحن سلاطين العرب يا حاج فيلبي .. لورانس اسمه ملك العرب .. وفيلبي اسمه شيخ العرب، ولو انتظرنا رأي العرب ما اصبحنا سلاطين كما ترى .. ومادامت بريطانيا راضية فلا يهم ان غضب العرب أو رضوا.. ومادامت هذه الورقة عند كوكس فهي في مأمن. قلت للسلطان: ربما يسبب هذا التوقيع تشريد شعب فلسطين بكامله من فلسطين .. فرد عبد العزيز علي بقوله وهو يضحك بصوت مرتفع : (تريد ان اغضب بريطانيا لان عددا من اهل فلسطين سيشرد؟.. اهل فلسطين لا يستطيعون حمايتي إذا لم تحميني بريطانيا من الاعداء ولتحرق فلسطين بعد هذا .. من يعرف ان في نجد شيئا اسمه السلطان ابن سعود لو رفضت التوقيع أو عارضت اوامرسيدنا كوكس انت تمزح والاصادق يا فيلبي؟) قلت وانا ابتسم : لا يا عظمة السلطان انني امزح لأرى ما تقول [105] ..
وهكذا يكون عبد العزيز قد قام بعدة خطوات بناءة ساهمت في تأسيس الكيان الصهيوني :
1 ـ وقف في وجه تركيا اثناء الحرب العالمية الاولى وتنكر لها..
2 ـ تعهد بعدم ممانعته إذا ما سلمت فلسطين للصهاينة.
3 ـ وافق على احتلال الانجليز لفلسطين صراحة وبهذا مهّد لتسليمها بيد الصهاينة ..
عبد العزيز يجهض الثورات الفلسطينية
ليس من عادة النظام السعودي تأييد الثورات، فهذا النظام بطبيعته وتركيبته الهشة يقلقه التحرك الثوري ايا كان نوعه.. وطالما صرّح الملك السابق فيصل في كثير من خطبه معلنا انّه ضد الثورية، لانها تخالف الاسلام، ولان الإسلام يقول "وجادلهم بالتي هي أحسن"!! متناسيا ان الإسلام ثورة على الجبت والطاغوت، وثورة على المستكبرين اينما وجدوا ، ومتناسيا ايضا، ان الرسول محمد (ص) قاد اعظم ثورة إسلامية في التاريخ، واسقطت ثورته اكبر امبرطوريتين (الروم والفرس) كانت تحكمان الناس بالقهر والتعدي، ومازالت تلك الثورة حية في النفوس المؤمنة تتجدد وتتفاعل لتحدث ثورات أخرى تستلهم منها تجاربها وخططها..
وعلى اية حال، فان النظام السعودي يقف بوجه اية ثورة كانت (إسلامية أو وطنية) ولكن بشرط ان تكون هذه الثورات ضد الغرب، فليس هناك تصنيف وفق المبادئ التي يدّعي النظام التزامه بها.. فإذا رأى النظام السعودي ان ثورة قامت ضد الوجود الامريكي وتهدد مصالح أمريكا والغرب فانه يقف بوجهها مهما كانت رؤى وعقيدة وشعارات الثوار وطنية أو إسلامية. فهو لا يهمه ان يكون الثائرون على الصواب ، بقدر ما يهمه ان هذه الثورة موجهة ضد من ؟
ولهذا رأينا النظام السعودي ـ برغم شعاراته الإسلامية التي يرفعها ـ كيف وقف بوجه الثورة الإسلامية في ايران معلنا على لسان الامير فهد : بان هذه الثورة ثورة ماركسية، وان القائمين بها هم من الشيوعيين ! أو كما قال أيضاً : نحن مع الشرعية في ايران، والشاه يمثل هذه الشرعية! في وقت كانت فيه الملايين تتظاهر وتصرخ (الله اكبر) وتقدم فيه مئات الشهداء يوميا !!
ولو ان النظام السعودي ينطلق من مبدأ وعقيدة لدافع عن الثورة وعن الثائرين، ولكن مادامت هذه الثورة توجه سهامها للغرب فانه ضدها ويوم تتخلى عن ذلك فان النظام سيؤيدها بكل صراحة !!
ولو ان آل سعود يملكون ذرة من الإسلامية لأيدوا ثورة الشعب المسلم في تونس، ومصر، والسودان ، و… ، ولكن مادامت هذه الثورات معادية للغرب فانه لن يدعمها بل سيقف ضدها كما هو حاصل اليوم، والمتتبع للصحافة السعودية يرى ذلك بوضوح.
اننا نرى النظام السعودي، يصمّ اذنيه عن صرخات الثائرين المسلمين في جنوب الفلبين (مورو) وفي جنوب تايلاند (فطاني) لالشيء سوى انهم يحاربون انظمة امريكية عميلة تشابهه!!
كما رأيناه اخرسا لا يستطيع ان يتلفظ بحرف، مؤيد للثوار المسلمين ، يوم كانت افغانستان قريبة من الغرب، ويوم دخل المحتلون الروس اليها، رفع عقيرته وطبّل وزمّر، وراح يدعم من يسميهم بالمجاهدين وهذا كلام وفعل حق يراد به باطل! فهو يدعم المجاهدين طالما هم يقاتلون السوفيت، لكي يحتوي الثورة الإسلامية النشطة ويجعلها مهادنة مع أمريكا فيحرف اتجاهها لتكون النتيحة طرد الاستعمار الروسي ليحل محله الاستعمار الامريكي ..
ولهذا رأينا كيف ان مجلة "المجلة" السعودية العميلة تقوم بترفيع بعض الشخصيات التي جاءت بها المخابرات الامريكية من اقصى الدنيا باجراء المقابلات معهم باعتبارهم رؤساء المعارضة الوطنية الإسلامية !! اما القادة الحقيقيين ـ وهم الاقوى والاكثر ـ الذين يحاربون المعسكر الامبريالي الشرقي والغربي فمصيرهم الاهمال وعدم الدعم !!
اما اللفظ التي يطلقه الاعلام السعودي على الثوريين ـ ايا كانوا ـ فهو المخربين والمتمردين أو المتطرفين .. الخ، اما ثورتهم التي تعادي الغرب ـ ايا كانت صبغتها ـ فهي ثورة شيوعية وضد الدين وو.. الخ.
بعد هذه المقدمة البسيطة عن موقف النظام السعودي ـ عموما ـ من الثورات ، نعود إلى موضوعنا الرئيسي حول موقف عبد العزيز من الثورات الفلسطينية التي اندلعت بوجه الاستعمار البريطاني البغيض ..
فترة الصمت 1917 م ـ 1936 م
في هذه الفترة كان النشاط السياسي ضئيلا ولذلك لم يكن لعبد العزيز دور أساسي في قضايا فلسطين فيما عدا اعترافه بالوضع الجديد الذي فرض المستعمر على أهالي فلسطين، وبعض القضايا التي اشرنا اليها في هذا الكتاب ..
في هذا المقطع الزمني كان شعار المرحلة (الصمت حكم وقليل فاعله)!! ، فلم تكن بريطانيا بحاجة إلى دعم وتأييد ابن سعود، ولا الاوضاع في فلسطين ملتهبة كثيرا بحيث تحتاج إليه ..، ولا ابن سعود كان يعير اهتماما بالقضية سيما وهو مشتغل بحروب مع القبائل، ومن أجل الفتوحات، ولهذا كان السكوت عن الاستعمار افضل، وهكذا سكت دهرا لينطق كفرا.. سكت عن القضية ثمانية عشر عاما (1917 م ـ 1936 م) ، إلى ان سمحت له بريطانيا بالتدخل فيها لحل المشاكل التي واجهتها..
في زيارة لامين الريحاني (العميل الامريكي المعروف ) للجزيرة العربية عام 1923 م التقى بابن سعود فوجده كما يقول الريحاني (شديد الاهتمام بقضية فلسطين، وان المؤامرة المبيتة ضد البلاد المقدسة تقض مضجعه، وتثير قلقه ، وكثيرا ما ضرب كفا على كف حزنا لانه لا يستطيع مد يد المساعدة إلى فلسطين والقيام بواجب الجهاد في سبيلها )[106].
ولاندري ما هو سر اهتمام ابن سعود بفلسطين وهي التي لم تكن تساوي عنده بضعة الاف من الجنيهات الذهبية الانجليزية ؟! حتّى يهنئ قادة الاستعمار باحتلالهم لها..
وما الخداع والتزوير والتظاهر بالحزن الا سمة من سمات السياسة النفاقية التي كان ينتهجها، ولو كان صادقا في حزنه لوقف بوجه الانجليز، ولشجع الثوار الفلسطينيين على الثورة ودعمهم بالسلاح والمتطوعين، اولا اقل دعمهم بتصريح أو اعلان ضد التواجد البريطاني ان كان لا يستطيع دعمهم ماديا!! اما التعلل بعدم القدرة فذاك غير صحيح سيما وان عبد العزيز كانت لديه جيوش قدرت بخمسين الف شخص من الاخوان، كلهم مستعدون للموت وخوض غمار الحرب !!
وفي فترة الصمت هذه، اتصل بعد العزيز بعض زعماء العرب في فلسطين وطلبوا منه الدعم المادي وبعد ان تحملوا مشاق السفر اليه، اعتذر اليهم نظرا لظروفه الشخصية والاوضاع التي تسود قومه وقطره [107] ..
واشتعلت الثورة
بين عام 1929 م و 1935 م حدثت انتفاضات وثورات وصدامات بين المسلمين واليهود في فلسطين مارست فيها بريطانيا اشد القسوة تجاه العرب الذين زاد سخطهم بتزايد الهجرة الصهيونية لبلادهم واندلعت ثورة 1933 م التي ضحى الشعب بمئات من الشهداء في سبيل انجاحها [108]الا ان الهمجية الانجليزية حالت دون ذلك، واستتبع هذه الثورة ثورة المجاهد الشهيد الشيخ عز الدين القسام الذي ضحى بنفسه وبخيرة اصحابه من أجل قضية فلسطين فاعلن الجهاد المقدس ضد سلطات الاحتلال وبدأ بثورته المسلحة عام (1935 م) فترك حيفا مع (25) رجلا من انصاره قاصدين ضواحي (جنين) لدعوة الفلاحين هناك إلى حمل السلاح في وجه الانجليز والصهاينة ، ولكنهم قبل ان يتمكنوا من تعميم دعوتهم، ومفاجأة السلطات باحتلال حيفا وقع صدام عرضي بينهم وبين البوليس، نبه السلطات إلى وجود الجماعة المسلحة، فسارعت قوات الجيش والبوليس إلى ضرب نطاق حول المنطقة وعزلها ..
بيد ان القسام، مدفوعا بايمانه وحماسته واخلاصه، رفض الاستسلام وحث اتباعه على القتال والاستشهاد في سبيل الله والوطن . وفي التاسع عشر من تشرين الثاني خاض المجاهدون معركة مواجهة مع القوات البريطانية في غابة (يعبد) بمنطقة جنين، استشهد فيها القسام وعدد من اتباعه ..[109]
في هذه الفترة واصل ابن سعود صمته، وواصل جهاده بضرب كف على كف، فلم تثر هذه الانتفاضة اهتمامه رغمانه شحنت الاضر المحتلة من اقصاها إلى ادناها بطاقة ثورية مكنتها من اعلان ثورتها الشهيرة عام 1936 م ..
ان صمت ابن سعود وتجاهله لثورة (1933 م) وثورة القسام (1935 م) لم يكن ناتجا عن عجزه بدليل انّه بعد اقل من سنة بدأ يهتم بها فجأة ودون مقدمات ..
ثورة 1936 م ـ 1939 م
لقد اثر استشهاد عز الدين القسام في نفوس المواطنين العرب فزاد لهيب الثورة التي بدأت باعلان الاضراب العام في جميع انحاء فلسطين والذي استمر اكثر من ستة اشهر وبالتحديد (183) يوما وهو اطول اضراب في التاريخ، ثم مالبثت ان تشكلت لجان قومية ولجان حرس وطني ولجان اسعاف، كما تشكلت اللجنة العربية العليا من رؤساء جميع الاحزاب الفلسطينية برئاسة المفتي امين الحسيني، وذلك للاشراف على الثورة وتنظيم امورها.
وطالبت اللجنة العربية العليا الحكومة البريطانية بمنع الهجرة ومنع انتقال الاراضي إلى اليهود وبانشاء حكومة وطنية، الا ان بريطانيا رفضت ذلك فاندلعت الثورة المسلحة وشارك فيها ثوار من بلدان عربية أخرى .. وردّت الحكومة البريطانية بعنف على هذه الثورة والقائمين بها واستخدمت الدبابات والمصفحات والطائرات في قمع الثائرين . الا ان هذا العمل زاد من قوة المعارضة واتساعها كما زاد من نقمة الجماهير.
وكان موقع بريطانيا حرجا للغاية ، فلا القوة انهت المشكلة ولا الوعود زحزحت الثوار عن مطالبهم لهذا عملت وباسلوب مخادع إلى توسيط الملك عبد الله ملك الاردن، لحل الخلاف بين العرب وبينها، ولكن لسوء سمعة عبدالله ومواقفه من قادة الثورة، رفضت وساطته . فلم تر بريطانيا بدّا من توسيط ابن سعود، ذو السمعة الإسلامية الحسنة (…) لدى الثوار، فأقحمته في عمق القضية املا في ايجاد حل مناسب ..
وهكذا اجهضت الثورة
حينما اشتدت الثورة في فلسطين، اتصلت الحكومة البريطانية بابن سعود عبر وزيره المفوض في لندن، الذي نقل إليه رغبة بريطانيا في توسيطه لحل القضية، حينها رأى عبد العزيز ـ كما يقول الزركلي ـ ان يقوم بمساع مشتركة مع الحكومات العربية لتفريج الازمة عن بريطانيا الصديقة للعرب جميعا !!
ولكن اين كان الملك عبد العزيز يوم سحقت ثورة عام 1929 م، وثورة 1933 م ، ويوم سحقت القوة العربية التي حمل لواءها الشهيد القسام ؟ لماذا لم يقم بمساعيه آنذاك ، ويقوم بها اليوم ؟!!
نعم كان الموقف قبل عام 1936 م في صالح بريطانيا فلم يحرك ساكنا، ولم يرف له طرف لقتل المئات من شباب الامة الإسلامية، اما حين كان الثوار سادة الموقف ، وحين وصل الحرج بالانجليز حدا لايطاق ، جاء على عجل باذلا مساعيه المحمودة !!
اما اول مساعيه، فكان اظهار حسن نيته لدى (اللجنة العربية العليا) حيث قام بارسال المؤمن والمواد الغذائية [110]لانقاذ الشعب المتضرر من الاضراب، وبالطبع فان الاسلحة والعتاد لم تكن داخلة في المؤن، لان مهمته تلميع صورته واظهار نفسه بمظهر الصديق العطوف المحب لاهل فلسطين، اما ارسال السلاح والعتاد الذي يحتاجه المقاتلون فهذا ما يخالف مهمته الموكولة إليه ..
ثم قام عبد العزيز بالاتصال بالحكومة البريطانية عبر وزيره المفوض في 9 / 4 / 1355 هـ طالبا منها الافراج عن المعتقلين والمحكوم عليهم .[111]واطلقت بريطانيا سراح بعضهم لتقوية مركزابن سعود واظهار بمظهر المدافع الاول عن عرب فلسطين لخداع اللجنة العربية العليا ودفعها للتمسك به !!
وبعد ثلاثة عشر يوم من الاتصالات ، مع ملوك العرب المتبرنطين، بعث عبد العزيز ببرقية سميت نداءا، عبر اللجنة العربية وباسم ملوك العرب (ملك العربية السعودية وملك العراق وإمام اليمن وامير الاردن عبد الله) إلى اهالي فلسطين، يطالبونهم فيه بوقف الاضطرابات حقنا للدماء معتمدين على رغبة الحكومة الانجليزية في التعاون على تحقيق العدل !![112]
وكان هذا النداء (…) قد صدر بتاريخ 22 رجب (1355 هـ ) ، 11 اكتوبر 1936 م وهذا نصه :
(إلى ابنائنا عرب فلسطين ..
لقد تألمنا كثيرا للحالة السائدة في فلسطين فنحن بالاتفاق مع ملوك العرب والامير عبد الله ندعوكم للاخلاد إلى السكينة وايقاف الاضراب حقنا للدماء، معتمدين على الله، وحسن نوايا صديقتنا الحكومة البريطانية، ورغبتها المعلنة لتحقيق العدل، وثقوا بأننا سنواصل السعي في سبيل مساعدتكم ..)!![113]
ملاحظات على النداء
ان النداء صدر باسم ملوك العرب وامرائهم التابعين مباشرة للمخابرات البريطانية، والهدف من اشراك الملوك يحقق امرين :
الاول : احداث تأثير اكبر على اللجنة العربية العليا لتوقف الاضراب .
الثاني: ان توقيع الملوك على النداء يشركهم في تحمل مسؤولية ما ينجم عنه .. وهذا ما استفاد منه (ابن سعود وابنائه) كثيرا بعد ان ظهرت نتائجه السلبية .. اما تحليل السلطة فقد اعتبرت اشراك ملوك العرب ، تعريبا للقضية واقحاما للملوك فيها !! يقول احد كتاب السلطة : "ولما نشبت ثورة فلسطين الكبرى في عام 1936 م ، كان الامير فيصل "كما كانت المملكة السعودية " في طليعة من ساندها . وكان ينادي بتعريب قضية فلسطين لهذا طلب من والده عبد العزيز ان يوجه بيانا إلى الشعب العربي الفلسطيني ، يوقعه مع ملك العراق وامام اليمن وامير شرق الاردن ، ويدعو فيه إلى فك الاضراب، ووقف الثورة، اعتمادا على ما اعربت عنه بريطانيا للملوك والامير من "حسن نوايا" لانصاف عرب فلسطين، وكان قصده من توجيه مثل هذا البيان المشترك ادخال ملوك العرب وامرائهم وحكوماتهم بشؤون قضية فلسطين واقحامهم في ميدانها وحملهم على تبينها والدفاع عنها، لتصبح قضية عربية عامة تقع مسؤوليتها على العرب جميعا لا على اهلها فحسب "[114]، وهل اوصل فلسطين إلى ما نعهده اليوم غير الحكومات العربية التي ارادت سحب البساط من تحت اقدام اصحابها كي تتاجر بها؟!
2 ـ لم يذكر عبد العزيز في ندائه بريطانيا بسوء، حتّى انّه لم يوضح سبب تألمه للحالة السائدة !! لان ذلك يفرض عليه التحدث وادانة الانجليز، بل انّه قالها صراحة ان بريطانيا صديقة برغم المجازر التي ارتكبتها بحق العرب[115]..
3 ـ ان الغرض من النداء هو كسر الاضراب ووقف الثورة، بدل تشجيعها، وذلك بحجة حقن الدماء، بينما عبد العزيز "بالذات" لايهتم بدماء المسلمين الذين ازهق ارواح مئات الالوف منهم في ارض الجزيرة العربية ، وعلى هذا فهو آخر من يحق له التحدث عن هذا .. ثم انّه كان من الواجب على ابن سعود ان يدعو اسياده القتلة إلى حقن الدماء لا الشعب المضطهد الذي دافع عن وطنه وكرامته !!
وكانت نتيجة وقف الاضراب وحقن الدماء !! المزيد من هدر دماء العرب على يد الصهاينة والصديقة بريطانيا!!
4 ـ اما الضمانات التي قدمها النداء للسكان العرب فهي : "الاعتماد على حسن نوايا صديقتنا الحكومة البريطانية " ، التي تحولت بفضل ابن سعود من وحش كاسر إلى حمل وديع، جرّ العرب بعده إلى تصديق قول عبد العزيز،الذي استطاع اطلاق سراح بعض المعتقلين لتدخله عند البريطانيين، ولاظهار حسن نيته .
ولكن
مخطيء من ظنّ يوما أن للثعلب دينا!!
وهناك ضمان آخر ومن ابن سعود نفسه وهو "مواصلة السعي في سبيل مساعدتكم" ، وحبذا لو كان الضمان مواصلة الدعم المادي والعسكري، اما السعي وراء بريطانيا فلا طائل منه !! والثقة بعميلها والالتجاء اليه فهو كما يقول الشاعر :
المستجير بعمرو عند كربته
كالمستجير من الرمضاء بالنار!
وكان ابن سعود قد بعث بابنه سعود ـ قبل النداء ـ إلى فلسطين لحث اللجنة العربية على فك الاضراب ولما فشل بعث بابنه فيصل بمعية جون فيلبي، حيث اجتمع فيصل بالزعماء الفلسطينيين في القدس وقال لهم : "حينما ارسلني والدي عبد العزيز في مهمتي هذه اليكم فرحت فرحتين: الفرحة الاولى، كانت من أجل زيارة المسحد الاقصى والصلاة في بيت المقدس، اما الفرحة الثانية فكانت فرحتي بلقاء هؤلاء الثوار، لأبشرهم ان جهودهم لم تذهب سدى، وان ثورتهم قد اثمرت باثارة اهتمام صديقتنا بريطانيا العظمى[116] ، التي اكدت لوالدي ـ حينما رأت اهتمامه بفلسطين ـ انها لن تخيّب آمال الفلسطينيين، وبناء على ما عرفته من صدق نوايا بريطانيا، استطيع ان اقسم لكم بالله ان بريطانيا صادقة فيما وعدتنا به .."[117]
وانقسم الثوارعلى انفسهم ، كان القوة فيه للفريق المؤيد للاخلاد إلى السكينة والاعتماد على نوايا بريطانيا، لكن مع هذا كان هناك فريق معارض لكسر الاضراب قبل ان يخرج المستعمر المحتل من الأرض المقدسة، وكان من بين الفريق المعارض الشهيد عبد الرحيم محمود[118]، الذي وقف مخاطبا فيصل قائلا:
ياذا الامير امام عينك شاعر ضمّت على الشكوى المريرة اضلعه
المسجد الاقصى أجئت تزوره؟ أم جئت من قبل الضياع تودعه؟
حرم تباع لكل اوكع آبق ولكل آفاق شريد اربعه
وغدا وما أدارك لا يبقى سوى دمع لنا يهمي وسنّ نقرعه![119]
وتوقف الاضراب أو ـ الاضطراب ـ كما يسميه آل سعود وكتابهم ـ بتاريخ 11 تشرين الاول 1936 م وبعثت اللجنة العربية العليا ببرقية إلى ابن سعود تنبئه بذلك، فابرق بدوره اليهم في (28 / 7 / 1355 هـ) (اكتوبر 1936 م) بما نصّه:
(سرّنا اخلاد اخواننا عرب فلسطين للسكينة، واقبالهم على مزاولة اعمالهم، حقنا للدماء وحبا للاصلاح، فنشكر لهم هذه العاطفة والشعور نحونا، ولما ابدوا من حب السلام واظهار نواياهم الحسنة وفي الطريقة التي نتمنى ان تكون موصلة إلى الغاية المنشودة. اما من جهتنا فكونوا واثقين من اننا لم ولن نقصر في السعي لمعاونة اخواننا في هذا السبيل وندعوا الله ان يوفق الجميع لما فيه الخير والصلاح).
(عبد العزيز)[120]
وبالطبع سر عبد العزيز وسر الانجليز بوقف الثورة، واتجاه الثوار إلى طريق السلم والمفاوضات والمهادنات التي يعتبرها ابن سعود الطريق الصحيح الموصل إلى (اجهاض الثورة) ووقف مسيرتها التي كادت تقضي على المحتل آنذاك..
يقول جون فيلبي الذي شارك فيصلا واخيه سعود في رحلتهما إلى القدس معبرا عن سرور القيادة البريطانية، في محاضرة القاها في الظهران بتاريخ 24 / 4 / 1955م [121]: (ولقد سرت القيادة البريطانية اعظم سرور ونلنا على اثرها ثلاثة اوسمة تقديرية، الاولى لي والثاني لعبد العزيز، والثالث لفيصل، لهذا الدور بل لهذا الفاصل التاريخي الذي قام به صديقها الحميم عبد العزيز آل سعود ، ووجهت إليه رسالة شكر تفيض بالعواطف لعمله الذي عجز عنه الجميع، كما سر قادة اليهود في فلسطين لهذا الجهد السعودي الجبّار . اما زعماء فلسطين فقد شعروا بخيبة الامل، وجاؤوا يتهافتون إلى الرياض طالبين من عبد العزيز تحقيق ما وعدهم به عن صديقته بريطانيا، وحمّله بعضهم المسئولية لكونه اقنعهم بصدق نوايا بريطانيا فحلّوا الاضراب واوقفوا الثورة، ثم اطلعوه على احصائية اكيدة تثبت تزايد اعداد اليهود في انحاء كثيرة من فلسطين، بتسهيلات ومساعدات عسكرية واقتصادية تقدمها لهم بريطانيا، لكن عبد العزيز كان يقول للزعماء الفلسطينيين في كل مرة يأتون فيها إليه : "ان بريطانيا لن تخون العرب، وانني سأبحث الأمور مع اصحابنا البريطانيين "!!
وهكذا قضى ابن سعود على ثورة الفلسطينيين عام(1936 م) خدمة للصداقة السعودية البريطانية وعاد ابناه (فيصل وسعود) وفيلبي، إلى الجزيرة بعد ان انجزوا المهمة بتاريخ (10 اكتوبر 1936) .
الآثار السلبية
وما ان اعلن الثوار حسن نيتهم حتّى بدت الاثار السلبية من جراء وقف الثورة، والتي يمكن حصرها في النقاط التالية :
1 / ان وقف الثورة وكسر الاضراب، والتخلي عن البندقية بداية للاستسلام ، لان العدو لا يعترف بغير القوة والشر لايدفعه الا الشر .. وهذا ادى إلى غرس اول بذرة للتهادن والمفاوضات بدل رفع راية الجهاد والكفاح المقدس .
2 / نتج عن وقف الثورة، قرار تقسيم فلسطين عام 1937 م وهذا ما سنوضحه ..
3 / ان وقف الثورة الملتهبة، احبط الروح الكفاحية لدى الشعب، فكان من الصعب ارجاع هذه الروحية إلى ما كانت عليه بسرعة، ذلك ان الشعوب بشر وليست آلات، متى طلبت منها الثورة تنهض !
على ان اهم ما نتج عن وقف الثورة هو تأزم القضية اكثر بتراجع الانجليز عن وعودهم الخادعة واقرار تقسيم فلسطين ..
عبد العزيز واللجنة الملكية
بعد وقف الاضراب اعلنت الحكومة البريطانية، عزمها على ارسال "لجنة ملكية" بريطانية سميت فيما بعد "لجنة بيل" نسبة إلى المستر بيل الذي كان يرئسها. وكان غرض ارسال اللجنة بحث ما سمي اسباب الاضرابات والتحقيق في كيفية تنفيذ صك الانتداب[122]وبحث الظلم الذي لحق بالعرب وبالتالي رفع توصياتها إلى الحكومة البريطانية .[123]
الا ان الغرض الرئيسير من بعثها ، هو تبريد الموقف الفلسطيني، وتمييع القضية، إذ لم يكن الغرض منها حل الازمة واعطاء العرب حقوقهم، لان بريطانيا لو ارادت انصاف العرب لخرجت من فلسطين، أو لا اقل وقفت بوجه التوسع الصهيوني ..
وفي يوم مغادرة اللجنة لندن في (5 / نوفمبر/ 1936 م) اعلن وزير المستعمرات البريطاني في مجلس العموم، قرار الحكومة بان الهجرة اليهودية لن تتوقف خلال الفترة التي ستقضيها اللجنة الملكية في التحقيق [124]كما اعلن موافقة الحكومة على قرارالمندوب السامي في فلسطين بمنح (1800) شهادة هجرة يهودية ..[125]
كانت هذه اول صفعة للعرب ، الذين خدعهم ابن سعود بحسن نوايا الصديقة بريطانيا التي لحست كل وعودها وتعهداتها ..
ولم يعلق ابن سعود على هذا القرار، اما اللجنة العريبة العليا فثارت ثائرتها واصدرت بيانا في اليوم التالي (6 نوفمبر) نددت فيه بعبارات قاسية ببيان وزير المستعمرات، واعتبرت ذلك دليلا على سوء النية، وانه مناقض لما كانت اللجنة تنتظره وتأمل تحقيقه ، ومخالف للوعود التي حملها ابن سعود اليهم، ونتيجة لهذا الموقف قررت اللجنة العربية مقاطعة اللجنة الملكية، وطالبت جميع سكان فسلطين ان يتقيدوا بهذا القرار .. [126]
كان هذا الموقف امتصلب من قبل اللجنة العربية وبالذات من المفتي امين الحسيني ، يعني عودة الأمور إلى حالتها السابقة وهذا ما يزعج الانجليز ولهذا تحرك ابن سعود ليمارس ضغوطه على اللجنة العربية لكي تشارك في اعمال (لجنة بيل) ، واخذ يقوي الخط المهادن والرافض للمقاطعة من آل النشاشيبي، بل انّه لم يجد مانعا من ان يهدد بقطع علاقاته باللجنة العربية إذا مارفضت المثول امام اللجنة الملكية ..[127]
ووصلت اللجنة الملكية بتاريخ (11 كانون اول 1936 م)، ثم باشرت اعمالها بزيارة بعض مدن فلسطين واستمعت إلى عدد من الشهود..
وبازدياد الضغوط على المفتي من قبل الملك عبد العزيز وملوك العرب الاخرين المطالبين باشتراك اللجنة العربية وجدت هذه اللجنة نفسها تواجه الانشقاق ، حيث دعم ابن سعود حزب الدفاع قبال المفتي الرافض للمشاركة .. فما كان من اللجنة العربية الا ان ارسلت وفدا من اربعة اعضاء لمشاورة ملوك العرب في العراق والرياض والاردن وكذلك دمشق..
وحين وصل الوفد في (15 شوال 1355 هـ ) إلى الرياض، اجتمع بابن سعود، فحثهم على المشاركة لان ذلك اضمن لحقوقهم، ولكي يتمكن هو من الدفاع عنهم بعد ان يقدموا مثل هذه التنازلات .. وزودهم قبل مغادرتهم للرياض (18 شوال) برسالة إلى اللجنة هذا نصها:[128]
(وبعد فقد وصل الينا وفد اللجنة العربية العليا، وعرض علينا الموقف الحاضر في فلسطين، والاسباب التي حملت لجنتكم على مقاطعة اللجنة الملكية. وبعد استماعنا لكل ما ابداه الوفد الكريم، من مبررات لموقف لجنتكم وبالنظر لما لنا من الثقة بحسن نية الحكومة البريطانية في انصاف العرب (!!) ، فقد رأينا ان المصلحة تقضي بالاتصال باللجنة الملكية ، والادلاء اليها بمطالبكم العادلة، لان ذلك اضمن لحقوقهكم وادعى لمساعدة اصدقائكم في حسن الدفاع عنكم. وقد ابدينا للوفد الكريم مالدينا من الاراء في ذلك.
ونحب ان تكونوا على ثقة باننا لانألو جهدا في سبيل مساعدتكم لاصلاح الحال، بقدر امكاننا(!) وانا لنرجو من الله ان يوفقنا جميعا لما فيد خير للاسلام والعرب.
18 شوال 1355 هـ (1 كانون الثاني 1937 م) .
"عبد العزيز"
لم يكن القادة الفلسطينيون بحاجة إلى هذا الكتاب، ولا بحاجة إلى مشورة قادة العرب !!، ولكنهم قبلوا بتدخلهم اثناء ثورة 1936 م، واصبحت لهم كلمة عند بعض الاحزاب الفلسطينية حيث مارسوا ـ ومنهم عبد العزيز ـ الضغوط على اللجنة وفرض آرائهم..
ولهذا كان ضغط ابن سعود، وضغط كتابه، ورسائل ملوك العرب الاخرى الضاغطة سببا في تراجع اللجنة عن موقفها حيث رجح صف المهادنين .. واصدرت بيانا في (6 / 1 / 1937 م) جاء فيه :
(ان اللجنة استمعت إلى بيانات الوفد الذي عاد من رحلته، واطلعت على كتابي صاحبي الجلالة ملك المملكة العربية السعودية وملك العراق، فلم يسعها الا ان تستجيب للطلب السامي[129]، فقررت الاتصال باللجنة الملكية وبسط القضية العربية لها)[130].
وكان عبد العزيز قد ارسل مذكرة عن طريق وزارة الخارجية إلى الحكومة البريطانية في (1 / 1 / 1937 م)، اكد في بدايتها صداقته للحكومة البريطانية وشكرها على صداقتها للشعب العربي قائلا: (لقد اثبتت الحوادث صداقتها للشعب العربي)!! ثم اثنى على مناصرتها للشعب العربي متهما الشعب العربي بالشذوذ !! يقول عبد العزيز (والشعب العربي لم يشذ عن هذه القاعدة ـ قاعدة محبة بريطانيا !! ـ الا في فلسطين ، لا لان بريطانيا لها رأي آخر في الشعب العربي ـ معاذ الله !! ـ ، بل لشذوذ في وضع فلسطين).
ثم بين ابن سعود خدماته لبريطانيا من ضغطه على رعاياه ومنعهم من المشاركة مع اخوتهم المجاهدين في فلسطين، ومنع عقد المؤتمر الإسلامي في مكة لئلا تعبأ النفوس الإسلامية ضد الانجليز ! فقال : "ولقد عانينا الشيء الكثير في الضغط على رعايانا، كيلا يظهر منهم أي امر يزيد من تعقيد المشكلة. وكثير مما عملناه لم نخبر الحكومة البريطانية به، لعلمنا ان ذلك شيء تقضي به الصداقة !!.. ويضيف .. وقد منعنا عقد المؤتمر الإسلامي في مكة خشية من ان تثار هذه القضية الخطيرة التي سيكون لها اسوأ الاثر في نفوس المسلمين والعرب على الاخص.." فهل يثق العرب بمثل هكذا رجل يعلن عمالته علانية ويجاهر بدعم الانجليز ؟!
ثم قدم عبد العزيز بعض الاقتراحات للحكومة البريطانية، انهاها بقوله : "ونحن من جهتنا سنوصي اهل فلسطين بقدر امكاننا واقتدارنا بالتزام السكون التام والتفاهم مع الحكومة البريطانية !! هذا ولنا الامل العظيم في صديقتنا بريطانيا وصديقة العرب جميعا، ان تكون عند حسن ظن العرب بها)!!
وفي (11 / 1 / 1947 م) قدمت اللجنة مذكرة إلى اللجنة توضح فيها مطالبها، التي كان اهمها ايقاف الهجرة اليهودية منع انتقال الاراضي وانهاء الانتداب لتقوم حكومة وطنية محلّه.
وبعد بحث اللجنة الملكية قدمت مشروعا لحل قضية فلسطين يقوم على أساس "تقسيم فلسطين" إلى ثلاثة اقسام:
القسم الاول : اقامة دولة عربية ، تضم إلى شرق الاردن !!
القسم الثاني : اقامة دولة يهودية وتشتمل على منطقة الشاطئ والسهول الخصبة !!
القسم الثالث : تبقى الاماكن المقدسة تحت الانتداب البريطني الا إذا رغبت في انهائه عصبة الامم أو الولايات المتحدة !![131]
وهذه نتيجة منتظرة من لجنة بيل ومن تعهدات الانجليز، وقد قوبل مشروع اللجنة باستياء شديد من قبل اللجنة العربية والجماهير العربية في الأرض المحتلة..
اما الملك عبد العزيز الذي اوصل الثورة إلى هذا الوضع فانه ابرق إلى اللجنة العربية العليا يقول فيها انّه "لم يدخر ولن يدّخرجهدا في مساعدة اهل فلسطين وحفظ حقوقهم) وبهذا برّأ نفسه من وصول الاوضاع إلى هذا التردي ، ولم يخجل من قوله انّه "لم يدخر" وسعا في سبيل تحسين الوضع !!
كما صرح ابنه سعود في باريس مستنكرا التقسيم بالقول : "ان انشاء دولة يهودية ضار بمصالح العرب جميعهم" [132].. ودفع ابن سعود مشايخه ليرسلوا برقية إلى اللجنة العربية ليقولوا فيها : "ان جعل ولاية لليهود في بلاد الإسلام امر باطل ومحرم، لانه يعود على الإسلام واهله والحرمين الشريفين والبلاد المقدسة باكبر الخطر واعظم الضرر، وكل من لديه غيرة دينية، وحمية وطنية عربية يأنف من ذلك ويأباه ، وطلبوا من الملك باعتباره امام المسلمين (!!) ان يقوم بصد هذا الخطر، وهم بصفتهم علماء الشريعة (!!) لا يجيزون التقسيم ولا يقرونه)[133].
ملاحظات على رد فعل ابن سعود
1 / كان رد فعل ابن سعود على قرار التقسيم عدم الرفض، ويبرر ذلك بقوله في رسالة إلى الحكومة البريطانية في سبتمبر 1937م: (لم نشأ ان نزيد في الصعوبات الكثيرة التي تواجهها الحكومة البريطانية، بالاحتجاج على تقرير التقسيم أو باعلان استهجاننا وعدم موافقتنا عليه..)[134]، ويبدو من مقطع هذه الرسالة ان عبد العزيز لم يرفض قرار التقسيم، وما برقيته الهزيلة إلى اللجنة العربية الا مجارات للتيار الساخط بدل الوقوف بوجهه فتنكشف اوراقه.
2 / ان رفض ابن سعود للقرار لم يحدث بصورة مباشرة، وانما اوعز لابنه ومشايخه باعطاء تصريح وتصدير برقية، ليكون هو نظيف اليدين من تهمة معارضة المشروع والوقوف في وجه الحليفة بريطانيا.
3 / ان برقية المشايخ تهدف إلى امرين:
الأول: اعطاء انطباع عن معارضة ابن سعود للمشروع وتبرئة ذمته من المشاركة فيه، والايحاء بان عبد العزيز لم يقصر، وانه بذل جهده في خدمة العرب.
الثاني: تأكيد دور عبد العزيز لحل القضية، بعد ان راى قادة العرب ان كل وعود ابن سعود تبخرت، وانه اصبح غير جدير بالثقة. لهذا اكد المشايخ على ان عبد العزيز امام المسلمين ولهذا فعليه ان يصد الخطر كيلا يبعد من مسرح الاحداث والتأثر فيها!!
بقيت نقطة اخيرة وهي ان النائب العام لابن سعود وعلى اثر القرار الذي اصدرته اللجنة الملكية البريطانية بتقسيم فلسطين، اصدر بتاريخ (25/6/1356هـ) اذنا بتأليف لجنة في كل مدن الجزيرة العربية، مهمتها رفع صوت ما اسماه الشعب السعودي في العالم، ولتمد الحركة الوطنية في فلسطين بما يتبرع به الشعب من عون ومساعدة[135].. وذلك للتنفيس عن الشعب الذي رفض آل سعود ان يدعم اخوته المجاهدين هناك في فلسطين..
وتجددت الثورة
بعد مشروع قرار التقسيم الذي تقدمت به اللجنة الملكية، احس الفلسطينيون انهم خدعوا وطعنوا في الظهر، فاستأنفوا الثورة من جديد، حيث استمرت حملة الاغتيالات السياسية التي تحددت في اعقاب مغادرة لجنة بريطانيا الملكية للبلاد، في الوقت الذي سمحت فيه سلطات الانتداب بهجرة دفعة جديدة من العمال اليهود إلى فلسطين ..
في نفس الوقت تحول المفتي الحسيني من الاعتدال إلى التشدد واخذ يعدّ عدته لاعلان الحرب على البريطانيين حيث اتصل بالمقاتلين القدامى واعطاهم اشارة البدء بالعمل..
وحاول البريطانيون اعتقال المفتي الحسيني، لكنه نجا منهم واعتصم بالحرم الشريف ، وكانت هناك صعوبات شتى جعلت الانجليز عاجزين عن القاء القبض عليه داخل الحرم !!
وسرعان ما اشتعلت الثورة لتشمل كل انحاء فلسطين، مدنها وقراها واريافها وقامت الحكومة البريطانية بتأديب جماعي وفرض غرامات جماعية عالية على قرى ومدن بكاملها، وهنا شكل المجاهدون اللجنة المركزية للجهاد، لتنظيم الثورة حتّى غدت اكثر قوة من السابق..
وحينما اشتد عود الثورة وجدت سلطات الانتداب ان زمام المبادرة بيد الثائرين لهذا فكرت في تسليح اليهود واستخدامهم في العمليات العسكرية، ثم مالبث سلاح الجو البريطاني بقيادة الجنرال (هايننغ) ان شن حملات موسعة ضد الثوار وبمساعدة بعض الوحدات المدرعة..
ولما فشلت هذه الحملات احتلت القوات البريطانية بعض القرى وقامت بحملة تعسفية ضد المدنيين من اعتقالات بالجملة، وفرض حظر التجول لفترات طويلة، وهدم البيوت، وفرض الغرامات المشتركة.. اما المدن فقد اخذ زمامها يفلت من ايدي السلطات بتوالى الاضرابات والتظاهرات.. [136]
وادت اعمال التخريب والقاء القنابل إلى نشوب حرب شوارع في القدس ويافا وحيفا.. وقد تدخل الاسطول البريطاني مرة على الاقل لكسر احد الاضرابات ، كما ان سلطات الاحتلال شكلت مفارز ليلية من اليهود بقيادة الكابتن "وينغيت"للرد على هجمات التدمير التي يقوم بها الثوار العرب ضد المنشآت الحكومية "السكك الحددية ـ خطوط التليفون ـ خط انابيب البترول .. الخ"[137].
واستطاع الثوار الاستيلاء على مدن كثيرة، وفي بعض الحالات تمكنوا من التسلل إلى بعض المدن الرئيسية وسيطروا على شؤونها وذلك بقصد تحويل الوضع إلى ثورة شاملة..
هنا وقبل ان تصل الثورة إلى النصر المؤزر، ونظرا للحالة التي تمر بها اوروبا جراء السياسة التوسعية الالمانية، وقبل اعلان الحرب العالمية الثانية رأى وزيرالمستعمرات (مكدونالد" اتخاذ الاجراءات اللازمة لاحتواء الثورة واقناع العرب بالتفاهم مع بريطانيا !! فماذا كانت نوعية الاجراءات؟!
استخدمت بريطانيا سياسة العصا والجزرة فقد اقترح الوزير اصدار بيان يعلن فيه زيادة القوات العسكرية وقوات البوليس البريطاني في فلسطين ، وفي الوقت ذاته كشف النقاب عن اعتزامه دعوة ممثلين عن كل عرب فلسطين والوكالة اليهودية لبحث توصيات تقرير لجنة تقسيم فلسطين "لجنة وودهيد" التي رفضت اللجنة العليا التعامل معها، وساد في الاوساط الفلسطينية بان بريطانيا توشك تقديم تنازلات كبيرة للعرب، وذلك لوضع حد مبكر للثورة وحمل العرب على التزام الهدوء اثناء الحرب المتوقع نشوبها مع المانيا..[138]
في شهر تشرين الاول عام 1938 م تدفق الثوار على القدس، وتمكنوا من طرد البوليس البريطاني من المدينة القديمة، فما كان من الحكومة البريطانية الا ان اعلنت انتقال ادارة القدس من السلطات المدنية إلى السلطات العسكرية، وبدأت السلطات البريطانية اعادة الاحتلال عسكريا، مستخدمة فرقتين عسكريتين انجليزيتين وعددا من اسراب الطائرات والبوليس، وحرس الحدود الاردني وبمساعدة قوة يهودية قوامها ستة آلاف جندي.. ثم بدأت حملة نزع السلاح من السكان تمهيدا لفرض نفسها بالقوة ، كعادة المحتلين دائما!!
التراجع عن قرار التقسيم
وفي التاسع من تشرين الثاني عام 1938 م نشر تقرير لجنة التقسيم، مرفقا ببيان سياسي للحكومة البريطانية عدلت فيه عن فكرة التقسيم واوضحت عزمهاعلى توجيه دعوة إلى ممثلين عن عرب فلسطين والدول المجاورة، وعن الوكالة اليهودية للتداول معهم في لندن حول السياسة المقبلة .. وهددت الحكومة العرب بصورة مبطنة انّه إذا لم تسفر مباحثات لندن عن الوصول الى اتفاق في مدة محددة من الزمن، فانها ستتخذ قرارها الخاص وتعلن سياستها التي تنوي اتباعها..[139]
كانت بريطانيا قد زجّت بكثير من قواتها في فلسطين، ولما كانت الحرب العالمية الثانية على الابواب فانها ارادت الاسراع في الاجهاز على الثورة من خلال ممارسة سياسة " العصا والجزرة" لتتفرغ للحرب القادمة.
ووافقت اللجنة العربية على حضورمؤتمر لندن نتيجة ضعفها قبال القوات البريطانية، والضغوط التي مارسها ملك العراق وابن سعود!! كما سيتوضح فيما بعد..
موقف عبد العزيز من تجدد الثورة
لم يكن عبد العزيز راضيا من تجدد الثورة، واصرّ على موقفه الداعي الى الاتفاق مع بريطانيا ففي رسالة بعث بها إلى الحكومة البريطانية في سبتمبر 1937 م اوضح فيها مخاوفه من استعداد المجاهدين للثورة وخوفه من مقارعتهم للعزيزة بريطانيا ، وطالب بريطانيا الحيلولة دون حدوث ذلك.. يقول عبد العزيز "اننا نرى بوادر الخطر ظاهرة، في التحفز والاستعداد[140]، في فلسطين وشرقي الاردن نفسها، وفي البلاد العربية المجاورة. وقد تحقق لدينا ان العرب يعتبرون هذه القضية قضية موت أو حياة. ونخشى ان ينقلب هذا النزاع ـ وليس من المستبعد ان ينقلب ـ إلى نزاع عنصري بين العرب وبريطانيا [141]وهذا امر يجب ان نبذل جهدنا للحيلولة دونه"، ثم يتحدث عن قوة الرأي العام مبينا ان الوقوف في وجهه مستحيلا، ولكنه يتعهد بمواجهته قائلا: "وهذه احدى المشكلات التي علينا ان نواجهها إذا جدّ الجدّ".. وقدّم بعض الاقتراحات لحل القضية، تضمن حفظ المصالح البريطانية وتبقي الوضع كما هو عليه، واختتمها بقوله : "اننا نأمل في ملاحظاتنا هذه ، قبولا عند الحكومة البريطانية الصديقة، ونرجو ان توافينا بآرائها في ذلك، قبل استفحال الخطر، وستجد منا دوما ذلك الصديق الذي يهمه ادامة حسن التفاهم وتثبيت الصداقة، بين العرب وبريطانيا، مستعدا لبذل ما في وسعه لايجاد احسن الفرص والظروف لتفاهم دائمي وصداقة وطيدة.."[142]
ان هذه الرسالة تدل بشكل واضح على موقف ابن سعود من الثورة الذي يلخص في أمرين:
الاول : انّه ضد تجدد الثورة، وضد مشاعر الرأي العام العربي والإسلامي.
الثاني: انّه مستعد للوقوف امام الثوار، وامام الرأي العام الساخط، وبلا شك فانه ضد دعمهم ومساعدتهم!!
ونظرا للموقف السلبي الذي انتهجه عبد العزيز تعرض لحملة عنيفة من كافة المسلمين ومن عرب فلسطين بالذات، خصوصا بعد المجازر التي ارتكبتها السلطات المحتلة في ارض المقدسات [143]والتي لم يستنكرها ابن سعود بل صمت وادار وجهه عنها.
ففي برقية بعث بها إلى ابنه فيصل ليوصلها إلى السفير البريطاني في جدة (5 / 4 / 1938 م) اوضح فيها المأزق الذي حشر نفسه فيه بالقول: "لقد كان جلالة الملك ولايزال، هدفا للتأثرات النفسية، وهدفا لانتقاد العرب والمسلمين ، من أجل صمته "لاحظ كلمة صمته" في قضية فلسطين. وهو يشعر بان روح الصداقة الموجودة بينه وبين الحكومة البريطانية، تجعله يصبر على تحمل تلك الانتقادات نظرا لما يراه من اقتضاء الصداقة، ومن اقتضاء المصلحة، في سيره على خطة الكتمان "لاحظ جملة خطة الكتمان أيضاً" وعدم الاعلان عما بينه وبين بريطانيا بشأن قضية فلسطين .." واتهم التحركات التي ووجه بها لموقفه المتخاذل بانها تقصد "احراج مركز جلالته امام العالم الإسلامي والعالم العربي في هذه القضية"[144] .
ثم يقدم ما اسماه حلا عادلا لحل قضية فلسطين يعتمد على امور ثلاثة:
الاول : المحافظة على المصالح البريطانية !
الثاني : المحافظة على صيانة الاماكن المقدسة!
الثالث : المحافظة على حقوق اليهود الموجودين في الوقت الحاضر ومعاملتهم كأقلية في البلاد![145]
وتجنب هنا ذكر الحقوق المشروعة للفلسطينيين،والتي تتناقض بشكل صريح مع مصالح بريطانيا والتي ذكرها في رأس قائمة الحل العادل!!
خطة الكتمان ماذا تعنى
في المقطع السابق من الرسالة اوضح ابن سعود نقطتين على جانب كبير من الاهمية، وهما:
1 / ان صمته عن قضية فلسطين وعن مجازر البريطانيين التي يرتكبونها بحق الابرياء ، وكذلك تحمله للانتقادات الموجهة إليه من المسلمين، انما يرجع إلى مقتضيات الصداقة مع الانجليز، حتّى ولو كانت هذه الصداقة ضد المصالح العربية والاسلامية وضد مصالح شعب فلسطين !!، ولقد صدق فيلبي حينما قال في كتابه" 40 عاما في البحرية " ان مشكلة فلسطين لم تكن تبدو لابن سعود بانها تستحق تعريض علاقاته الممتازة مع بريطانيا وامريكا اخيرا للخطر) !! أو كما قال أيضاً : "وكان مستقبل فلسطين كله بالنسبة لعبد العزيز آل سعود، امرا من شأن بريطانيا الصديقة العزيزة المنتدبة على فلسطين، ولها ان تتصرف كما تشاء وعلى عبد العزيز السمع والطاعة"..
2 / السبب الثاني لصمت ابن سعود ـ كما يقول ـ "اقتضاء المصلحة في سيره على خطة الكتمان وعدم الاعلان عما بينه وبين بريطانيا بشأن قضية فلسطين" .. فماذا يعني هذا ؟
أ ـ ان هناك خطة مشتركة بين ابن سعود وبين بريطانيا.
ب ـ وان هناك مصلحة للطرفين فيها "اقتضاء المصلحة".
ج ـ ان هذه الخطة السرية هامة جدا بدليل حرص الجانبين في عدم الاعلان عنها.
د ـ ان هذه الخطة المشتركة بشأن فلسطين، جاءت من وراء العرب وبدون علمهم،وكذلك بدون علم الزعماء الفلسطينيين ، وهنا يتضح كذب ودجل من يقول ان عبد العزيز يريد توحيد كلمة العرب بشأن القضية بينما هو يتفق سرا مع اعداء العرب!
هـ / ان الخطة التي تحوي مصلحة بريطانيا وابن سعود، والتي يتخوف الجانبان من اعلانها، لا يمكن ان تكون لمصلحة شعب فسلطين سيما انها وردت في موقع تبرير الصمت الذي ينهجه ابن سعود قبال القضية.
بقي ان نعرف كنه الخطة التي بيتها الانجليز مع عميلهم ابن سعود ضد قضية فلسطين ، والتي نتوقع انّه يقصد بها تعهدات ابن سعود لانجلترا من اعطاء ارض فلسطين لليهود، وعدم دعم العرب لنيل حقوقهم كما جاء في تعهداته قبل وعد بلفور..
هل دعم عبد العزيز ثوار فلسطين
يكرر النظام السعودي مزاعمه بانه ساند قضية فلسطين ودعمها بالمال والسلاح، وسخر لذلك حفنة من الصحفيين والكتاب المرتزقة يكتبون ما يملي عليهم.. بل ان النظام السعودي اخذ يدرس اطفالنا وشبابنا في المدارس ما اسماه دعم عبد العزيز واولاده للقضية الفلسطينية، واخذ يلفق الاكاذيب ويرسم الاساطير عن هذا الدعم المزعوم.
ففي كتاب التاريخ لطلبة الثالث متوسط، مثلا كتب احد مرتزقة السلطة متحدثا عن دعم ابن سعود لثورات فلسطين بالقول : "وكان عبد العزيز على صلة وثيقة بزعماء العرب في فلسطين، يقدم لهم كل عون ويغذي ثوراتهم بالمال والسلاح"[146]!!
نعود فنطرح السؤال مرة أخرى : هل دعم عبد العزيز ثوار فلسطين ابّان ثورتهم ؟!.. والجواب على ذلك سيكون هذه المرة من لسان ابن سعود نفسه، ذكرها احد مسؤولي وزارة الخارجية في عهده، وهو خير الدين الزركلي في كتابه، تحت عنوان "وشاية وردها" ننقل معظمها هنا لزيادة العلم..
يقول الزركلي في كتابه: [147]
وردت على الملك وهو في الرياض، برقية من الخارجية في جدة، بتاريخ 18 ربيع الاول 1357 هـ (19 مايو 1938 م) الرقم 58 هذا نصها:
"تلقينا اليوم من الانكليزي "أي الوزير البريطاني المفوض في جدة" الكتاب الاتي : أتشرف بان احيط سموكم علما انّه حسب المعلومات التي وصلت إلى حكومة بريطانيا، عن مرجع صحيح، ان يوسف ياسين [148] قد صرح بعبارة لاعضاء لجنة الدفاع الفلسطينية المجتمعين بدمشق، عن سياسة جلالة الملك، بما يختص بمسألة فلسطين، فقال ان يوسف افضى بان جلالة الملك كان قد اخبر حكومة بريطانيا، بان يعلن انفضاض ارتباطه معها مالم تذعن لمطالب العرب في فلسطين، وانه يقاطع البضائع البريطانية، ويمد الثوار بالاموال والاسلحة" ويضيف الوزير المفوض مهددا "ان الحكومة الانكليزية تعتبر انّه إذا كان ذلك الموظف "يوسف" يتردد على اشخاص يجدون في العمل لتنظيم الارهاب في فلسطين، مثل عزة دروزة، ونبيه العظمة والحاج اديب، وعز الدين الشوّا، فانه يخاطر ليس بتعريض نفسه لخطر الشبهة بل بتعريض حكومته أيضاً. وان هيآت الدفاع عن فلسطين التي تشكلت في البلاد العربية السعودية، هي شيء ، وهيئة الدفاع الفلسطينية بدمشق هي شيء آخر[149].. الخ" ثم يطلب توضيح ماحدث..
رد ابن سعود
ارسل ابن سعود رسالة إلى الخارجية السعودية في جدة، رقمها 2916 ، تاريخ 19 ربيع الاول 1357 هـ ، استهل مقدمتها بشكر الانجليز على رسالتهم، موضحا ان هذا واجبهم ، واستبعد حدوث التصريح من قبل يوسف ياسين، متهما من يصرح بذلك بانه ليس رجلا عاقلا، ولا صاحب مروءة، لا لشيء الا لانه اعطى تصريحا ضد البريطانيين.. يقول عبد العزيز حرفيا : "ممنونين ـ أي متشكرين منهم بهذا التصريح . وهذا الواجب عليهم إذا سمعوا مثل هذا الكلام،اما مسألة يوسف، وكون انّه يقول هذا الكلام، فهذا شيء بنظري انّه بعيد إلى آخر درجة. ومتكلم هذا الكلام ما هوب رجل ـ أي ما هو برجل ـ عاقل ولا صاحب مروءة لالنفسه ولا لحكومته ولا حتّى لاهل فلسطين "!!
واضاف ابن سعود قائلا: "ولكن الذي اقول لهم بصراحة، كصديق مخلص يعرف صديقه غايته، انّه ما يذيع هذا الكلام سواء انّه ـ أي سواء كان ـ يوسف أو مكذوب على يوسف، الا رجل خالي من العقل (!!) والمروءة (!!) وخالي من معرفة السياسة(!!) لانه اولا: ان في الكلام تجازف "أي مجازفة" ما يمكن يتكلم به رجل فيه لب عقل.
الثاني: ان هالكلام ـ هذا الكلام ـ ضد مصالح فلسطين (!!) . الثالث: إذا كان يقصد المتكلم سوء التفاهم بين حكومة بريطانيا ، ولاعرف حقيقتنا .. ولكن الحقيقة انّه ما تكلم به الا شخصين : اما شخص عدو ليوسف، ويحب ان يوقع يوسف في شبهة من جهتنا،لان يوسف إذا تكلم بهذا الكلام، ان كان انّه حقيقة ، فيكون قد افشى سر حكومته(!!) ، فهذه تعتبر منه خيانة كبرى. فان كان الكلام ماله حقيقة، فيكون البس حكومته بلبس خسيس ما يليق بها. وهذا يكون منه اعظم، وكلا الامرين ما يتجازف ـ لا يجازف ـ يوسف بهما. أو يكون شخص من الاذناب الذي نعرفهم، ولا يمكن انهم يخفون على حكومة بريطانيا ، من الذين يذيعون الاذاعات الخبيثة، وهي ما تدخل العقل، يقصد بها احد امرين : اما لعله يدرك بعض الشبهة بيننا وبين حكومة بريطانيا، أو انّه عدو لاهل فلسطين بسببنا (!!) ..) وفي الختام تعهد عبد العزيز بابلاغ بريطانيا حالما يعود يوسف ياسين من دمشق ..
نتيجة
1 /ان عبد العزيز لا يؤمن بمساعدة الثوار،ويعتبر ذلك مخالفا للعقل وللمروءة وضار بمصالح فلسطين، ومجازفة أيضاً !!
2 / ويتهم آخرين من اهل فلسطين بانهم ينشرون هذه الشائعات لتخريب علاقته مع بريطانيا والعمل ضد مصلحة فلسطين ، وواصما اياهم بتهمة التبعية والعمالة (شخص من الاذناب )!!
3 / ان عبد العزيز ينفي نفيا قاطعا بأن هذا الحديث ليوسف ياسين لا يمكن حدوثه لا في المستقبل ولا في الحاضر. لان مواقفه معروفة لدى بريطانيا..
فهل هذا يكفي من يظن ان ابن سعود قام بدعم المجاهدين بكل مالديه من سلاح ومال وغذاء؟!!
وبعد يومين ارسل عبد العزيز إلى وكيل الخارجية السعودية بالنيابة إبراهيم بن معمّر رسالة يأمره فيه بأن يقابل الوزير المفوض البريطاني يخبره بانه ـ أي ابن سعود ـ كتب ليوسف يسأله فاجابه بأن (هذا امر ما صار ولا يصير، ولا يتكلم بها لا سياسي ولا مهبول، عن قطع العلاقات ومقاطعة الانكليز!!" ، وطالب بريطانيا اعتبار المتكلم من الاذناب سواء فلسطيني أو سوري أو غيره، وانه (كلام اوباش ومثل ما قيل نبح الكلام لا يضر السماء)!!
ثم يبرز الاسباب التي دعت ما اسماهم الاذناب الفلسطينيين إلى ترويج هذه الشائعات ، هو موقف عبد العزيز منهم في الحج حيث منعهم من عقد الاجتماعات التي توجه الناس إلى معاداة الانجليز، ومنعهم من توزيع منشوراتهم على الحجاج، فيقول: (واقول لهم بالصراحة، انّه بعد الحج هذه السنة موجب اجتهاد يوسف وفؤاد، على عدم الاجتماعات والمناشير وغيرها بموجب امرنا عليهم ، فأغلب اهل فلسطين وسورية صاروا اعداء لهم[150](!!)
ـ ويضيف ـ ان هؤلاء المذكورين ، لما ايسوا منا ـ أي اصابهم اليأس من عدم دعمنا لهم ـ ، وعرفناهم بعدم التظاهر "أي عدم مقارعة بريطانيا"، وانا على مجرانا الاول معهم "وهو إذا لم يطلبوا الحل من بريطانيا فلا دعم !!)، فلابد ما يزورون بشيء مثل امور ما تدخل العقل. فالمذكور يوسف، عن مقاطعة الحكومة الانكليزية وغيرها، من الامورالتي ما تدخل العقل (!!) . الثاني: الذي فيهم ريح من السابق (أي الذين ضد تحركاتنا منذ الاول)، يحركون بالامورعلينا بالاكاذيب والاشكالات ، يريدون الشقاق بيننا وبين حكومة بريطانيا)..
من المستحيل !!
وفي 1 يونيو 1938 م "12 ربيع الثاني 1357 هـ) وبينما كانت الدماء المسلمة تراق غزيرة في فلسطين بفعل الارهاب الصهيوني ـ البريطاني، تلقى ابن سعود مذكرة (سريّة) من المفوضية البريطانية تبلغه ان هناك اسلحة على وشك التهريب للثوار من شمال الجزيرة (الجوف) وتطلب منه التحقيق في ذلك .. فلنقرأ المذكرة والرد .[151]
المذكرة :
"كان قد تشرف وزير صاحب الجلالة البريطانية بان عرّف الحكومة السعودية،في مخابرة بتاريخ 28 ابريل، عن بلاغات مؤداها: ان اسلحة وذخيرة كانت على وشك التهريب، من الجوف إلى فلطسين ، ويرجو الان ان يبدي عن بلاغات أخرى قد وصلت إلى علم حكومة فلسطين،من مصادر شتى ، بسورية والعراق، تقول : ان الثوار [152]بفلسطين ، كانوا منذ عهد قريب يركنون بوثوق إلى وصول مساعدة عملية، من جلالة الملك عبد العزيز، بكيفيات عديدة، بما في ذلك المساعدة المالية، ومشترى الاسلحة والذخيرة من اوروبا ، برسم الارسال إلى الحكومة العربية السعودية اسما، ولكنها لاستعمال الثوار الفلسطينيين حقيقة.
ولا يسع حكومة صاحب الجلالة البريطانية، ان تتجاهل هذه البلاغات المتكررة، وهي على اية حال مضطرة بالنسبة لصداقتها، ان تحيط علم جلالة الملك بها، في حالة ما إذا كان هؤلاء الاشخاص الذين لهم مآرب خفية، ممن سبق ان اشار اليهم جلالته [153] ، يسعون وراء الحط من كرامته أو توريطه في المسألة على غير علم منه.)..
الرد السعودي
رد عبد العزيز على هذه المذكرة ببيان مطول بتاريخ (20 يونيه 1938 م) الموافق (21 ربيع الثاني 1357 هـ) ، ارسله إلى الخارجية السعودية، وطلب من وكيل الخارجية بالنيابة إبراهيم بن معمّر تسليمه يدا بيد إلى الوزير البريطاني المفوض السير بولارد، حسب تعليمات الملك في مذكرة سرية رقم 5 / 1 / 21 ربيع الثاني 1357 هـ ، جاء فيه :
(اننا نشكر للحكومة البريطانية، اخبارها لنا بكل ما يصلها عنا.. ونعتبر هذه المصارحة من الحكومة البريطانية وسيلة لفتح الباب لندلي بكل مالدينا في هذه القضية. . ونحن على يقين ان الصراحة في جميع ما اخبرتنا به الحكومة البريطانية ، سواء في المراسلات أو المحادثات التي جرت وتجري بيننا وبينها، ننعتقد انها اعظم واحسن وسيلة لتأييد الصداقة بيننا وبينها. وهي التي درجنا عليها منذ نشأتنا السياسية إلى اليوم)[154].
ثم يذكر ابن سعود الانجليز باخبارهم عن تحركات الدويش وابن رفاده[155]مضيفا:
"وتذكر الحكومة البريطانية انّه ، في الاعمال السابقة التي وقعت في بلادنا ، ولم تكن موجهة لطرف من اطرافنا، بل كانت موجهة لشخصنا البريطانية بما يصلنا عنها من اخبار واقوال، سواء ايام حركة الدويش واجتماعاته ببعض الموظفين البريطانيين، وسواء يوم خروج ابن رفادة من العقبة في رابعة النهار، بين سمع الموظفين هناك وبصرهم. وقد كان افضل شيء لمداواة مثل تلك الوقائع ، هو المصارحة والاخبار بما يصل لتجري معالجته".
ثم اعلن ابن سعود انّه برئ من كل ما نسب إليه من دعم للثوار واعتبر ذلك اتهامات، قائلا: "واننا حينما اطلعنا عل مثل تلك الاتهامات (!!) التي نسبت الينا، لم يكن في نفسنا تأثير ذو اهمية، لان الذي يعلم البراءة من نفسه لا يتشوش ذهنه حينما يسمع اتهامات تلقى حوله!!) ويضيف موضحا طلب الثوار من شخصه اسلحة ودعما (اما الحقيقة الواقعة فان اهل فلسطين، بعد ان رأوا من الحكومة البريطانية اصرارها على تقسيم بلادهم، ثم ما آلت إليه الحالة من جرّاء الاجراءات الاخيرة، اعتقدوا ان الحكومة البريطانية تريد افناءهم عن آخرهم، لتحل اليهود محلّهم في بلادهم . وهم بعد هذا الاعتقاد لم يتركوا بابا للمقاومة الا طرقوه ، ولا سبيل لنيل المساعدات الا سلكوه. وفي جملة الذين توخوا ان يلقوا منهم مساعدات بالمال والسلاح والقوة نحن بصورة شخصية، كما توخوا ذلك من اهل بلادنا".
ثم بين تأثر الرأي العام مضيفا: "لقد سبق ان اخبرنا الحكومة البريطانية، بالتأثير الحاصل في نفوس اهل بلادنا، وان اثر ذلك في نفوس النساء والاطفال، ان لم يكن بأكثر مما هو في نفوس الرجال المدركين للخطرالحاضر والمستقبل على العرب كافة، فهو مثله على الاقل..).
لو أطاعوني
"وفي اعتقادنا اليقيني ان افضل ما للعرب، لمصالحهم الحاضرة والمستقبلة، ان يكونوا مع بريطانيا اصدقاء على الدوام. ولو اطاعوني اهل فلسطين لا تخذوا المطالبة بالطرق السلمية، الوسيلة الوحيدة (!!) لمطالبهم مع بريطانيا.).
العقل يقول مستحيل
ويضيف (ونحب ان تتأكد الحكومة البريطانية، ان محاولات وجهودا كثيرة بذلت لدينا، لنوال مساعدات من أجل الثورة في فلسطين، ولكن لا يمكن انشاء الله ان نعمل عملا يخل بالتعهدات التي بيننا وبين بريطانيا (!!)، ولو عرضنا مثل هذه المساعدات على العقل، لادرك انّه من المستحيل على مثلنا، بعد الذي خبرناه ـ أي عرفناه ـ من امور الدهر ان يقدم على مثل ما يقال)(!!).. ولكن لماذا كان مستحيلا؟
يجيب ابن سعود: "لان فلسطين ليست امام اليهود وانما هي امام بريطانيا ، وفلسطين بالنسبة لبريطانيا ليست الا جزءا قليلا، لاقبل لها بشيء من قوات بريطانيا. ولو فرضنا ان قوات العرب الذين حولهم اجتمعت معهم على قتال بريطانيا ، فهل يمكن لهذا المجموع كله ان يغلب بريطانيا؟ فإذا كان هذا هو الواقع، فهل يمكن ان يخطر لنا على بال ان نمدّ اهل فلسطين بشيء من السلاح لا يغني عنهم فتيلا، ونوقعهم في مشكلات مع بريطانيا تكون سببا لذهابهم؟!). طبعا لا يمكن ان يساعد ابن سعود الثوار ليدافعوا عن وطنهم الذي يريد تقسيمه الانجليز وتسليمه للصهاينة. اما ان يتركهم فريسة للقتلة الانجليز واليهود دون معين فان ذلك اصلح لهم!!
وفي الختام يلخص ابن سعود موقفه من القضية في نقاط تسع هذه بعضها:
1 / لقد وردت لنا رسائل عديدة من بعض الحكومات العربية، ومن كثير من الجمعيات، يستحثوننا لطلب المساعدة والنجدة.. (والجواب معروف كما توضح).
2 / ان الشعور العام في بلادنا، متأثر من قضية فلسطين إلى ابعد مدى،ولولا خوفه من شخصي لاتى باعمال تزيد الموقف حراجة. (وهذا صحيح لان رأي الشعب مخالف لرأي ابن سعود الذي ارهبه ومنعه من مساعدة اخوته المسلمين الثائرين).
3 / اما نحن فانا لانزال على عهدنا الذي تعاهدنا مع بريطانيا عليه، وانه خير للعرب ان يكونوا عليى اتفاق مع بريطانيا في سائر الاوقات !!
4 / عملنا التحقيق الدقيق فيما ذكرته الحكومة البريطانية عن تهريب سلاح من "حقل" [156]، فلم نعثر على اثر لذلك، وظهر ان ما قيل لم يقع، وحققنا في جهات الجوف بعد اخبارالحكومة البريطانية لنا، فارتبنا بشخصين كانا قدما للتجارة ، فأخرجناهما!!.
5 / ان خطتنا التي نسير عليها في قضية فلسطين، هي ان نصارح الحكومة البريطانية وآرائنا فيها، مصارحة الصديق لصديقه، واننا من أجل ذلك نواصل نصائحنا الخاصة لاهل فلسطين بأن يتخذوا طريق التفاهم مع بريطانيا من أجل ذلك لانه اسلم الطرق للوصول للمقصود (!!)، ونحب ان تكون بريطانيا على يقين من اننا مازلنا ولن نزال اصدقاءها ، ولم ينقطع املنا في انصافها.
"عبد العزيز"
وبعد .. هذه هي مواقف عبد العزيز من دعم النضال العربي الفلسطيني ومن تجدد ثورة العرب في وجه المحتل ومن اهل فلسطين الذين كانوا بحاجة لكل طلقة في مواجهة عدو العرب والمسلمين الاستعمار البريطاني البغيض !! فهل يكفي ما ذكرناه؟!!
ابن سعود ومؤتمر لندن
ذكرنا في الصحافة السابقة ان الحكومة البريطانية عززت قواتها في فلسطين للقضاء على الثورة، وفرضت من موقع القوة خطتها لحل مشكلة فلسطين، كما اجبرت اللجنة العربية ونتيجة للضعف الذي لحق بها جراء نقص الدعم على القبول بحضور مؤتمر لندن، خصوصا بعد تراجع بريطانيا عن قرار التقسيم. وقلنا ان بريطانيا موشكة على الدخول في حرب مع المانيا، وهي تريد ترتيب اوراقها في البلدان العربية لتتفرغ إلى هتلر والحرب.
نعم لحضور المؤتمر
في 17 رمضان1357 الموافق (11 اكتوبر 1938) وصل إلى الرياض قادما من جدة الوزير البريطاني المفوض واجتمع بالملك عبد العزيز[157]، الذي اعرب عن رايه في ضرورة اتفاق العرب وبريطانيا لاقتضاء مصلحة الطرفين، موضحا ان حوادث فلسطين (يقصد الثورة) مؤلمة للعرب ومؤلمة للبريطانيين انفسهم !! ن وامتدح سيرة بريطانيا في الدول العربية معتبرا اياها "سيرة انصاف وراحة وسكون بخلاف البلاد الاخرى)!!
فشكر الوزير المفوض(بولارد) عبد العزيز على حسن ظنه ببريطانيا !
ومما قاله ابن سعود للوزيرالمفوض : "وان بريطانيا مادامت عازمة على هذا الاجتماع ، فلا شك في ان العرب سيلقون منها من العطف على مصالحهم ما يؤمن سير القضية بالعقل والعدل (…) كما اوضح انّه ليس مهما بحث مسألة الاستقلال ، وانما فقط موضوع الهجرة الذي اعتبره ابن سعود النقطة الاساسية !
نحن ضد المفتى الحسينى
في هذا الاجتماع اشار(بولارد) إلى ما جاء في بيان الحكومة البريطانية والذي احتفظت فيه لنفسها بشأن الاشخاص الذين تعينهم كمنتخبين عن فلسطين، وانها لا تقبل ان يكون احد منهم من المسؤولين عن الثورة !!، وهذا يعني استبعاد المخلصين والمدافعين بحق عن قضية فلسطين.
اجاب الملك موافقا على تعيين الحكومة البريطانية لممثلين عن فلسطين قائلا: (المهم في الموضوع اختيار الاشخاص المحنكين الذين يحسنون الفهم والكلام !! وان حضور الاشخاص الذين لا يقدرون الأمور (ويقصد الثوريين) ولا تكون لهم المنزلة الكاملة ، لا يمكن ان يفيدوا فلسطين ولا بريطانيا. ونحن على كل حال ما نقبل الاشخاص الذين يريدون ان يأخذوا الأمور بغير تعقل). ويقصد الاشخاص المتشددين والمطالبين باستقلال فلسطين صراحة.
واضاف بولاردمعلقا : "ان المفتي الحسيني لا يمكن ان يكون عضوا في المؤتمر !!) فأجابه الملك موافقا: "يمكن ان يرى بعض اشخاص آخرين يقومون باللازم)!!
كان ابن سعود والانجليز يريدون لفلفة القضية ولهذا عارض الطرفان اشتراك المفتي في المؤتمر برغم ان غالبية الشعب الفلسطيني كانت تدعمه.
يقول الكيالي في كتابه [158]: "ولقد اتضح منذ البداية بجلاء ان العراق والمملكة العرية السعودية مستعدتان لاستخدام نفوذهما لدى زعماء فلسطين لوضع نهاية للثورة، وتهيئة اسباب النجاح للمؤتمر.. وعندما اصبح اعتراض البريطانيين على اشتراك المفتي بالوفد الفلسطيني معروفا، كتب (مكما يكل) ـ المندوب السياسي البريطاني ـ يقول ان الاكثرية الساحقة من العشب الفلسطينيين اصيبوا بخيبة الامل ـ إلى ان يقول ـ وسرعان ما اتضح ان جميع الجهود التي بذلت للحط من سمعة المفتي قد ولدت عكس النتائج المرجوة منها.. ففي التاسع والعشرين من تشرين الثاني 1938 م، كتب الى وزير المستعمرات البريطاني مكدونالد يقول انّه تلقى اكثر من (180) برقية يعرب اصحابها عن الثقة بالمفتي واللجنة العربية، وكثير منها تحمل اسماء عدد كبير من الموقعين. وقد جاءت هذه البرقيات من مختلف انحاء فلسطين وهي تضم تواقيع اشخاص ينتمون إلى مختلف فئات الشعب بدءا برؤساء البديات ورجال الدين المسيحيين والمسلمين وانتهاءا باصحاب المتاجر والمحلات".
فبماذا يفسر وقوف ابن سعود بوجه المفتي الحسيني، الذي يعتبر آنذاك زعيم فلسطين الاوحد، والذي قبله الشعب ـ كل الشعب ـ ممثلا له، بغير العمالة للانجليز وترديد الموافقة على كل ما يطلبون ويقترحون؟!
الوسيط السعودي
قبل انعقاد مؤتمر لندن قام الملك عبد العزيز بالاتصال بملوك العرب وامرائهم، من جهة وبالحكومة البريطانية من جهة أخرى وكانت مهمة ابن سعود هي حث ملوك العرب المتبرنطين على المشاركة في مؤتمر لندن، فقد ابرق إلى ممثله في مصر في 27 / 10 / 1357 هـ يدعوه إلى مقابلة محمد محمود باشا رئيس الوزارة المصرية، ليحثه على الموافقة. على حضور مندوبين عنه إلى المؤتمر، وليخبره بأن ابن سعود يحب على الدوام ان يكون معه على اتفاق وتفاهم وتعاضد، في كل امر له علاقة بالمصلحة الإسلامية عامة والعربية خاصة!! والتي لم تهبط على ابن سعود الا في هذا الوقت، اما يوم كانت بريطانيا ترتكب مجازرها في فلسطين لم يتحرك لدى الرؤساء والملوك العرب لتوحيد كلمتهم امام بريطانيا لكي توقف مجازرها.
كما ابرق للمثليه في الحكومات الاخرى يدعوها لنفس الغاية غير المحمودة !!
واتصل أيضاً بالحكومة البريطانية لكي تطلق سراح بعض المعتقلين لتخمد جذوة الثورة عند الابطال المجاهدين ، وبالفعل لبّت الحكومة البريطانية واطلقت سراح البعض لتوهم الرأي العام الإسلامي بحسن نيتها، ولتقول لزعماء فلسطين اتركوا السلاح وتعالوا نتفاوض!!
وانعقد المؤتمر وتزايد القمع
اعلنت الحكومات العربية عن تشكيل وفودها، وكذلك اعلن الجانب اليهودي عن تسمية وفده..
كان رئيس الوفد المصري الامير عبد المنعم، والوفد العراقي كان يرئسه العميل البريطاني المعروف "نوري السعيد" ، ورأس الوفد اليمني الامير سيف الإسلام الحسين، ورأس وفد شرق الاردن رئيس الوزراء توفيق ابو الهدى، اما رئس الوفد البريطاني فكان وزير المستعمرات ماكدونالد، كما رأس الوفد اليهودي : الدكتور حاييم وايزمن، وبعضوية كل من : بن غوريون ، موسى شرتوك، برودفسكى، غولدمان.
وكان الامير فيصل ـ الملك فيصل فيما بعد ـ رئيس وفد بلاده، وكان الامير خالد ـ الملك خالد فيما بعد ـ ، وفؤاد حمزة، وابراهيم السليمان، وحافظ وهبة ضمن اعضاء الوفد ..
اما الوفد الفلسطيني فقد شكل تحت اشراف المفتي الحسيني، الا ان بريطانيا فرضت زعيم حزب الدفاع "راغب النشاشيبي" كاحد اعضاء المؤتمر برغم مخالفة المفتي.. وكان الوفد الفلسطيني برئاسة جمال الحسيني، وبعضوية كل من عوني عبد الهادي، راغب النشاشيبي، الفرد روك، موسى العلمي، امين التميمي، جورج انطونيوس، يعقوب الغصين، وفؤاد سابا.
وافتتح المؤتمر في 7 فبراير 1939 م ، وانتهى في 17 مارس، أي بعد مداولات دامت اكثر من شهر كان نتيجتها الاخفاق !!
في هذه الاثناء ـ وقت انعقاد المؤتمر ـ كانت قوات البريطانيين تشدد ضرباتها للثوار المعتصمين في الجبال للضغط على المفاوضين في لندن واجبارهم على قبول ما تقرره بريطانيا، ولكن الثوار فعلوا الشيء ذاته من تشديد ضرباتهم للانجليز لتعزيز موقعهم في المفاوضات.
وتمكن الثوار من تكثيف غاراتهم على الموظفين البريطانيين واليهود وممتلكاتهم، كما بدأوا بجباية الضرائب من المدن التي اصبحت حصونا للثوار.
عندئذ فرضت سلطات الاحتلال قيودا مشددة على وسائل النقل والمواصلات العربية، واضرب سكان القدس في شهر كانون الثاني 1939 م احتجاجا على اقامة مركز للبوليس داخل الحرم الشريف، وكثرت احتجاجات العرب على وحسية القوات البريطانية وشراستها، وعكفت مكاتب الدعاية الفلسطيينية على توزيع الكتب والمنشورات والصور الفوتوغرافية حول هذه الفضائع.[159]
اما عن المؤتمر ومادار فيه فيقول عزّت دروزه : (كان هناك مؤتمران : "عربي ـ انكليزي" و"يهودي ـ انكليزي" ، وافتتح تشمبرلن كلا منهما على حدة في قصر سان جيمس في اواخر كانون الثاني 1939 م، واخذت الجلسات تنعقد رسمية وخصوصية.."
الوفد السعودي يجتمع بالوفد الصهيوني
ويضيف عزت دروزه : "واجتمع مندوبي العرب "علي ماهر وفؤاد حمزة وتوفيق السويدي" بمندوبي اليهود "وايزمن ـ اول رئيس لدولة الصهاينة ـ وبن غوريون ـ اول رئيس حكومة للصهاينة ـ " بناء على الحاح الانكليز ، في جلسة خاصة في 23 / 2 / 1939 م) !![160]
واثناء الاجتماع العربي ـ الانكليزي كان ابن سعود كما يقول هو : على اتصال مباشر مع نجله فيصل، يزوده بآرائه وتعليماته .. ومن التعليمات الذي زود بها فيصل اثناء تواجده : هو الطلب منه ان يحصر البحث السياسي في مسألة فلسطين بين ممثلي الحكومات العربية وبين الحكومة البريطانية ، وانه على الفلسطينيين ان يثقوا بملوك العرب (!!) ولكن فيصل لم يطلع وقتئذ احدا علىهذا الكتاب لانه رأى الجو المحيط بالفلسطينيين مكهربا ، وان اقتراحا مثل هذا ما كان ليقبله الفلسطينيون.[161]
وكان قصد ابن سعود من هذا الطلب هو تجريد الوفد الفلسطيني المطالب والمتشدد بحقوقه وخاصة بحقه في الاستقلال، تجريده من شرعيته كممثل عن اهالي فلسطين .. ليتولى ابن سعود وحكام العرب المترنطين بيع القضية لنخاسي قصر سان جيمس، ذلك ان عبد العزيز لم يكن يقبل بمطالبة الوفد الفلسطيني بالاستقلال، فقد ذكر عوني عبد الهادي ان الملك عبد العزيز قال له بصراحة : ".. لم يستمعوا إلى نصائحي، كنت كتبت لابني فيصل،ان لايستمع لاقوال الحسيني[162]وعوني عبد الهادي، وان يعمل مع الانكليز للاتفاق على امرين : العفو العام، وتوقيف الهجرة. اما الاستقلال فيكون البحث فيه بعد الوصول لهاتين الغايتين [163]. ولكن فيصل اجابني بان الفلسطينيين لا يرضون بهذا وهو لا يرى ان يفاتحهم في الامر لاستحالة الطلب، وهو مستعد لترك المؤتمر والعودة إذا رأى جلالته ذلك.."[164]
اذن : عبد العزيز ضد المطالبة بحق الاستقال، ولهذا سعى للقفز على رؤوس المسؤولين الحقيقيين عن الثورة ليتاجر بها مع الانجليز ..
نهاية المؤتمر والثورة
استمرت المباحثات في لندن اكثر من شهر، واصبح من الواضح انّه من المتعذر الوصول إلى اتفاق، لان العرب يريدون الاستقلال وهم يشكلون الاكثرية "اكثرية ثلثي سكان البلاد" ، بينما كان اليهود يعارضون الاستقلال ماداموا اقلية اما المحاولات التي بذلت لانجاح المؤتمر من خلال الحصول على بعض التنازلات من المفتي فقد باءت جميعها بالفشل.
وفي نهاية المؤتمر عرضت حكومة لندن مقترحاتها النهائية جاء فيها : اقامة دولة فلسطينية ترتبط بمعاهدة مع بريطانيا وهذا يستدعي انتهاء الانتداب، وتكون الدولة المقترحة مشتركة بين العرب واليهود ، واشترطت بريطانيا ان تسبق اقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، فترة انتقال تكون فيها بريطانيا مسئولة عن حكومة فلسطين وان تكون الفترة عشر سنوات، اما بالنسبة للهجرة اليهودية، فيسمح لخمسة وسبعين الفا من المهاجرين بالدخول إلى فلسطين خلال الخمس سنوات القادمة،ثم تمنع الهجرة وبيع الاراضي !!
وكانت الحكومات العربية تحبذ قبول هذه المقترحات ، غير انهم كانوا يقولون انهم جاؤوا إلى المؤتمر لابداء النصح للوفد الفلسطيني، وان الكلمة هي للوفد المذكور اولا واخيرا..
ورفض الوفد الفلسطيني المقترحات رغم الحاح الوفود العربية على الوفد بقبولها![165]
وهكذا مهّد الطريق امام الانجليز لكي يعلنوا الحل الذي يرتأونه للقضية فأصدروا مشروعهم المسمى "بالكتاب الابيض" الذي ورد فيه:
1 / ليس من سياسة الانجليز ان تصبح فلسطين دولة يهودية.
2 / ليس من سياسة الانجليز ان تصبح فلسطين دولة عربية مستقلة .
3 / لا تستطيع بريطانيا وقف الهجرة اليهودية لان ذلك يضر بنظام فلسطين المالي والاقتصادي !!
4 / ان هدف بريطانيا هو تشكيل حكومة فلسطينية مستقلة ـ خلال عشر سنوات ـ ترتبط مع بريطانيا بمعاهدة.
5 / تقرر الحكومة البريطانية هجرة 75 الف يهودي خلال خمس سنوات !! [166]
وقد رفض عربب فلسطين ـ فقط ـ الكتاب الابيض كما رفضه اليهود، ورفضه اخيرا ملوك العرب تحت ضغط ورفض الزعماء الفلسطينيين.
ومع ان العرب الفلسطينيين كانت قد انهكتهم الاضطرابات واصبحوا متلهفين على السلام فان كثرتهم الساحقة لم تكن لتثق بنيات الحكومة البيرطانية وزاد تصلب الثوار تجاه الكتاب الابيض وقاموا بمحاولة لاعادة الثورة ولكن بات واضحا انّه بعد سنوات من الثورة اصبحت قوتهم وقدرتهم على مقاومة بريطانيا والصهيونية بقوة السلاح مضعضة ومستنفذه.
ان التعب من القتال والضغط العسكري المتواصل والامل في ان تتحقق بعض جوانب الكتاب الابيض بالاضافة إلى العجز في الاسلحة والذخائر، كل ذلك قد اسهم في عرقلة استمرار الثورة. وما ان اعلنت الحرب العالمية الثانية حتّى اخذت الثورة طريقها نحو الاضمحلال. ومن الطبيعي ان يحجب نشوب الحرب انباء السياسات والاضطرابات المحلية، وبذلك لاقت ثورة فلسطين الكبرى نهايتها بهدوء يكاد يكون مفجعا..[167]
وهذا ما يتمناه عبد العزيز واصدقاءه الانجليز !!
كنت مع وايزمن
في وقت كانت فيه ثورة العرب في فلسطين (1936 _ 1939 ) تسير فيه إلى نهايتها المفجعة بسبب نقص العتاد والسلاح، وبسبب ضغوط ابن سعود وملوك العرب المتبرنطين الامر الذي جرّ الثوار إلى المهادنة والخضوع. في هذا الوقت أي في نهاية عام 1939 م، تحدثت الانباء عن ان وايزمن الذي اصبح فيما بعد اول رئيس لدولة اسرائيل قد دفع لابن سعود مبلغ عشرين مليون دولار، ليتكفل الاخير باغاثة اللاجئين المنوي تهجيرهم وتوطين قسم كبير منهم في الجزيرة العربية لتكون بديلا لهم عن فلسطين!!
وقبل ان نخوض في التفاصيل والبحث في صحة الخبر أو عدمه، نسوق هذه الحادثة التي رواها جون فيلبي في محاضرته التي القاها في الظهران في (24 م 4 / 1955 م) كمقدمة للحديث ..[168]
حينما اشتعلت الثورة الفلسطينية عام 1936 م كان مستشار عبد العزيز "جون فيلبي" قد تلقى رسالة من السير برسي كوكس يأمره فيها بالتوجه إلى الاردن في مهمة ترويضية للامير عبد الله ـ الملك عبد الله فيما بعد ـ الذي يحاول الخروج عن الطاعة البريطانية، ويقوم بايواء العشائر الجزيرية الثائرة، وبعض الثوار الحجازيين ضد ابن سعود.
وبعد ان سافر فيلبي إلى الاردن روض عميل الانجليز عبد الله، بأن امر عدّة الاف من الاخوان بمهاجمته، ثم أمر قبيلة ابن عدوان في الاردن بالخروج عليه وتطويق قصر الشونة لارهابه، إلى ان خضع عبد الله وتعهد بعدم دعم اعداء ابن سعود.
وبعد ان روّض فيلبي عبد الله عرج على فلسطين وقابل ديفيد بن غوريون ـ الذي اصبح اول رئيس للوزارة الاسرائيلية ـ في تل ابيب حيث وجده فرحا لنجاح الوساطة السعودية التي اوقفت الثورة الفلسطينية التي كانت مشتعلة آنذاك "عام 1936 م" الا ان بن غوريون ابدى قلقه ـ كما يقول فيلبي من سبب ابتعاد فيلبي عن ابن سعود حيث قال له : ان وجودك "يا حاج عبد الله" مهم بالقرب من عبد العزيز هذه الايام، فأجابه : ان لعبد العزيز من الحصانة ما يكفي لتطعيمي وتطعيمك !!".
ثم يقول فيلبي في محاضرته : ان الحديث تشعب مع بن غوريون في امور هامة تتعلق بالشؤون العربية ومستقبل اليهود ثم اخذ فيلبي يحدثه عن مهمته وكيف انّه روّض الامير عبد الله والاخوان الذين وجد صعوبة في وقف تقدمهم في امارة الاردن مما جعله يوعز للطائرات الانجليزية لمهاجمتهم وكبح جحاحمهم !!
يقول فيلبي : "وبذلك اطمأن بن غوريون وابتسم معبرا عن غبطته باستقرارالامور لصالح ابن السعود، وبما توصلت إليه من ترويض للامير عبد الله بن الحسين، وقال بن غوريون وابتسامة الرضا بادية على وجهه : "اذن انت مازلت ايها العظيم على علاقة حسنة بالرجل العظيم؟"، قلت لابن غوريون : "من تقصد بالرجل العظيم ؟" فقال : "وهل هناك مقصود في المنطقة العربية خلاف ابن العم عبد العزيز بن سعود؟"!!
وتابع فيلبي محاضرته التي القاها في الظهران مؤكدا تأييد بن غوريون لاقامة مملكة ابن السعود حيث قال : ان جذور الملكية هي التي تضرب في الأرض اكثر من سواها، معتبرا ان الدول الملكية التي تحيط بفلسطين هي سياج حام لدولة اسرائيل المرتقبة الولادة.."[169]
ويتابع فيلبي حديثه قائلا : "وفي نهاية اللقاء طلب بن غوريون مرافقتي للاردن لمقابلة الامير عبد الله، ويومها رافقني واعددت له المقالة ، في مسكني ـ مقر المندوب السامي ـ رغم تردد الامير عبد الله في المقابلة ، والتي قبلها من باب استدرار عطفي، وفي اللقاء تبادل عبد الله وبن غوريون كلمات الود والتعاطف والمجالات وقطع الامير عبد الله وعده لبن غوريون في تلك المقابلة "بتأييد القضية اليهودية العادلة"..
من بن غوريون إلى ابن سعود
"وبعد الاجتماع حملني بن غوريون رسالة خطية لعبد العزيز، اسلمها له شخصيا حينما ألتقي به حين اعود إلى الحجاز.. ويردف قائلا.. والحقيقة انني تعودت قضاء فريضة الحج في مكة مع عبد العزيز كلما سنحت لي الفرصة لاكون قريبا معه من الله !!.. وسافرت من الاردن إلى مكة وهناك قابلت الصديق الصدوق عبد العزيز آل سعود، المتلهف لاخباري، وما ان قابلته في مجلسه الواسع وسألني عن "العلوم" أي الاخبار حتى افهمته باشارة يعرفها تمام المعرفة وتعني "ان فضّ هؤلاء الناس الموجودين في المجلس" ففضهم، ولم يبق سوانا نحن الاثنين، فطمأنته من انني صفّيت الوضع في الاردن لصالحه وصالح بريطانيا، ثم قرأت عليه رسالة بن غوريون التي قال فيها لعبد العزيز "يا صاحب الجلالة.. يا اخي بالله والوطن" ، وكانت لكلمة "صاحب الجلالة" رنّة في اذن عبد العزيز، فهي اول كلمة يسمها بعد توليه العرش [170]إذ لم يتعود من عرب نجد سماعها، حيث يدعونه باسمه المجرد "يا عبد العزيز" أو "يا طويل العمر" على اكثر تقدير.. وعندها استوقفني عبد العزيز عن تلاوتي لرسالة بن غوريون متسائلا يقول : "لماذا يدعوني ـ بن غوريون ـ صاحب الجلالة واخوه بالله والوطن؟! فقلت له: ان جميع اهل اوروبا لا يلقبون ملوكهم الا باصحاب الجلالة لانهم ظل الله في الأرض !!
اما قوله عن "اخوتك بالله والوطن"، "فكلنا اخوة له بالله والوطن، وانت اعرف بذلك"!! فقال ابن سعود : "الان فهمت .. اتمم رسالتك يا حاج" فتلوت قول بن غوريون : "ان مبلغ العشرين الف جنيه استرليني ماهو الا اعانة منا لدعمك فيما تحتاج إليه في تصريف ملكك الجديد".
وتابع فيلبي قوله : "لقد استوقفني عبد العزيز مرارا متسائلا عن الكثير من جمل تلك الرسالة من ذلك انّه سألني عن مبلغ الـ "20" الف جنيه قائلا : "وهل ينوي بن غوريون تهديدي بهذا المبلغ الذي بعثه بواسطتك؟ وهل عرفت حكومة بريطانيا العظمى بهذا المبلغ ؟ وهل استلامي له لا يغضب حكومة بريطانيا فتقطع عني المرتب الشهري ؟".
ويضيف فيلبي قائلا : وانتهى اللقاء بتحميلي وصية شفهية من عبد العزيز لبن غورويون يقول فيها : قل للاخ بن غوريون اننا لن ننسى فضل بريطانيا، وابناء عمّنا اليهود وعلى رأسهم كوكس، وندعو الله ان يلحقنا اقصى ما نريده، ونعمل من اجله لتمكين هؤلاء اليهود المساكين المشردين في انحاء العالم لتحقيق ما يريدون في مستقر لهم يكفيهم هذا العناء" ، ورجعت من الحج قاضيا حاجتي.. وفي اليوم التالي لوصولي للاردن بلغت رسالة "صقر الجزيرة" لبن غوريون. وصقر الجزيرة هو الاسم المتعارف عليه في ملفات المخابرات البريطانية ." انتهى.
لم يطرح احد من الكتاب الحكوميين هذه المحادثة كما لم ينفوها، ولهذا اعتبرتها مقدمة للدخول في تفاصيل الحادثة الثانية الا وهي لقاء وايزمن مع ابن سعود ورشوة الاول للثاني بعشرين مليون دولار.. راجيا من القارئ تأجيل حكمه على الحادثة الاولى بعد قراءة الثانية .
محاولة خبيثة
كتب الزركلي ـ احد مسؤولي وزارة الخارجية في عهد ابن سعود ـ كلاما كثيرا تحت هذا العنوان مدافعا عن ابن سعود، ونافيا لقاءه مع وايزمن ولكنه اوضح بعض النقاط في هذا الموضوع نتطرق لها في حينها.
لقد قدّم جون فيلبي نيابة عن تشرشل والمخابرات البريطانية اقتراحا لوايزمن يقضي بأن تتعاون أمريكا وبريطانيا لمساعدة الصهاينة في تهجير المواطنين العرب واخراجهم، ثم يتولى ابن سعود اسكانهم في مملكته بدعم مادي صهيوني !!
هذا مجمل الخطة التي تحدث عنها فيلبي لوايزمن زعيم الصهيونية خلال اللقاء الذي تم بين الاثنين في لندن بتاريخ (28 سبتمبر 1939 م) .
ويحدثنا فيلبي في كتابه "اليوبيل العربي" عن اتصالاته ودراساته، ملخصا اياها بثلاث جمل : "بسيطة، صريحة، شاملة" قائلا:
"ان تعطى فلسطين لليهود ..[171]وان يجلى العرب منها ويوطنّوا في مكان آخر، ويكون توطينهم على حساب اليهود .. وعلى اليهود ان يضعوا عشرين مليون جنيه استرليني تحت تصرف الملك ابن سعود لهذه الغاية" وزاد على ذلك : "وينبغي ان تقدم بريطانيا واميركا هذه المقترحات إلى الملك ابن سعود باعتباره الحاكم العربي الاول. ويجب ان تضمن له هاتان الدولتان معا تنفيذها ، بالنيابة عن العرب" ثم قال : "ويجب ان يلاحظ انه، فيما يتعلق بي ، لم يكن يدور في خلدي تقديم رشوة إلى ابن سعود ، لضمان موافقته على المشروع، إذ ان من الواضح ان المبلغ المقترح ليس بشيء، إذا قيست بالنفقات التي ستحتاج اليها عمليات اغاثة اللاجئين وتوطينهم". ثم يذكر فيلبي انّه في اجتماعه بوايزمنن عرض عليه مقترحاته هذه ، وان وايزمن رحب بها. وانه اقتسم العمل معه ، على : ان يسعى وايزمن لحمل بريطانيا وامريكا على ان تتبنيا تنفيذ المشروع ، ويقوم فيلبي بالسعي لدى الملك عبد العزيز، للحصول على موافقته مقدما قبل الشروع بالعمل في الوقت المناسب ."[172]
ويمكننا ان نسجل بعض النقاط على هذا المشروع :
اولا : ان اتصال مستشار الملك عبد العزيز فيلبي والمقرب جدا من شخص الملك مع وايزمن له دلالته، وتطرح عليه اشكالات عديدة، إذ كيف يمكن ان يقوم مستشار حامي الحرمين بملاقاة زعيم الصهاينة ؟!
ثانيا: ان هذا اللقاء ليس الاول من نوعه، فقد ذكرنا اثناء عرض احداث مؤتمر لندن، كيف ان فؤاد حمزة احد اعضاء الوفد السعودي للمؤتمر قد قابل وفد الصهاينة برئاسة وايزمن وبن غوريون !! ، وإذا كان بعض الكتاب قد برر ذلك اللقاء بانه تم بدون علم الملك، وبأن فيلبي لا يمثل الا شخصه، فبماذا يبررون لقاء فؤاد حمزة مع الوفد الصهيوني في مؤتمر لندن والذي تم رغم معارضة الوفد الفلسطيني الذي كان حاضراالمؤتمر؟!
ثالثا: إذا صح ان فيلبي قام باللقاء دون علم الملك فانه دليل آخر على ان صانع العرش السعودي لا يكترث بالملك، ولا بمواقفه الخاصة، فهو المسير الحقيقي للحكومة وللسياسة الخارجية.. كما يدلل على نوعية تعامل مسئول المخابرات البريطانية مع عبد العزيز.
ونشير هنا إلى ان فيلبي كان قد اعطى تصريحات عديدة للصحافة الغربية موضحا موقف ابن سعود من قضية فلسطين ، وقد اثارت هذه التصريحات ردود فعل عنيفة في العالم الاسلامي، لهذا ارسل ابن سعود برقية للقنصلية السعودية بمصر بتاريخ 15 جمادي الاولى عام 1356 هـ ، يوضح فيها ان آراء فيلبي لا تعبر مطلقا عن موقف الحكومة وهذا نص البرقية:
"نخشى ان يحسب بعض الناس،ان كلام فيلبي وخطبه ومقالاته تعبر عن رأينا في قضية فلسطين وحيث اننا لم نكلفه بيان أي رأي أو اقتراح باسمنا، فاننا نرغب ان توعزوا إلى بعض الصحف لتنشر ان فيلبي صديق شخصي، وعلاقته بنا علاقة شخصية، ولمعاملات تجارية وما شكلها "!!". اما آراؤه السياسية فهي له، ولا تعبر عن فكرنا مطلقا"!! ونشرت الصحف كلاما حول هذا الموضوع، ولكنها لم تنشر البرقية الرسمية مراعاة لشعور فيلبي المنعوت بالصديق الشخصي للملك ـكما يقول الزركلي ـ !![173]
وكما يتوضح من نص البرقية ان عبد العزيز اراد منها تهدئة الرأي العام الإسلامي تجاهه لا غير، حتّى انّه لم يشأ ان يثير شعور فيلبي ، ولو كان صادقا فيما يدعيه لابعده عنه على الاقل،لكنه لم يفعل !!
رابعا: ان ما ذكره فيلبي في كتابه "اليوبيل العربي" يدل على انّه تصرف كنائب لعبد العزيز وكانت مفاوضاته باسمه وكذلك كان الاتفاق باسمه، ولم يكن عبد العزيز قادرا على رفض ما يعقده فيلبي ، هذا إذا اعتبرنا ان عبد العزيز لم يكن على علم بلقاء فيلبي ـ وايزمن !!
خامسا : لقد اعتبر فيلبي ـ الصديق المقرب ! ـ ان الرشوة التي تقدم لبن سعود لم تكن كافية لاغاثة اللاجئين، موضحا للقارئ انّه إذا ما رفض ابن سعود الموافقة على المشروع فان السبب هو : نقص الدعم للاغاثة لا اكثر، اما الأساس فليس هناك شك بقبوله . وهذا ما يفهم من قول فيلبي : "لم يكن يدور في خلدي تقديم رشوة لابن سعود، لضمان موافقته على المشروع، إذ من الواضح ان المبلغ المقترح ليس بشيء، إذا قيست بالنفقات التي ستحتاج اليها عمليات اغاثة اللاجئين وتوطينهم"!!
سادسا: يمكننا ان نلمس قبول ابن سعود بتفريغ فلسطين من اهاليها في قبوله بفتح ابواب بلاده للفلسطينيين ـ خصوصا بعد ان اشتدت الوطأة عليهم من الصهاينة بعد حرب 1948 ـ للعمل ووضع اكبر القيود عليهم لمنعم من ممارسة النشاط السياسي والدعائي، حتّى اصبحوا طلاب رزق لا اكثر.. وكان من الواجب دعمهم بالسلاح وشحنهم بالمعونات وجعل البلاد منطلقا لتحريكهم الثورة ضد الصهاينة.. وقد اعتبر كتاب النظام السعودي توطين اعداد كبيرة من اهالي فلسطين في الجزيرة واخماد تحركهم السياسي والثوري ومنعم حتّى من الدعاية ضد الصهاينة ، منّة من ابن سعود عليهم!!
سابعا : بقي ان نعرف لماذا اختير ابن سعود لهذه المهمة دون غيره من حكام العرب المتبرنطين؟ ولماذا اعتبر الحاكم العربي الاول ونائبا للعرب جميعا؟ وما هو المقياس لهذا الاختيار والاعتبار؟! وهل ان بريطانيا وامريكا ستعتبر ابن سعود الحاكم الاول بحيث انّه لو وقع على تفريغ فلسطين من اهاليها يعتبر كل حكام العرب وشعوبهم موافقين، هل ستعتبر الدولتان ابن سعود هكذا لو كان يعمل ضد مصالح الغرب؟
ماذا يقول وايزمن
ويقول وايزمن : "..ابان وداعي للسيد جون مارتن سكرتير تشرشل، الذي كان السكرتير العام للجنة بيل، تمنى لي تشرشل حظا سعيدا، ثم قال لي من دون ان اسأله : اود ان تعلم مكررا ان لدي مشروعا لا يمكن تحقيقه الا عندما تنتهي الحرب.
انني ارغب ان ارى ابن سعود سيّدا للشرق الاوسط، ورئيسا للرؤساء فيه، شريطة ان يسّوي الأمور معكم اولا، وتستطيعون بعد ذلك ان تأخذوا ما يمكنكم اخذه ، ولاشك اننا سنساعدكم، وعليك ان تحتفظ بهذا الامر سرا، وتستطيع ان تنقله إلى روزفلت حين تبلغ امريكا، فلا شيء يعجزنا انا واياه حين نتوجه بعزيمتنا إلى امر من الأمور.."[174]
ويمضي وايزمن قائلا : "ذلك كل ما قاله تشرشل، ولكنه كان شيئا كثيرا، حتّى لكأنما بهرنى، والحق اني لم اكن لاخذ كلامه حرفيا، لولا حادث عجيب قد حيرثي بعض الوقت، ولم يلح لي فيه معنى الا تلك الساعة، فقد لقيت قبل بضعه اشهر، سنت جون فيلبي ـ الرحالة المشهور في بلاد العرب ـ ، وموضع ثقة ابن سعود، وتحدثنا يومئذ عن فلسطين والعلاقات العربية، فقال فيلبي (اعتقد انكم ربما كنتم في حاجة إلى مطلبين لحل مشكلتكم في فلسطين : ان يقوم المستر تشرشل والرئيس روزفلت باخبار ابن سعود انهما يرغبان في ان يريا برنامجكم منوطا بالتحقيق والتنفيذ هذا المطلب الاول اما الثاني فهو ان يساندا سيادته على الاقطار العربية ويقدما له قرضا يمكنه من تطوير بلاده". قال وايزمن "وفي تلك الساعة ربطت بين عرض سنت جون فيلبي وخطة المستر تشرشل"..[175]
هذا ما يقوله وايزمن والذي يعتبر حديثه مكملا لما لما كتبه فيلبي، ويجدر بنا هنا ان نشير إلى بعض الملاحظات:
اولا : ان علاقة الصهاينة ببريطانيا وتشرشل لا يمكن ان تتجاهل " فصديق عدوك عدوك"، وعلى هذا فان الصداقة الحميمة بين تشرشل وابن سعود تطرح استفهامات عديدة. . سيما إذا علمنا تحكم الصهاينة وتغلغلهم في كل المؤسسات البريطانية العليا، والتي ينطوى عليها مخاطر عدّة على قضية فلسطين.
من هنا كان من الواجب معرفة ان كل المشاريع التي قدمتها بريطانيا لحل القضية مشبوهة، وكل من روّج لها ودعا اليها مشبوه أيضاً !!
ثانيا: ان المشروع الذي قاله تشرشل لوايزمن يلخص في نقطتين :
أ ـ ان يكون ابن سعود سيدا على اقطار عربية تحددها بريطانيا.
ب ـ ان يتفق الصهاينة معه ويسلمهم جزءا من الأرض التي يعطى اياها.
ويبدو ان بريطانيا من خلال هذا الطرح كانت تنوي تسليم ابن سعود فلسطين ليسلمها بدوره إلى الصهاينة ، الذي كانوا يعملون بل ويصرون على ان تكون فلسطين ملكا لهم..
ثالثا: وكما اكدّت مسبقا، ان مصلحة الغرب تتناقض مع مصالح المسلمين، وعليه فان مشروعا وافقت عليه أمريكا وبريطانيا ووافق عليه زعيم الصهاينة ، لا يمكن ان يكون فيه خير للمسلمين اليس كذلك؟!
يوم خاف الملك على فيلبي
وعاد فيلبي إلى مقره في الرياض قادما من لندن، ودخل على الملك عبد العزيز، في جملة المهنئين بالذكرى الرابعة عشرة لجلوسه على العرش في (8 / 1 / 1940 م) (26 ذي القعدة 1358 هـ) . ولم يكن من العسير على احد، ممن يعرفهم عبد العزيز، ان يتحدث معه على انفراد. فانتهز فيلبي فرصة الكلام، وحدث الملك عن المشروع لحل قضية العرب واليهود[176]بصوت خافت كالهمس. ولا احد يعرف ماذا كان الحديث وماذا كانت ردة الفعل؟.
ان اغلب من كتبوا حول هذا الجانب لم يذكروا بتاتا ان عبد العزيز رفض الاقتراح ، حتّى ان الزركلي اراد ان يستند إلى وثيقة رسمية وصفها بانها تنير السبيل حول اللقاء فلم يفلح لان الوثيقة لم تكن تحوي رد الفعل للملك، أو ان الزركلي حذف المقطع الحساس منها، اما الوثيقة فهي : "نقل اوروبي [177]إلى جلالة الملك ، رسالة عن لسان وايزمن، يعرض فيها عليه عشرين مليون جنيها، لقاء وقوفه على الحياد [178] في قضية فلسطين. وان رئيس الولايات المتحدة الامريكية يكفل وايزمن في تحقيق هذا الوعد".[179]
من جهة أخرى نقل فيلبي عن لسان الملك انّه امره بطي الحديث عن الموضوع، وظن عبد العزيز ان فيلبي اراد ان يختبر صدقه !!، وهذا يدل على موافقة ابن سعود لا على رفضه ، ذلك لان ابن سعود لم يخيب بريطانيا وعميلها فيلبي في أي امر تطلبه، وتصور عبد العزيز ان فيلبي يريد اختباره وهل انّه مازال يعتبر نفسه تحت تصرف الانجليز؟ ، وكان رده بطي الحديث علامة على انّه مازال عن حسن ظنهم به، وانه لا داعي لاختباره فموقفه معروف!!
ويذكرني هذا الموقف بحادثة بيع عبد العزيز لفلسطين حين كتب تلك الوثيقة والتي ذكر فيها : "لا مانع عندي من اعطاء فلسطين للمساكين اليهود كما ترى بريطانيا التي لا اخرج عن رايها حتّى تصيح الساعة".. ففي ذلك الوقت وبعد ان قدم تعهده لبرسي كوكس سأله فيلبي قائلا : الا تتوقع عظمتكم ان يغضب العرب عليكم فيما لو عثروا على هذه الوريقة؟ ! اجابه ابن سعود بعد حديث طويل "انت تمزح والا "أو" صادق يا فيلبي؟!"[180]
فلا مجال هنا للاختبار !!
اما ما علق به حافظ وهبه حول الاجتماع من ان الملك خاف على فيلبي من بطش الناس به [181]فما ذلك الا تزوير وخداع ونشر للاباطيل :
1 ـ ففي البداية كيف علم الناس بما دار في الحديث الذي كان همسا؟
2 ـ وثانيا ان من يحضر مجلس ابن عسود هم من حاشيته ، ويعلمون تمام العلم بعلاقة فيلبي به ، وحتى لو سمعوا مادار في الحديث وارادوا بطشا بفيلبي، لا يمكنهم ذلك، فهم اول من يعرف بسطوة ابن سعود وارهابه !!
3 ـ ثم لماذا يخاف ابن سعود على فيلبي ؟ ولماذا كان ردّه باهتا وغير واضح حيث امره بان يطوي الحديث عن الموضوع فقط !!، الا يستحق فيلبي المعاقبة على هذا التصرف "لقاءه مع وايزمن بدون علم الملك"؟!
وقد حاول الزركلي ـ جهد امكانه ـ ان يحشد كل مالديه من معلومات ليثبت براءة ابن سعود، وتعمد تزوير الحقائق حتّى انّه اعتبر فيلبي شخصا عاديا "لم تكن له صفة المستشار أو الثقة ولا اية صفة رسمية، أو شبه رسمية ، لدى عبد العزيز"[182]وذلك بغرض تقليل اهمية الحدث واللقاء طالما ان الامر تصرف شخصي !!
وحين عجز "ووقف حمار الشيخ في العقبة قال : "ومالنا ولفيلبي ؟" ثم راح يسرد لقاء مبعوث روزفلت مع ابن سعود للتدليل على ان عبد العزيز رفض لقاء وايزمن أو مندوبه !! ومع ان الموضوع واحد الا ان الدفاع ليس في محله فلكل حادثة دليلها .. والفترة التي تفصل بين الحادثتين تقدر باربع سنوات.
وبعد ان وضع كل ادلته استدرك قائلا : "واحب ان يعلم قارئ هذه الكلمة" ما ذكره حول رفض ابن سعود لقاء وايزمن" انني ما تعمدت فيها قط "…." الدفاع عن موقف عبد العزيز ، لانه في غير حاجة إلى الدفاع عنه "!" والحكم للوثائق "!!"[183]فلنقرأ معا وثائق وزارة الخارجية السعودية التي طرحها ـ الزركلي ـ في كتابه، والتي اشك انّه قدمها كاملة بدون حذف، كما اشك في ترجمته لها!! وعلى كل فان الوثائق ستدين ابن سعود كما تدين المدافع عنه!
وايزمن : اريد ان ازور الرياض !!
بعد ان ودع زعيم الصهاينة وايزمن ـ والذي اصبح اول رئيس لدولة اسرائيل ـ الرئيس تشرشل سافر إلى أمريكا بناء على دعوة من روزفلت، والتقى به وبحث معه المشروع الذي يقضي بتفريغ فلسطين من اهلها، وحثه على التوسط له لزيارة الرياض، فبعث روزفلت بمندوب عنه ذي رتبة عالية للملك عبد العزيز في يوليو "1943 " ، حيث قدّم رسالة من رئيسه إلى عبد العزيز كانت مؤرخة بتاريخ "7 يوليو 1943 م".
وجاء في الرسالة : "صديقي العزيز العظيم !" لقد كلفت الكولونيل هارولد هوسكنز، بجيش الولايات المتحدة واضعا فيه ثقتي الكاملة، ان يطلب مقابلة جلالتكم ليبحث باسمي، بعض المسائل الخاصة ذات المصلحة المشتركة!"[184]
ولكن ما هي المسائل الخاصة والمصلحة المشتركة؟! يجيب على ذلك هوسكنز، اثناء لقائه بعبد العزيز فبعد ان قدم هوسكنز عبارات الثناء والشكر قال : "وقد امرني الرئيس بصفة خاصة ان التمس من جلالتكم الاجابة على السؤال التالي:
هل ترون جلالتكم انّه مما يرغب فيه، وما يفيد في الوقت الحاضر، ان تستقبلوا هنا، في الرياض، أو في أي مكان آخر ، الدكتور حاييم وايزمن زعيم الصهيونيين، لكي تتحدثوا معه وتبحثوا معا عن حل لمشكلة فلسطين يرضى به كل من العرب واليهود؟
هذا هو سؤال روزفلت ، ولكن إذا استصعبتم هذا الامر ورأيتم انّه لايمكن اجتماعكم والدكتور وايزمن ، فيسأل الرئيس : هل ترون جلالتكم انّه مما يرغب فيه، ومما يفيد في الوقت الحاضر، ان يعقد اجتماع بين شخص تعينونه لينوب عن جلالتكم ، وبين الدكتور وايزمن أو شخص آخر يعين من قبل الوكالة اليهودية ، ويكون هذا الاجتماع إذا وافقتم عليه في مكان غير الرياض .
وبهذه المناسبة يمكنني ان احيط جلالتكم علما، بأن الرئيس روزفلت قد اخبر المستر تشرشل والمستر ايدن ، برغبته في ارسالي إلى الرياض، لمقابلة جلالتكم في هذا الشن، فعبّر عن موافقتهما على ذلك."!!
هذه هي المسائل الخاصة التي حث علهيا وايزمن روزفلت لارسال مبعوثه لعبد العزيز، فهل هي خاصة حقا، وذات مصلحة مشتركة؟!!
ويلاحظ هنا وقبل ان نقرأ ردّ ابن سعود ان أمريكا بدأت تتدخل في قضايا الشرق الأوسط ودوله وعلى رأسها "المملكة السعودية" وسوف نستعرض ذلك في الفصل الثالث انشاء الله. الا انّه يجب ان نعرف ان أمريكا لم تقدم على ارسال مندوبها إلى عبد العزيز الا بعد استشارة بريطانيا التي مازالت ممسكة بزمام الامر هناك، وهذا ما اوضحه هوسكنز في الفقرة الاخيرة من حديثه، مشيرا لابن سعود إلى ان بريطانيا موافقة ويمكن ان يتعامل معهم بانفتاح دون خوف من رد الفعل البريطاني !!
وهناك ملاحظة أخرى ذكرتها في مكان سابق وهي : انّه لو لم يكن لعبد العزيز استعداد للقبول، ولو لم يكن تابعا للغرب ما تجرأت بريطانيا أو أمريكا بطرح هكذا مشاريع!!
رد عبد العزيز
رد عبد العزيز على هوسكنز بعد ان شكر الرئيس روزفلت وبعد ان شكره هو شخصيا على لباقته وحسن تصرفه قائلا:
"ونحن إذ تسرنا الوعود الكريمة بالنظر في هذه القضية ـ قضية فلسطين ـ بوجه الحق والانصاف بعد اندحار المحور، فيمكننا ان نرجو من فخامته ـ روزفلت ـ تطبيق احكام الكتاب الابيض على الاقل في مدة هذه الحرب "[185].
"اما دخولي في مذاكرات لحل قضية فلسطين بصورة عملية، غير ابداء الرأي والنصائح، فذلك غير ممكن، ولا استطيع ان اعمل أي عمل الا بعد استطلاع افكار ذوي العلاقة، الذين في ايديهم الحل والعقد في هذه القضية. وبذلك يمكن توجيه الاراء لحل المشكلات، على ضوء هذه الافكار، فإذا رأى فخامته ان نقوم بمراجعة العرب، للاستفسار عن آرائهم ، فنحن نقوم بذلك ان شاء الله".
"واما ما ذكر فخامته، من جهة مقابلتي للدكتور حاييم وايزمن، فأحب ان يعلم فخامة الرئيس بأننا نقابل كل من يأتي الينا، من جميع الاديان بكل ترحاب ، مع القيام بالواجب لهم حسبما يقتضيه مقامهم من الاكرام، اما اليهود بصورة خاصة فلا يمكننا البحث معهم أو الوثوق بوعودهم، اولا : لاننا نعرف نواياهم نحو العرب والمسلمين..
وثانيا: لاننا لم نتصل بالعرب لنعرف رأيهم، وكما ذكرنا فيما تقدم، إذا رغب فخامته ان نقوم باستمزاجهم واستطلاع رأيهم ، فنحن نقوم بتحقيق تلك الرغبة حينئذ"[186].
ثم حمل على وايزمن امام هوسكنز معتبرا اياه مجرما ودنيئا، وانه كان يريد من رشوته له ان يكون خائنا لدينه وبلده .. الخ !!
ويستخلص من هذا الرد الاولي على طلب روزفلت ما يلي:
اولا : ان هذا الرد ليس نهائيا وقطعيا، سيما وان الحديث دار بين هوسكنز وعبد العزيز بشكل عام وفي جوعلني، ولا يمكن لعبد العزيز ان يتحدث صراحة حول الامر.
ثانيا: الملاحظ على رد عبد العزيز انّه بين سبب عدم قدرته على الدخول في مفاوضات ـ مذاكرات ـ مع وايزمن، وبصورة عملية وبالشكل الذي يريده اصدقاء عبد العزيزل له، انما يرجع إلى ازدياد الهوة بينه وبين الشعب الفلسطيني ، الذي فقد ثقته به. ولهذا حتّى لو تدخل عبد العزيز لاحياء المفاوضات فانه لن ينجح لانه لا يمتلك أي رصيد.. ولهذا قال : "ولا استطيع ان اعمل أي عمل الا بعد استطلاع افكار ذوي العلاقة، الذي في ايديهم الحل والعقد في هذه القضية".
ثالثا: إذا تبين لنا ان عبد العزيز رفض مقابلة وايزمن ـ ولو بصورة غير قطعيةـ فانه ابدى استعداده لحل المشكلة على أساس المشورع الذي قدمه روزفلت ، والقاضي بتفريغ فلسطين من اهلها واسكانهم في الدول العربية بمبالغ صهيونية، ولكن بعد مراجعة حكام العرب المتبرنطين الذي اشار اليهم بكلمة "العرب".. وهذا يتوضح في قوله : "ويمكن توجيه الاراء لحل المشكلات، على ضوء هذه الافكار ـ أي المشروع الذي قدمه روزفلت ـ ، فإذا رأى فخامته ان نقوم بمراجعة العرب ، للاستفسار عن آرائهم ، فنحن نقوم بذلك ان شاء الله " .. ولكن كيف يرفض عبد العزيز مقابلة وايزمن بينما هو يبدي استعداده لدعوة الحكام العرب للبحث في مشروع يبحث اخراج كل اهالي فلسطين من ارضهم ؟!!
رابعا: لقد تحاشى عبد العزيز ذكر زعماء فلسطين، بالاشارة إلى ما اسماه " ذوي العلاقة " اما إذا اراد ذكر الحكام العربن فانه يقول "العرب" ، على اعتبار ان هؤلاء الحكام هم نواب العرب!!
خامسا: اما سبب رفض ابن سعود للقاء وايزمن فهو لامرين:
1 / عدم ثقته باليهود وبوعودهم !!
2 / لانه لم يستطلع رأى الحكام العرب.
وإذا كان صادقا فيما يقول، فلماذا يكرر استعداده باستمزاج واستطلاع رأي حكام العرب من أجل المباحثات حول مقترحات وايزمن وروزفلت ومن أجل اللقاء معه؟!
سادسا: واخيرا فان الزركلي انهى حديثه عن هذا الحد، أي انّه بين فقط كلمة هوسكنز لعبد العزيز وردّه عليها، واتوقع انّه اغفل تفاصيل كثيرة حول الموضوع..
وقبل ان انهي الموضوع، اذكر بضعة اسطر سجلتها وزارة المعارف في كتب التاريخ التي تدرس تقول فيها : "ان الملك عبد العزيز ثار غضبه بشكل عصبي للغاية، عندما لمح احد رجال الخارجيةالامريكية بتقديم عون مالي له مقداره "20" مليون جنيه استرليني، مقابل التخفيف من حدة موقفه بشأن قضية فلسطين" [187] ، وتضيف في فقرة أخرى: "وبعد النكسة ـ حرب 1948 م ـ رحبت المملكة بألوف الفلسطينيين ليعيشوا فيها معززين مكرمين، يعملون بها في مختلف المجالات " ..[188]
وهنا تتضح لنا نقطة أخرى لم يشر اليها الزركلي، وهي ان هوسكنز قدم الاقتراح القاضي بدفع عشرين مليون جنيه إلى ابن سعود ليقوم باغاثة المبعدين من فسلطين !!، مع هذا هل كان استقبال عشرات الالوف من الفلسطينيين بعد حرب (1948 م) بندا من العقد المتفق عليه ؟!
الفصل الثالث
1 / الصراع الامريكي ـ البريطاني .
2 / فلسطين اثناء الحرب العالمية.
3 / ابن سعود وحرب 1948 م.
الصراع الامريكي ـ البريطاني
يمكننا تقسيم الفترة التي خضع فيها ابن سعود لبريطانيا على عدة مراحل:
1 / المرحلة الاولى وتمتد بين عامي(1901 م ـ 1933 م) أي منذ استيلاء عبد العزيز على الرياض إلى ان وقع على تسليم الامتياز النفطي إلى الشركات الامريكية "1933 م".. في هذه الفترة، كانت بريطانيا المسيطر الفعلي على ابن سعود ومملكته وليس هذا فحسب، بل ان العلاقات بين ابن سعود وبين الدول الاخرى كانت معدومة، فقد حصرها الانجليز بشخصهم فقط. ولهذا لم يجر ابن سعود أي اتصال بالخارج، وإذا اتصل به احد مسئولي الدول يبلغ بريطانيا عن ذلك فورا .. والاكثر من ذلك، رفضت بريطانيا السماح لعبد العزيز باقامة علاقات مع الزعماء العرب ، وخصوصاالزعماء الفلسطينيين رغم الحاحهم ، لهذا لم يهتم عبد العزيز بقضية فلسطين وشعبها، في هذه المرحلة، كما توضح ذلك في الفصل الثاني..
2 / المرحلة الثانية، وهي الفترة الواقعة بين عامي "1933 ـ 1939 ) ، أي في الفترة التي تلت توقيع امتياز النفط إلى ما قبل الحرب العالمية الثانية.. ويمكننا تسمية هذه المرحلة "بمرحلة الانفتاح النسبي الخاضع للسياسة البريطانية" ، فيي هذه المرحلة ابتليت بريطانيا ببعض المشاكل في مستمراتهان وبالذات في فلسطين ، فأوعزت إلى عبد العزيز باستلام دوره الموكل إليه لحلها ، سيما وانه حاز على سمعة جيدة بسبب تأمينه لمسير الحجاج، ولفلفة نفسه بالعباءة الإسلامية..
ولكي يستطيع عبد العزيز تنفيذ ما أمر به، سمحت له بريطانيا بالاتصال بملوك العرب وامرائهم وبعض الزعماء الفلسطينيين بشكل خاص، بالنيابة عنها.. ولهذا كانت له في هذه الفترة علاقات جيدة بامام اليمن وملك العراق، وبحكام مصر، وحتى داخل الأرض المحتلة في فلسطين !!
ولم تتعد العلاقات هذه الحدود ـ التي رسمتها بريطانيا ـ كأن يقوم بالاتصال مع الامريكيين أو الفرنسيين أو غيرهم، الا بالاستئذان ..
وعلى أساس الانفتاح النسبي الذي منحته بريطانيا لابن سعود، رأينا ان مجمل توجهاته كانت لتهدئة الثورة الفلسطينية ـ كما فصلنا ذلك سابقا ـ ، وكان معظم تحركه السياسي يدور في هذا الاتجاه، وهذه المرحلة لا تختلف عن سابقتها كثيرا.
3 / المرحلة الثالثة، وهي فترة الحرب العالمية الثانية "1939 ـ 1945 م) ويمكن تسمية هذه المرحلة "بمرحلة الصراع"، ففي هذه الاثناء دخلت بريطانيا الحرب ضد هتلر، فكانت بحاجة لدعم الحلفاء الاميركيين الذين لم يتوانوا في ممارسة ضغوطهم لتثبيت مواقعهم في مملكة ابن سعود، خصوصا وانهم يمتلكون موقعا هاما عبر شركات النفط المتواجدة هناك.
ولم تشأ بريطانيا في بداية الحرب ان تثير هذه المشكلة بوجه اميركا الا انها دخلت معها في صراع عنيف قبل نهاية الحرب، وتجلة ذلك في اللقاء الذي تم بين ابن سعود وروزفلت حيث ثارت ثائرة تشرشل آنذاك وطلب هو الاخر لقاء معه ، معتبرا تحرك روزلفت تهديدا لنفوذ الامبراطورية البريطانية..
اما موقف عبد العزيز من هذا الصراع فانه التزم بالحياد الظاهري، حيث استمرت اتصالاته بالجانبين المتنازعين ، ورغم انّه كان يميل إلى بريطانيا الصديقة التقليدية، الا ان المعونات الاقتصادية الامريكية ، ودور شركات النفط الامريكية رجحت جانب الاميركيين.
4 ـ المرحلة الرابعة، وهي المرحلة التي اعقبت الحرب العالمية الثانية إلى اليوم، حيث اصبحت اميركا المسيطر الفعلي على مجمل الاوضاع في الجزيرة. فبعد خروج بريطانيا من الحرب ضعيفة مهتزة الاقتصاد، رغم انها منتصرة عسكريا، سارعت أمريكا إلى نجدتها عبر "مشروع مارشال" لتقوم بريطانيا باعادة بناء اقتصادها ومؤسساتها التي هدّمتها الحرب.. هذا من جهة ومن جهة أخرى شرعت أمريكا بتصفية كل الاملاك البريطانية واستلام زمام الأمور مكانها ، بل ان أمريكا استخدمت اكثر من لعبة لاخراج زميلتها من مستعمراتها بما فيها الدعم المادي والضغط الدبلوماسي..
اما عبد العزيز فانه كان مع المنتصر القوي "اميركا" إذ لامجال للضعيف المتردي ولهذا شارك أمريكا ضغطها على بريطانيا للخروج من الخليج، وهذا ما توضح في قضية البريمي التي كان الاميركيون ضالعين فيها..
وقد ساءت العلاقات السعودية ـ البريطانية بتشجيع من اميركا إلى ان قطعت عام 1956 م اثر العدوان الثلاثي على مصر لتعود من جديد.. ولم يكن السبب الرئيسي في القطع هو العدوان بل كان مشجعا لا اكثر، اما السبب الرئيسي فهو الخلاف حول واحة البريمي بين عمان ومملكة آل سعود.
هذه هي المراحل التي مرّت فيها العلاقات السعودية ـ البريطانية ، إلى ان دخلت أمريكا كوريث طبيعي للمتلكات البريطانية.
الا ان عامل النفط كان له الاثر الحاسم في التواجد الاميركي، إذ ان بداية التواجد الامريكي كانت عبر شركات النفط، ومنها كان المنطلق في الهجوم على بقايا التواجد الانجليزي.
لهذا فاننا سنبحث بداية التواجد الامريكي وتأثيرات العلاقات السعودية ـ الامريكية على القضية الفلسطينية .
مقدمات
في خريف 1922 م وبينما كان عبد العزيز مخيما في (العقير) شرقي الاحساء ، بانتظار اللقاء مع برسي كوكس المعتمد البريطاني في الخليج ،وصل "الميجر هولمز" وهو "نيوزيلندي" كان يعمل في الجيش البريطاني في العراق ، وكان يطمح لاستكشاف كميات من البترول التي توقع وجودها في الجزيرة، والتي ستوفر له فرصة الحياة المريحة المرفهة في المستقبل..
طرح هولمز على عبد العزيز فكرة بيعه امتياز التنقيب عن النفط في الشريط الساحلي المحاذي لمياه الخليج، وافهمه بان ذلك سيوفر له مبالغ جيدة ومضمونة من النقود في حال نجاحه، ولم يكن عبد العزيز ليفكر في ابعد من ذلك فأقبل على النيوزيلندين ولكن رغبة الملك كانت ـ آنذاك ـ تحتاج إلى توقيع حليفه ـ كوكس ـ كي تتحقق.[189]
وحين سمع سير برسي كوكس بوجود غريب في مخيم الملك، وعرف انّه يسعى وراء امتياز للتنقيب عن البترول دعاه إليه حالا وقال له: "لا تستعجل الامتياز، فالوقت ليس ملائما له، لان الحكومة البريطانية لاتستطيع حماية شركتك"[190].
لم يكن السبب الذي طرحه كوكس مقنعا، كما ان السبب الذي ذكره ديكسن في كتابه (الكويت وجاراتها) والذي كان حاضرا للقاء الذي تم بين كوكس وهولمز، حيث قال : (لم يحظ هولمز باعجاب السير برسي الذي اعتبر وجوده هناك ضد مصالح حكومة صاحب الجلالة، فقد دخل هولمز ان جاز التعبير من الباب الخلفي …) !! هذا السبب غير مقنع أيضاً لان هولمز من رعايا بريطانيا ولكن من اهالي المستعمرات وعلى هذا فليس هناك أي خطر على المصالح الانجليزية..
اما السبب الرئيسي فهو ان كوكس كان يريد منح الامتياز إلى صديقه وزميله القديم، رئيس شركة النفط الانجلو ـ ايرانية في عبدان ، ولهذا طلب من عبد العزيز ان يرسل كتابا إلى الميجر هولمز يقول فيه : انّه لا يستطيع البت في طلبه الامتياز، قبل اجراء بعض التحريات ، واستشارة الحكومة البريطانية في الامر … وتردد عبد العزيز قليلا ، ثم مالبث ان رضخ للامر الواقع بعد ان لوّح كوكس مستعملا المعونة المالية السنوية وقدرها (60000) جنيه وسيلة للضغط .[191]
الا ان هولمز عاد من بغداد بعد ان قابل (امين الريحاني) والذي وعده بالتوسط وتهيئة الاجواء لدى عبد العزيز، حيث قابله ووافق على اعطائه الامتياز …
لم تكن الأمور لتسير بهذه السهولة لولا حدوث امرين هامين:
الاول : عدم تحمس رئيس شركة النفط الانجلو ـ ايرانية اللورد سير (ارنولد ويلسون) لحفر آبار جديدة تنافس بانتاجها بترول شركته التي تنتجها الحقول الايرانية ، مما قد يخفض اسعارها كما ان احتمال دخول منافسين غير بريطانيين ما كان واردا في هذه المنقطة الخاضعة للنفوذ البريطاني .[192]
الثاني : ان هولمز ضمن لعبد العزيز عدم معارضه بريطانيا، ويبدو انّه حصل على الضمان من مصادر مسؤولة عليا ضمنت هي الاخرى عدم معارضة كوكس لمنح الامتياز .[193]
وبدأ هولمز البحث والتنقيب ، ولكنه فشل في العثور عليه رغم وجوده ، من هنا يشكك بعض الباحثين في الفكرة الشائعة التي تقول : ان سبب الفشل هو عدم العثور على النفط وزيادة التكاليف . ويرون ان السبب يرجع إلى التضييقات التي كان يمارسها بحقه السير برسي كوكس !!
ومهما كان السبب فان هولمز فشل بعد سنتين من حصوله على الامتياز فترك الجزيرة إلى البحرين وتوقف عن دفع المبلغ المفروض ان يدفعه كل سنة وذلك في عام 1927 م فسط الامتياز !
ثق بالله ووقع
في سنة 1930 م كان ابن سعود يعاني من ضائقة مالية ، ذلك بان الدخول الرئيسي كان مستمدا من ضرائب الحج، وفي هذه السنة كان عدد الحجاج قليلا نتيجة عدم الاستقرار داخل المملكة والركود في الخارج، وكان المنتظر ان يكون عددهم في سنة 1931 م اقل. وبالفعل كان عدد الحجاج قليلا جدا في ذلك العام وما ان حل عام 1932 م حتّى ازدادت الأمور سوءا حيث توقفت كليا قوافل الحجيج التي يعتمد عليها ابن سعود كثيرا في الحصول على المال.. فشكا الوضع لمستشاره فيلبي [194] . فرد عليه فيلبي بان احدا لا يعطي مليون جنيه قبل تحرّ مبدئي لمصادر الثروة في البلد، ثم ذكر له اسم ثري امريكي اعتبره محبا للعرب ربما يستطيع ان يفعل شيئا.. ووعد فليبي عبد العزيز بانه سيتصل نيابة عنه بالشركات الامريكية، كما وعده بان يكون المبلغ الذي سيحصل عليه كبيرا، ووافق ابن سعود على ذلك وخوّله ببيع امتياز التنقيب إلى شركة من الشركات . وارسل إليه ـ فيما بعد ـ بمذكرة مؤرخة في 23 فبراير 1932 يقول له فيها انّه يضع فيه ثقته، ويطلب مساعدته ونصيحته ، ويأمل ان يحمي المصالح السعودية حمايته لمصالحه الخاصة ..[195]
وفي عام (1932) بدأ البترول يتدفق من الابار التي حفرتها الشركة الامريكية (استناندارد اويل اوف كاليفورنيا) في البحرين ، وفي النصف الاول من السنة التالية وصل مندوبو هذه الشركة البحرين باحثين عن عقود لشراء الامتياز من حكومتها التي كانت بدورها تبحث عمن يشتري الامتياز، وبسبب ذلك بدأ الصراع بين الشركة الامريكية، والشركة الانجلو ـ فارسية ، التي اعتبرت وصول الاميركيين تهديدا للنفوذ البريطاني في المنطقة، وفي الواقع كان ذلك مظهرا من مظاهر الصراع بين القوة الامريكية الاخذة في البروز وبين القوة البريطانية الاخذة في الافول ..[196]
وفور وصولهم اهتم الاميركيون بتهيئة الملك نفسيا لقبول عروضهم وتفضيلهم على البريطانيين الذين سارعوا بدورهم إلى ارسال مندوبيهم لشراء الامتياز قبل وقوعه في ايدي المنافسين .. واتصل الاميركيون بمستشاري الملك المحيطين به والقادرين على التأثير في قراراته ، فبدأوا (بجون فيلبي) الذي كان هو الاخر بحاجة للمال فعرض عليه (لويد هاملتون) ممثل الشركة الامريكية ان يدفع له الف جنيه شهريا مدة ستة اشهر على الاقل ، ومكافآت بعد توقيع الامتياز واستخراج البترول، فقبل فيلبي العرض دون تردد على ان يبقى امره سرا ..[197]
واضافة إلى فيلبي ـ المسؤول الاول ـ تحدث الاميركيون مع المستشار المالي للملك (عبد الله السليمان) وفوق ذلك رصدوا لعملية التنقيب مبلغا قياسيا بالنسبة لما رصده الانجليز ..
وقد حاول هؤلاء الاستعانة بفيلبي للضغط على عبد العزيز ، لكنه لم يفعل بحجة انه سيبقى على الحياد باعتباره المستشار الخاص للملك ..[198]
بعد هذا لم يكن هناك ثمة امل في حصول البريطانيين على الامتياز، فلملم ممثل الشركة الانجلو فارسية اوراقه ورحل تاركا الميدان الشركة الاميركية التي حصلت على الامتياز بشروط سهلة غير متوقعة ..
ويروي مازن البندك في كتابه (قصة النفط) ص 71 ظروف توقيع العقد بالقول : (بعد مفاوضات غير قصيرة [199]توصل الطرفان، الحكومة السعودية ويمثلها وزير المالية (عبد الله السليمان) ، وشركة (ستاندارد) الاميركية ويمثلها (لويد هاملتون) إلى اتفاقية الامتياز، وذهب وزير المالية ليقرها على الملك، ويأخذ موافقته عليها، ولم يكن الملك يعرف شيئا عن شؤون النفط فقد وضع ثقته في فيلبي، وكان يستعجل ان يستلم ثمن الامتياز . ويذكرفيلبي ان الملك كان ينام بينما وزير المالية يقرأ الاتفاقية ، وحين صحا الملك من غفوته ، كان الوزير لا يزال يقرأ ، فالتفت الملك إلى فيلبي وسأله رأيه، وحين ابدى موافقته ورضاه، امر الملك وزير المالية بتوقيعها قائلا: (ثق بالله ووقع) فوئق وزير المالية بالله ووقع وصدر المرسوم الملكي رقم 1135 باعطاء الامتياز إلى (شركة استاندارد اويل اوف كاليفورنيا).
وكان ذلك بتاريخ 29 أيار (مايو) 1933 م .. وبهذه الاتفاقية فتح باب الشرق الأوسط على مصراعيه للولايات المتحدة، التي وطدت احد قدميها في البحرين والقدم الاخرى على رمال الصحراء . لم يحدث ذلك فورا، ولكنه كان بداية انتهاء السيطرة البريطانية على الخليج، وبهذا لم تسمح بريطانية للاميركيين بدخول منطقة نفوذها فحسب، بل ضيعت أيضاً اكبر حقول البترول في الشرق الأوسط ..[200]وهذا ما يتفق عليه معظم الباحثين .
وبدأت الشركات الامريكية العمل التنقيبي ، وكانت الأمور مشجعة، حيث اكتشفت بعض الابار المنتجة للنفط ـ بكميات قليلة ـ في نهاية عام 1935 م، ولكن في نهاية عام 1936 م، وبالتحديد في 31 ديسمبر تدفق الغاز من بئر رقم (7) ثم وصل الحفر إلى ان تدفق النفط في مارس 1938 م بكميات تجارية لا بأس بها، ولم يخبر الملك بهذا الاكتشاف الا في نوفمبر من نفس السنة بعد ان حفرت خمس آبار أخرى كانت كلها منتجة.
ولكن بعد عشرة اشهر تقريبا أي في (3 سبتمبر 1939 م) اعلنت بريطانيا وفرنسا الحرب على المانيا، وكان ذلك كارثة لعبد العزيز ولارامكو .[201]
ازمة وصراع
فعلى اثر نشوب الحرب تقلصت اعمال الحفر والانتاج إلى ادنى مستوى ، وبعد ان اغارت الطائرات الايطالية على حقل البترول في الظهران، في اكتوبر (1940) حيث اصابت بئر رقم (12) اغلقت المصفاة في رأس تنورة واغلقت الارامكو ابوابها في الشرق الأوسط وعاد اكثر العاملين الاميركيين إلى بلادهم، إذ لم يبق منهم سوى (180) رجلا.
ثم حدث مازاد في تعطيل الانتاج ، ذلك بان الولايات المتحدة دخلت الحرب بعد الغارة الجوية اليابانية على ميناء اللؤلؤ (بيرل هاربر)، واخذ القادة العسكريون في كل المنطقة يفدون إلى الظهران طالبين استعارة الشاحنات والسيارات ومعدات اللحام واجهزة الحفر، فأخذت كل المعدات التي خزنت سنة 1939 م احتياطا لنقصها في حالة الحرب، وهكذا قلت السيارات في الظهران حتّى اضطروا إلى ا ستخدام الجمال في نقل الطرود في الحقل ..[202]
وقد تأثر الملك من انخفاض دخله الذي يسير نحو التقلص، وكانت هذه الضربة الموجعة الاولى، اما الثانية فقد نتجت عن هبوط عدد الحجاج في السنوات الحرب بسبب عدم توفر السفن، وهذا ادى إلى انخفاض الدخل اكثر فأكثر ذلك ان ابن سعود كان يعتمد في الدرجة الثانية على رسوم الحج والضرائب الباهظة التي يفرضها على الحجاج.
وجاءت الضربة الثالثة حين انحبس المطر في الشتاء وما نتج عنه من جفاف في واحة الاحساء قضى على المحصولات الزراعية وعلى كثير من المواشي التي كان يأخذها عبد العزيز من الفلاحين باسم الزكاة والضرائب والمكوس !![203]
في هذا المأزق المادي الذي وقع فيه ابن سعود، حاولت كل من بريطانيا وامريكا مساعدته لتعزيز مواقعها في ارض الجزيرة العربية، ففي عام 1940 م قدمت بريطانيا مائة الف جنيه استرليني كقرض له، اما ارامكو فقد قدمت مبلغ (2980988) دولارا، اضافة للمبلغ الذي قدمته عام 1939 م والذي كان (1711692) دولارا ..[204]
ولما كانت هذه المبالغ (القروض ) غير كافية لتصريف امور البلاد في ظل الازمة الاقتصادية الخانقة، ارسل ابن سعود وزير ماليته عبد الله السليمان في (18 يناير 1941 م) ليقابل مدراء شركة ارامكو وليستجديهم سلفة فورية تقدم على حساب ريع البترول قدرها ستة ملايين دولار ، وذكر وزير المالية مدراء الارامكو بمنح الامتيازات غير المحدودة التي قدمها مؤخرا ، كما ذكرهم بوضع الملك المفلس..
ووافقت الارامكو على اقراض الحكومة ثلاثة ملايين دولار، ووعدت ابن سعود بانها ستقدم ما تستطيع من معونة بعد عام 1941 م إذا ما استمرت الحالة الدولية الراهنة، واكدت الشركة انها تدرك تماما ارتباط بمصالح حكومة صاحب الجلالة..
من ناحية أخرى رأت شركة الارمكو اقناع الولايات المتحدة بمساعدة الملك ، فالمعروف ان وزارة الخارجية الامريكية سرّها امتداد النفوذ الامريكي إلى المملكة العرية السعودية، التي كانت في السابق تحت النفوذ البريطاني وقد يكون بالامكان اقناعها بالخطر الذي يهدد المكاسب الاميركية في المملكة ..[205]
وقابل موفت ـ احد مدراء ارامكو ـ والذي كان عضوا في وزارة الخارجية الامريكية، الرئيس الامريكي روزفلت ، وشرح له صعوبات الملك ووضع الشركة، ثم اكد له ما لامتياز السعودية من اهمية استراتيجية للولايات المتحدة ثم طلب قرضا من الحكومة الامريكية لتقوية مركز الملك السعودي . اجاب روزفلت بانه ليست هناك طريقة لتقديم القرض بموجب القوانين الامريكية القائمة، ولكنه اقترح ان يشتري الاسطول الامريكي من ارامكو بترولا بموجب اتفاقية بيع مدتها خمس سنوات توفر لارامكو دفع ستة ملايين دولار إلى الملك .[206]
واعد موفت مذكرة بذلك ، وقابل وزير البحرية ولكن الوزير رفض شراء النفط بحجة ان الاسطول في تلك المنطقة لا يحتاج إلى هذه الكمية الكبيرة من الوقود، وان الاموال غير متوفرة لديه.. وقد حذر موفت في مذكرته قائلا : (نحن نعتقد انكم إذا لم توفروا الاموال إلى ابن سعود حالا، فان هذه المملكة المستقلة (!!) وربما العالم العربي كله سيصبح معرضا للفوضى ) ، كما حذر من انّه سيكون مضطرا لطلب العون من الحكومة البريطانية.
كان للحكومة البريطانية دافعا قويا لدعم ابن سعود، فبدأت تعوضه عن خسائره البترولية بقروض سنوية زادت عما قررته الحكومة حيث تجاوزت القروض (سبعة ملايين) دولار لعام 1941 م .
وحث هوبكنز مساعد روزفلت الرئيسي، بريطانيا لدعم عبد العزيز من قرض الاعارة والتأجير الذي دفعته اميركا لبريطانيا والبالغ (400 الف مليون دولار) ، فارسل في 12 حزيران 1941 م مذكرة للحكومة البريطانية يخبرهم بذلك، في الوقت ذاته (14 حزيران ) ارسلت الحكومة البريطانية مذكرة لهوبكنز تقترح عليه منح السعودية قرضا بموجب قانون الاعارة والتأجير الذي اقره الكونغرس لمنح قروض لحلفاء الولايات المتحدة (الديمقراطية).
من هنا نرى ان اميركا كانت تسعى لدعم ابن سعود عن طريق قروضها لبريطانيا ، بينما بريطانيا ارادت السعي لدعمه ـ رغم كونها اكثر الدول تضررا من الحرب ـ باموال امريكية فكانت هي الرابح لاريب .. إذ تعزز موقعها عند ابن سعود كثيرا .. وكانت ارامكو تخشى بان مرور الاموال الاميركية عن طريق بريطانيا قد يعطيها نفوذا سياسيا متزايدا في البلاط السعودي…[207]
وقد بلغت القروض التي قدمتها بريطانيا للملك من 1940 إلى 1943 (34.397.780) دولارا، ااما ما قدّمته ارامكو في نفس الفترة فكان (7.800.884 ) دولارا، وبذلك انتهت ازمة عبد العزيز الاقتصادية.
الانذار الامريكي
وبرغم ان الامريكيين كانوا وراء ترتيب القروض التي قدّمتها بريطانيا للسعودية الا ان الفائدة كانت ترجع إلى الانجليز، الذين سدوا الفراغ الامريكي، وادركت الشركات الامريكية ان بريطانيا ستستغل هذه القروض لزيادة نفوذها وللحصول على نصيب من ثروات النفط. وقد خاف الامريكيون ان يكون البريطانيون قد بدأوا فعلا بالتنقيب عن النفط تحت ستار القضاء على الجراد..[208]
حملت الشركات الامريكية هذا الانذار لروزفلت ودعته إلى الدخول مباشرة في مسائل المملكة السعودية وتفويت الفرصة على البريطانيين، وقدم (روجرز) من شركة بترول تكساس مذكرة إلى لجنة التحقيق التابعة لمجلس الشيوخ، وصف فيها الوضع في سنة (1943 ) قائلا : ان بريطانيا تدعم الحكومة السعودية ماليا، ويبدو انها تريد ان تصبح المستشار المالي لهذه الحكومة بدليل اقتراحها خطة لاصدار عملة ورقية سعودية ، واقامة مؤسسة في لندن للاشراف على النقد السعودي كما دعا روجرز في سلسلة لقاءات مع الوزراء الامريكيين إلى وضع حد للنفوذ البريطانين وكان اكثر الوزراء اقتناعا (عارولد آيكس) وزير الداخلية الذي اقنع روزفلت بان البريطانيين يهددون امتياز البترول الامريكي في المملكة العربية السعودية، وانه يجب اتخاذ اجراء ما قبل فوات الاوان ..[209]
في نفس الوقت روّجت الشركات الامريكية وبالذات ارامكو، عبر الصحف الامريكية من ان احتياطي النفط الاميركي المستقبلي في خطر، وان اكتفاء اميركا الذاتي من النفط اصبح في ذمة الماضي ..[210]وان هناك حاجة لنفط الخليج خصوصا وان الحرب انتقلت إلى المحيطين الهندي والهادي .. الخ ..
ونجحت الشركات الاميركية في الضغط على روزفلت الذي قرر في 18 شباط (فبراير) 1943 م توسيع قانون الاعارة والتأجير بحيث يشمل السعودية ، ووجه رسالة إلى وزير الخارجية (ستيتينوس ) جاء فيها انّه اكتشف (بان الدفاع عن العربية السعودية هو امر حيوي للدفاع عن الولايات المتحدة) وانه على هذا الأساس يجب تقديم المساعدة وفقا لبرنامج الاعارة والتأجير، ولكن تقديم المساعدة يجب ان يكون لحلفاء أمريكا الديمقراطيين، وابن سعود ـ بالطبع ـ ليس منهم، وقد استعد هوبكنز للدفاع عن ديمقراطية ابن سعود، واوضح ذلك في رسالة للحكومة البريطانية قائلا : (انني لا اعرف كيف سنشرح هذا القرار لاعضاء مجلس الشيوخ ، ولا كيف سنقنعهم بان الجزيرة العربية هي ديمقراطية وقعت ضحية لعدوان فاشي.) لكن الشيوخ لم يطرحوا اسئلة حول هذا الموضوع فقد اعتمد قرار روزفلت بدعم ابن سعود باكثرية كبيرة [211] .. برغم ان هوبكنز كان مقتنعا بعكس ذلك، وكان يقول : (من الصعب ان نسمي ذلك النظام ديمقراطيا)!![212]
وتحملت اميركا تسديد ديوان ابن سعود المستحقة لبريطانيا ، ودعمته بقروض أخرى مقابل عقود ايجار لمناطق سعودية، وهكذا وصلت اول بعثة عسكرية امريكية لتدريب جيش ابن سعود، وبد أسلاح الجو الاميركي في بناء مطار حربي في الظهران، قرب حقول النفط ، مما اعطى الولايات المتحدة مركزا مستقلا عن القواعد البريطانية، وقد اصبح هذا في وقته اكبر قاعدة جوية ما بين المانيا واليابان ..[213]
وهكذا دعمت الولايات المتحدة تواجدها في الجزيرة العربية اقتصاديا وعسكريا ومن ثم سياسيا ، واخذ ابن سعود يتلقى المعونة مباشرة من الخزانة الامريكية.
وقد انزعج تشرشل كثيرا من هذا التحرك الاميركي مما حدا به إلى ان يبرق إلى الرئيس روزفلت ليقول له بعبارة بسيطة مباشرة : ان القلق يسود (هوايتهول) بسبب ان الولايات المتحدة ترغب في حرمان بريطانيا من مواردها البترولية في الشرق الاوسط، والتي يعتمد عليها الاسطول البريطاني في تموينه .. وقد رد روزفلت على الفور قائلا : انّه يشعر بالقلق من الاشاعة التي تقول : ان البريطانيين يرغبون في الاستيلاء على موارد البترول في العربية السعودية !!
وفهم تشرشل على الفور مدى الخطر الذي اصبح يتهدد التحالف البريطاني ـ الاميركي ، فقرر ان يخفض حرارة المناقشة (لحاجته للدعم الاميركي سيما وان الحرب لم تنته بعد) ، وبعث برسالة شخصية إلى روزفلت يعرب فيها عن شركه للرئيس الاميركي وللتأكيدات التي اعطاها : بان الولايات المتحدة لا تتطلع بعين الطمع إلى حقول البترول البريطانية في ايران والعراق ، ثم اضاف يقول : ثم دعني ارد عليك بالمثل (انني اعطيك تأكيدي التام بانه ليست لدينا فكرة للاستيلاء على مصالحكم أو ممتلكاتكم في العربية السعودية ان بريطانيا لا تسعى إلى أي مكسب اقليمي أو إلى أي نوع آخر من المكاسب نتيجة للحرب، لكنها لن تقبل ان تحرم من المكاسب نتيجة للحرب لكنها لن تقبل ان تحرم من أي شيء تملكه شرعا!) [214]
وازدادت حدة الصراع
وبالطبع فان بريطانيا لا يمكن ان تتنازل بهذه السهولة عن ما تسميه ملكها الشرعي في الجزيرة العربية ، لكن الحقيقة التي تناساها البريطانيون انّه لا مجال لهم في السيطرة سياسيا مادام الاميركيون يمسكون بقوة على زمام الاقتصاد السعودي. . وانهم فقدوا ابن سعود منذ ان تساهلوا بدخول الشركات الاميركية عام 1933 م !
وقبل ان تضع الحرب العالمية الثانية اوزارها ازدادت حدة النزاع البريطاني ـ الاميركي على الجزيرة العربية، فقبل انفضاض مؤتمر يالطة في آخر مساء صرح روزفلت لتشرشل بكل ببرود، ان في نيته الذهاب غدا إلى مصر بالطائرة ليقابل ملك مصر وابن سعود وامبراطور الحبشة هيلا سيلاسي ..
كانت حيرة تشرشل واضحة ظاهرة ، ولم تكن الفرصة ملائمة ليسأل روزفلت عن اسباب هذه الزيارة .. وكان تشرشل يبدو في عصبية متزايدة وهو يقضي سهرة المساء ، وحين نفذ صبره اخذ يبحث في آخر الليل عن هوبكنز، وهو بادي الانزعاج ليعرف اسباب زيارة روزفلت، فاجابه بانه لا يعرف شيئا عن الموضوع!
يقول هوبكنز : (ولكن اجابتي لتشرشل لم تقنعه ، ولعله ظن ان هناك مؤامرة بعيدة المدى لنفس الامبراطورية البريطانية في تلك الجهات)[215].
في يناير 1945 م اتصل الوزير المفوض الاميركي في جدة (الكولونيل وليم ادى) بوزير الخارجية السعودية بالنيابة (يوسف ياسين) وسلمه رسالة سرية إلى الملك عبد العزيز تقول:
(ان الرئيس روزفلت يرغب في الاجتماع به، في مياه الاسماعيلية، عند عودته من مؤتمر يالطة).. ويقول الزركلي انّه وجد في مدونات وزارة الخارجية السعودية ان الملك اجاب فورا بالموافقة، وقال : هذه مصلحة ننتهزها لمساعدة فلسطين وسوريه ولبنان (…) [216]
وفي يوم مغادرة روزفلت قال تشرشل له بانه هو أيضاً سيذهب إلى مصر بعد زيارة لليونان وسيقابل الزعماء الثلاثة بعد رحيل الرئيس الاميركي وقد اشار هذا القول ابتسامة روزفلت لكنه بقي صامتا، لعلمه ان تشرشل يخاف من تحركه المشكوك.
ابن سعود يزف لروزفلت
اما ابن سعود فقد ارسل له الاميركيون طرادا خاصا إلى جدة ليحمله مع وفده البالغ عددهم (48) شخص .. كما نصبوا له خيمة فوق الطراد من (الموسلين الابيض)، لينام في الهواء الطلق، خلال رحلته في البحر الاحمر وعلق المدير العام لارامكو والذي كان حاضرا للمشهد قائلا: (انّه يبدو لي وكان ملكة سبأ تتوجه للقاء سليمان جديد)!![217]
ووصل الملك إلى البحيرات المرة حيث التقى بروزفلت الذي كان ينتظره على سطح الطراد (كونيري) بتاريخ 15 فبراير 1945 م اما مادار في الحديث فنتركه لمكان آخر !
وتجدر الاشارة هنا إلى ان ابن سعود وبعد شهر تقريبا من هذا الاجتماع (مارس) اعلن الحرب على قوات المحور داعما الحلفاء ..[218]
وفي اجتماع عبد العزيز بروزفلت، عرض عليه رسالة تلقاها من تشرشل يطلب فيها الاجتماع به وطلب رأي روزفلت بذلك فلم يعارض روزفلت لقاء ابن سعود بتشرشل.[219]
بعد يومين من هذا الاجتماع، اجتمع ابن سعود مع تشرشل في تاريخ 4 ربيع الاول 1464 هـ 17 فبراير 1945 م، وذلك في فندق (الاوبرج) على ضفاف بحيرة قارون، وكان هذا الاجتماع ردا من تشرشل على روزفلت .
هذه بعض فصول قصة الصراع الاميركي ـ البريطاني على الجزيرة العربية والتي انتهت بانتهاء الحرب العالمية الثانية، حيث خرجت بريطانيا ممزقة الاشلاء منهكة القوى، تستجدي العون الاميركي عبر مشروع مارشال.. في ذات الوقت زادت المساعدات المالية والعسكرية الاميركية بزيادة انتاج النفط، وقد وصف فيلبي عبد العزيز في هذه المرحلة بانه يشبه طفل يمتلك ثروة كبيرة ولا يحسن التصرف بها !!
فلسطين اثناء الحرب
قبل ان اتحدث عن موقف عبد العزيز من القضية الفلسطينية اثناء الحرب العالمية الثانية، ارى من اللازم توضيح موقفه من الحرب ومن الحلفاء ..
لقد اوضحنا مسبقا كيف ان الطائرات الايطالية دمرت احد آبار النفط في الظهران اثناء هجومها في اكتوبر 1940م .. وعلل بعض الباحثين بان القاء القنابل كان خطأ غير مقصود، ذلك لان عبد العزيز كان على الحياد!!
صحيح ان عبد العزيز لم يعلن الحرب على دول المحور حين قامت الطائرات بالقصف، والايطاليون يدركون تماما ان عبد العزيز ليست له أية قوة عسكرية تساهم بها، لكن بلاده اضحت معقلاً للشركات الغربية المعادية، وهي بالتالي احدى مرتكزات الغرب..
ويقول ـ الزركلي ـ ان موقف ابن سعود من الحرب العالمية الثانية يشابه موقفه من الحرب العالمية الاولى، وهو الحياد ليجنب شعبه غوائل حرب لا مصلحة له في التعرض لها..[220]
ولا نشك في ان موقفه في الحرب الثانية ، ففي الحرب العالمية الاولى وقف بوجه الاتراك ودعم الحلفاء بهجومه على حلفاء العثمانيين ، وحين دخل الانجليز العراق بارك لهم احتلالهم في برقية بعثها للسير (برسي كوكس)، ويوم سقطت الامبراطورية العثمانية ومزقت البلدان الإسلامية بعث بابنه فيصل إلى لندن بمعية (جون فيلبي) ليبارك لحكومة صاحب الجلالة احتلالها لفلسطين وشمال العراق ودول عربية أخرى ويهئنها بالنصر على الاعداء .. وقد اوضحنا هذا في الفصل الاول..
اما في الحرب العالمية الثانية فانه وقف مع الحلفاء الذين يسيطرون على بلاده ويدفعون له المال اللازم حين اشتدت ازمته الاقتصادية الخانقة في تلك السنوات العصيبة لا يمكن لسياسي ان يقول : ان عبد العزيز وقف على الحياد .. وحتى الزركلي ـ نفسه ـ يحدثنا عن شعور ابن سعود تجاه الحلفاء قائلا : (وجدير بالذكر ان الملك عبد العزير ، من بداية الحرب إلى نهايتها، حتّى في ايام اختراق (رومل) حدود مصر، كان لا يحب ان يداخله الشك في ان النصرة ستكون للحلفاء(!)، وكثيرا ما كنا نراه يصيح بضيفه الدائم (المستر فيلبي ) البريطاني، عندما يندحر البريطانيون امام الالمان: ويلكم ! ايش جرى يالانكليز؟ اهجموا، اضربوا، افعلوا .. يقولها متحمسا حماسة الساخط لا الشامت )… [221]
فهل يمكن ان يكون حاكم بمثل هذه الروحية محايدا؟ ! فإذا نفينا قدرة ابن سعود على المساهمة في الحرب إلى جانب الحلفاء ، ونفينا قدرته على التخلص من استعمارهم وهم الذين يقدمون له المال ابان مأزقه، إذا نفينا هذا، هل يكون هناك دعم غير الدعم المعنوي الذي يتوضح في مقولة الزركلي (كان لا يحب ان يداخله الشك في ان النصرة ستكون للحلفاء )..
اعلان الحرب لا يتناقض مع الحياد
ثم نسأل من يعتقد بصحة الحياد السعودي لماذا اعلن ابن سعود الحرب على دول المحور في مارس (1945) بعد لقائه مع كل من ورزفلت وتشرشل، وهل ان اعلان الحرب لا يتناقض مع موقف الحياد الذي اراد به تجنيب شعبه غوائل حرب لامصلحة له في التعرض لها؟!
اما الزركلي الذي يعتقد بحياد مليكه، فانه تجاهل الوثائق التي تعلن الحرب على دول المحور لكنه ذكر اعلان حكومته انتهائها، وهو بذلك يخالف ما قاله قبل صفحات.. يقول : (ونشرت ام القرى [222] في 16 شوال 1370 هـ (20 يوليو 1951 م) البلاغ الرسمي رقم (148) وفيه : تعلن وزارة الخارجية انهاء حالة الحرب التي كانت بين المملكة العربية السعودية والمانيا[223].
وقبل ان تعلن دول المحور هزيمتها بشهرين تقريبا، بعث عبد العزيز برسالة بتاريخ (10 مارس 1945) لرئيس الوزارة البريطاني تشرشل يهنئه مقدما بانتصار الحلفاء يقول في مطلعها: (انها لفرصة سعيدة ـ يا صاحب الفخامة ـ لاشاطركم السرور في انتصار المبادئ التي اعلنت الحرب من اجل نصرتها، ولأ ذكر الشخصيات العظيمة التي بيدها تصريف مقاليد نظام العالم…الخ[224].
والخلاصة ان عبد العزيز لم يكن محايدا في الحرب بل كان يميل كل الميل باتجاه الحلفاء، و يعمل لمساعدتهم وعدم ازعاجهم، وهذا ما يتوضح في الصفحات القادمة..
المهمة الوحيدة
لم يكن مطلوبا من عبد العزيز اثناء الحرب العالمية اكثر من تهدئة شعبه والشعوب العربية وبالذات شعب فلسطين. فقد خافت بريطانيا أن يستغل العرب انشغالها بالحرب فيقومون بالثورة ضدها وهي في وضع تحتاج فيه لكل جندي يقاتل دول المحور، فأوعزت لعبد العزيز تنبؤه بان هذه مهمته في المرحلة القادمة لمساعدة الحلفاء..
ولا يشك أحد في أهمية هذا الدور، الذي كان أحد الأسباب الرئيسية في انتصار الحلفاء.. يقول (روى لبكيتشر) في كتابه (العرب والشرق الأوسط) ص 70: (ان معونة ابن سعود لنا في كسب الحرب، ما زال الكثيرون غير مدركين أنها كانت عظيمة وجوهرية، وهو وإن لم يقم بتقديم عون عسكري، فقد قام بالمحافظة على الاستقرار في العالم العربي، في وقت كان من الممكن ان تتسع حالة الاضطراب أو الميول الجامحة إلى المحور[225]فتلقى بهذه المنطقة الاستراتيجية الهامة جدا، في أيدي الاعداء.. لقد نجا الجيش البريطاني بصعوبة من ثورة العراق في ربيع 1941، وتضاءل جيشهم التاسع والعاشر، في فلسطين وسورية والعراق، إلى أن أصبحا هيكلين عظميين بينما كان رومل يضغط على جيشهم الثامن، في صحراء شمالي افريقيا اعنف ضغط.. ولن شاركت القبائل العربية في ثورة من خلفهمن لكان في ذلك الهلاك) ويضيف (وعلى الرغم من وجود مجندين للمحور آنذاك، بين العرب، فقد ظل ابن سعود وفياً للحلفاء، لا يسمح ببادرة غدر تبدر، في أي مكان امتد إليه نفوذه. ولولا يده المهدئة، لا ضطر الحلفاء الى استعمال جيوش لحفظ النظام في بلاد العرب تكبدهم من النفقات أكثر بكثير من تلك المعونة قدموها إليه، لكي يتغلب بها على ضيق بلاده الاقتصادي)..[226].
وهذا القول يشابه ما كتبه أمين الريحاني في كتابه (ملوك العرب) صفحة 56 الذي كتب عن لسان ابن سعود: (يظن الناس أننا نقبض من الانكليز مبالغ كبيرة من المال، والحقيقة أن الانكليز لم يدفعوا لنا إلا اليسير مما تستحقه الاعمال التي قمنا بها لهم أثناء الحرب وبعدها، ونحن بينا وبينهم عهد نحافظ عليه ولو تضررنا في أنفسنا ومصالحنا)[227]وفي هذا القول اشارة واضحة للدعم السعودي للحلفاء، ووقوف ابن سعود إلى جانبهم لتسكين الثورات الفلسطينية التي لولاه لزعزعت بريطانيا في فلسين وتزعزع موقعها في الحرب.
يقول فيلبي حول هذا الموضوع في كتابه (ايام عربية): (ان خدمات عبد العزيز بن السعود لبريطانيا هي التي حملت المستر ونستون تشرشل على التفوه بالعبارات التالية عندما اجتمع بابن السعود عام 1945م في اوبرج الفيوم، بعد مؤتمر يالطة اذ قال: (انه شرق عظيم لي وسرور ما بعده سرور ان اجتمع الى الرجل، الذي برهن حقا على انه صديق في الشدة والضيق) وقال قيلبي انه في الوقت الذي عانت فيه بريطانيا و امريكا الكثير من المتاعب لتكييف اوضاع الشرق الأوسط لمجهودهما الحربي الطويل، كانت المملكة السعودية الدولة الوحيدة في العالم العربي التي لم تسبب للحلفاء أي قلق او ازعاج، وقد مضى على الحكومة البريطانية نحو عشر سنوات طويلة بين عامي 1917،1927 وهي عاجزة عن ادراك عظمة ابن السعود بالنسبة لها واهمية آل سعود في هذه المنطقة)[228].
حين التقيت بروزفلت
ما ان وصلت رسالة روزفلت الى ابن سعود التي يدعوه فيها لمقابلته حتى وافق قائلا: هذه مصلحة ننتهزها لمساعدة فلسطين وسوريا ولبنان فما هي المصلحة التي حصل عليها يوم التقى بروزفلت؟.
يحدثنا جواد عطار عن الروح التي سادت اللقاء بالقول: (وحين اقتربت ـ المدمرة التي تقل ابن سعود ـ من الطراد ـ كونيري أهدى الملك كل بحار أربعين دولارا، وكل ضابط ستين دولارا و لباسا عربيا وساعة ذهبية، وأهدى القبطان خنجرا ذهبيا، فاهداه القبطان منظارا ومدفعين رشاشين.. اعجب الملك ـ الذي اصبح لا يقوى عل المسير ـ بكرسي العجلات الذي يتنقل عليه الرئيس روزفلت، فقدم له الرئيس كرسيه الاحتياطي ووعده بارسال طائرة تتسع لعدد مختار من أفراد أسرته وحاشيته يتنقل بها بين جدة ومكة المكرمة والمدينة المنورة والرياض لأن السفر أصبح متعبا له ومرهقاً، ومقابل ذلك قدم له الملك سيوفا وخناجر مرصعة بالجواهر وعطورا في قوارير مزخرفة..[229])
أما الزركلي فينقل: ( لم يكتم الرئيس روزفلت إعجابه بالملك عبد العزيز، حين تلاقيا. كما لم يكتم الملك سروره لسنوح هذه الفرصة التي بث فيها "صديقه" مافي نفسه)..
ودارت المباحثات المشتركة في جو مغلق وفي ظلال المدافع البحرية الضخمة.. وأول ما تطرق له من بحث هي مشكلة فلسطين..، فقد بدأ روزفلت بطرح الموضوع العزيز على قلبه وهو مصير اليهود مستقبلا في فلسطين ـ كما يقو المؤرخ الفرنسي بنوا ميشان ـ.
لقد بحث الرئيس روزفلت قضية اليهود، بصفتها قضية تتعلق بفلسطين، وطلب من ابن سعود ان يوافق على مجيء يهود جدد إلى فلسطين، لأفتا نظره إلى انهم لن يمثلوا غير نسبة مئوية ضئيلة من مجموع السكان في العالم العربي!
وتقول المصادر الحكومية غير الرسمية: ان عبد العزيز رفض قائلا: يعود كل الى بلده!!
وتمم (بنوا ميشان) الحديث حول المناقشات التي دارت قائلا: (واخيرا غير روزفلت موضوع الحديث بعد ان تعب من انتظار امتيازات لاتأتي اليه، فطرح رغبات ومطالب القيادة الأمريكية العليا في الخليج، قال: أن اركان حرب الولايات المتحدة يتمنون ان يتمكنوا من استعمال شواطئ الأحساء ومرافئها طبقا لما يريدونه ويرغبون فيه، ليس فقط لإلجاء قوافلهم وتزويدها بالوقود بل أيضا لبناء قاعدة جوية قوية، تكون بمثابة قاعدة متحركة بين مسارح العمليات الأوروبية والآسيوية..)
(وعندما بدأت المناقشات كان ابن سعود أكثر لينا وتسامحا، فأقبل بكل بشاشة على عروض روزفلت لكنه طلب مقابل ذلك عدة أمور منها:
1 / إلاّ تتعرض العربية السعودية، بأي حال من الأحوال، لإحتلال عسكري، كما هو الشأن في مصر وسوريا والعراق وإيران!!
2 / ان الأراضي المطلوبة من الجيش الأميركي تؤجر له لمدة خمس سنوات فإذا مضت هذه المهلة عادة الأراضي الى الدولة السعودية بكل ما عليها من المنشآت.[230]
3 / يعطي بحكم الاولوية للحكومة السعودية قسم من الأعتدة الخفيفة المخزونة في (خرمشهر) ليسمح لها برفع مستوى التسليح عند الاخوان، وفي مقابل ذلك يتعهد ابن سعود بالامتناع عن مهاجمة الحلفاء ومقاومة كل عدوان يأتي من قبل قوات المحور.
4 / تؤيد الولايات المتحدة، وفقا للحريات الاربع المنصوص عليها في ميثاق الأطلسي، كل المبادرات التي تتخذها الدولة السعودية اسهاما في تحرير الشعوب العربية الموضوعة حاليا تحت الوصايات الأجنبية.
ليس يهمنا في هذا الموقع بحث هذه النقاط الأربع سوى الأخيرة منها، ويمكن استخلاص نتائج ماذكر حول لقاء ابن سعود ـ روزفلت في هذه النقاط:
1 / ان زيارة ابن سعود لروزفلت ولقائه به يدخل ضمن إطار النزاع الأميركي البريطاني.
2 / لم تحدد المواضيع التي تبحث اثناء الزيارة.
3 / كان جو اللقاء وديا للغاية.
4 / ان روزفلت ابتدأ بالحديث عن اليهود لتعاطفه مع الصهيونية، ولم يفاتحه عبد العزيز بموضوع أهل فلسطين.
5 / ان الاجتماع كان مغلقا لم يحضره إلا أشخاص معدودين من المترجمين الإنجليز، وكان عبد العزيز وحده معهم في الإجتماع..
6 / ليست هناك وثائق رسمية اعتمد عليها الزركلي، وإنما اعتمد على مذكرات كان قد كتبها بعض المسئولين في الرحلة فهي ليست دقيقة لعدم مشاركتهم في الإجتماع..
7 / لقد تحاش عبد العزيز على غير عادته، كتابة أية تعهدات تتعلق بقضية فلسطين، ولم يقبل من روزفلت تعهدا مكتوبا يضمن عدم قيام امريكا بأية حركة عدائية تجاه العرب وبالذات في فلسطين، وقد علل ابن سعود ذلك بالقول: (لا أريد كتابات بل أريد أن تعطى الكلمة من عبد العزيز لروزفلت ومن روزفلت لعبد العزيز)!![231].
8 / ان الغرض من هذا اللقاء بحث المصالح الأميركية ـ السعودية، بينما كانت قضية فلسطين تحوز على اهتمام روزفلت فقط.. والجدير بالذكر هنا ان الاهتمام بالدول العربية جاء في آخر قائمة الأربع نقاط. ولم يكن الهدف من طرحها سوى إظهار عبد العزيز نفسه كبطل للاستقلال العربي الشامل..[232]وقد وافق روزفلت على هذا البند لأنه يريد تصفية الأمبراطورية البريطانية ليحل محلها.. فقد قال: لقد انتهى وقت الاستعمار، وذهب عصر الأمبراطوريات السياسية الى غير رجعة، وأن من أهم مكاسب الحرب توجيه الضربة القاضية إليها!)[233].
ويعلق (بنو اميشان) على النقاط الاربع قائلا: (هكذا وبصورة خفية ودون ان يحدث ما يكشف الأمر أمام الرأي العام العالمي، وجهت طعنة محسوسة للتفوق الانكليزي في الشرق: لقد نجت الجزيرة العربية من منطقة النفوذ البريطاني، لتدخل في منطقة نفوذ اميركي)!!
وحول وعود روزفلت ومراسلاته مع ابن سعود التي تلت اللقاء يقول (عبد الله التل) في كتابه (خطر اليهودية العالمية) بالحرف الواحد: (سنة 1945م، كتب عبد العزيز آل سعود إلى روزفلت (10 مارس 1945) عن مشكلة فلسطين، ورد عليه روزفلت (5 أبريل 1945) واعدا إلاّ تتخذ الحكومة الأميركية أي قرار بشأن قضية فلسطين دون الرجوع إلى العرب واليهود. وكان روزفلت كاذبا مخادعا، لأن سياسته كانت دائما وابدا يهودية صهيونية ماسونية)..
آسف أيها السادة!!
بعد مجيئ الرئيس ترومان الى سدة حكم الولايات المتحدة أخذ يعطي التصريح تلو التصريح، داعما الصهيونية ومبديا تعاطفه معها ومع إقامة دولة للصهاينة في فلسطين.. ومما قاله ترومان في تلك الأثناء: (آسف ايها السادة، علي أن أرضي مئات الالوف من الشعب الذين يتوقون الى نجاح الصهيونية)..[234].
كما صرح في آب 1945م: (ان اميركا تقترح السماح بإدخال أكبر عدد ممكن من اليهود المهاجرين الى فلسطين) وأبدى عطفه على اليهود ومسعاهم لاقامة الوطن القومي!
وردا على هذه التصريحات سلِّمت رسالة (ملكية) الى القائم بأعمال مفوضية الولايات المتحدة الأميركية، جاء فيها: (سمعنا في الاذاعة أقوالا نسبت للرئيس (ترومان) عن مستقبل فلسطين و اليهود فيها.. ونخشى ان تكون أقوال الرئيس ترومان وصلتنا محرفة، وعلى غير حقيقتها..الخ)!![235].
فما زال عبد العزيز يحلم بأنَّ اميركا ومصلحتها متطابقة مع مصالح العرب والمسلمين، و لهذا فانه ما زال يشكك فيما سمعه، ويحاول أن لا تتخذ اجراءات إدانة ضد الولايات المتحدة، فقد بعث ببرقية لخير الدين الزركلي، ممثله في جامعة الدول العربية، يطالبه فيها بالوقوف امام الحكام العرب الذين يريدون مناقشة قضية فلسطين في أروقة الجامعة العربية وإصدار إدانة ضد اميركا. يقول عبد العزيز في رسالته المؤرخة في (20/8/1945م): (وانا اسمع دندنة عند العرب، قصدهم اجتماع هيئة الجامعة لاجل تبحث مسألة فلسطين. فأنا هذا ما هو من رأيي، ولا منه فائدة، لأنه ايش يبحث في المؤتمر؟ هل يعقد صلح او يعلن حرب؟) ثم يعرض عبد العزيز آراءه قائلا: (ولكن رأيي هو مثلما اخبرتهم سابق: ان ينتخبوا شخص يروح للندن، وشخص يروح لأمريكا، ويكون أحد هذين الشخصين عبد الرحمن عزام، ويكتب معه النقراشي كتبا للخارجية هناك، ويقول فيه انه بالنيابة عن مصر والبلاد العربية ويذكر الأمر اللائق والمناسب في الموضوع.. وعندي أنا، ان هذا العمل أحسن وألطف (!!)، حتى يتضح الأمر ونعرفه أيش هو[236]..)[237].
ونجح عبد العزيز في إقناع حكام العرب بعدم مناقشة قضية فلسطين، واتخاذ قرارات ضد (أميركا وبريطانيا)، كما نجح عبد العزيز في اقناعهم بالشخص الذي اقترحه وهو عبد الرحمن عزام الذي عزم على زيارة البلدين الغربيين..
قبل ان يسافر عزام، رد عبد العزيز على اقتراح كان قد قدم حول تأسيس مكتب للصحافة، لدعم قضية فلسطين، رد قائلا: (اما تأسيس مكتب للصحافة، وتعيين اسعد داغر، فهذا نحن نوافق عليه، والحقيقة انه من أحس ما يصير..)، وسياسة الصحيفة يريدها عبد العزيز ان تكون داعمه لسياسته، وطالب بأن يمتدح مكتب الصحافة السياسة الانجليزية والأميركية، للتعتيم على المواقف التي ينتهجها الغرب بالنسبة لقضية فلسطين يقول عبد العزيز: (.. ولكن نرجوهم ان يتخذوا قاعدة يمشون عليها، وهي قاعدة (الاعتدال). ويكون لا يتحاملون على الانكليز ولا على الأميركان ولكن يشوفون الحجج القائمة ويبدونها لهم.. و يمدحونهم بأنهم أهل عدالة وإنصاف، فستكون النتيجة أحسن ان شاء الله)..[238]
عبد العزيز واللجنة الانجلو اميركية!
في 29/1/1946 اعلنت بريطانيا، ان باب الهجرة سيظل مفتوحا بعد انتهاء المدة التي حددها الكتاب الأبيض، وان لجنة بريطانية، أميركية ستكلف بالتحقيق في ايجاد حلول للمسالة الفلسطينية!
لقد بدأت اللجنة الانجلو ـ أمريكية مهمتها برئاسة اللّورد موريسون نتيجة لتدخل الولايات المتحدة واستجابة الرئيس ترومان لنداء الحركة الصهيونية لإلغاء الكتاب الأبيض لعام 1939، تمهيدا لاستيلاء الحركة الصهيونية على فلسطين..
وقد طالب حزب الكتلة الوطنية، وعصبة التحرر الوطني بمقاطعة اللجنة لأنها ستلغي الكتاب الأبيض لعام 1939م، وستدفع بثقل الولايات المتحدة الأميركية الى جانب الحركة الصهيونية في ميدان فلسطين، لكن اللجنة العربية العليا ـ وهي المسيطر الفعلي ـ قررت الاستجابة لنصح بعض الدول العربية في التقدم بشهادتها الى اللجنة..[239].
وصلت اللجنة الى القدس في 6 مارس، ومن هناك انتشر الاعضاء في البلاد العربية المجاورة لدراسة المشكلة، وقد قدمت اللجنة العربية شهادتها و اقتراحاتها كالعادة والتي منها المطالبة بالاستقلال وإلغاء الانتداب ووقف الهجرة وبيع الأراضي، ومنع انشاء وطن قومي لليهود..
جاء بعض اعضاء الوفد لمقابلة الملك عبد العزيز في قصره بالرياض في (9 مارس 1946م)، لسماع رأيه في المشكلة[240].. وفي المقابلة بادر رئيس الوفد المرسل (سنجلتون) قائلا: ان اللجنة قد اوفدت من الحكومتين الأميركية والبريطانية لتجمع المعلومات والتقارير من الاطراف المختلفة لتقدم تقريرها إلى الحكومتين، وشكر عبد العزيز على قبوله لهم ليسمعوا آراء جلالته الشخصية في الموضوع.
أجابهم ابن سعود بالقول: انه وجميع العرب أصدقاء الحلفاء، ومن رأيه ان مصلحة العرب مسلميهم ومسيحييهم دوام الصداقة والاتفاق مع الحلفاء. وذكر انه سعى في أثناء الحرب، بالنصح للعرب والمسلمين خاصة، ولا سيما مسلمين الهند، بأن يكونوا على اتفاق مع بريطانيا لأن ذلك من مصلحتهم..[241]واتهمم ابن سعود في حديثه اليهود بأنهم لا يدخرون وسعا في إحداث الاختلافات بين العرب وصديقتهم بريطانيا واميركا. وعلق على ذلك بأن هذا ما يتجنبه العرب ولا يريدونه!
واضاف ابن سعود مؤكدا ارتباطاته منذ أراد الوصول إلى الحكم لبريطانيا قائلا: (أنني منذ ان اوجدني الله، وصرت أسعى لاستعادة ملك آبائي وأجدادي، ما عرفت من الدول غير بريطانيا ـ وكانت صديقتي ـ رأيت منها ما سرني، ورأت مني ما سرها ولما نشبت الحرب أيدت سياستها وسياسة حلفائها وشوقا مني بأن ذلك في مصلحتي (اولا) ومصلحة العرب جميعا (ثانيا)!!)
ويوضح عبد العزيز أوامر بريطانيا له لتسكين العرب ومطالبتهم بالسكون متابعا:
(لهذا السبب (رأت مني ما سرها) كانت الحكومة البريطانية، ولا تزال، ترغب إليّ ان اسعى للتوفيق بينها وبين العرب، منذ ايام الحرب وبعد انتهائها، اتقاء لحدوث المشاكل بينها وبينهم. وكنت اعمل ما في وسعي مع اخواني العرب وانصحهم بألاّ يجعلوا سبيل لحدوث اختلاف بينهم وبين بريطانيا. لأن اعداء الحلفاء هم اعداء العرب(…) ويجب علينا الصبر والتروي، وذلك لإعتقادي بأنه من مصلحة العرب)!
ويمضي عبد العزيز في اعترافاته موضحا وقوفه ضد ثورة العرب ومصالحهم قائلا: (ولقد بلغ مني الأمر، ان تكلمت امام جمع من المسلمين في مكة المكرمة ونصحتهم بأن يكونوا إلى جانب بريطانيا وحلفائها، لأنها صديقتهم وتدافع في حربها عن حقوقهم ومصالحهم (…)، وألاّ يدعوها في حرج من امرها..)!
(وعلى أثر ذلك تلقى علماؤنا كتبا من العلماء في بلاد المسلمين، تنتقد موقفي، ففاتحوني بما جاءهم، وابدوا لي انهم لا يتعرضون للمسائل السياسية[242]ولكنهم يعجبون من معاضدتي لبريطانيا في الوقت الذي تؤوي فيه اليهود وتوليهم على فلسطي. فأوضحت لهم الأخطار التي تستهدف لها اوطاننا، اذا انتصر اعداء بريطانيا عليها. فقالوا: هل تضمن ان بريطانيا اذا انتصرت، لا تؤيد اليهود ولا تؤويهم في بلادنا؟ وانها تعامل العرب في فلسطين بالعدل؟ فاجبتهم: اني لا اضمن ان تفعل بريطانيا هذا أو ذاك ولكن ما أعرفه عن بريطانيا ووعودها التي قطعتها على نفسها، هو انه اذا لم يقم العرب بأعمال ضدها، فإنها ستعاملهم بالانصاف..
وحول لجنة التحقيق الانجلو ـ أميركية خاطب عبد العزيز الوفد موضحا ان بريطانيا اتصلت به للضغط على اللجنة العربية لقبول التعامل معها.. وقال: (واذكر لكم امرا واقعا، وهو ان الوزير البريطاني المفوض بجدة، زارني بعد انتهاء الحرب بمدة وجيزة ورجاني ان ابذل جهدي لدى العرب لالتزام الهدوء، وأقنعني بأن هذا هو خير لمصلحتهم، فلم أدّخر وسعا في هذا السبيل الى ان وصلنا للموقف الذي نحن فيه)!
بعد هذا الموقف يضيف ابن سعود: (لقد وقعت الآن في مشكل خطير امام شعبي وجماعتي، وامام العرب والمسلمين، فإذا كانت بريطانيا تريد أن تعدل عن الحق الواضح، وان تذهب مواعيدها ـ يقصد وعودها ـ أدراج الرياح، فليس أمامي إلاّ أن أقول للمسلمين: دونكم ونفسي. اقتلوني ـ بابي و امي!! ـ او انزلوني عن الملك.. لأني مستحق لذلك.. وأنا الذي جنيت عليكم وثبطت عزمكم). ولكنه لم يقل ذلك للمسلمين، ولم يتنازل عن الحكم، ولم يدع غيره ينزله!!
ويستمر ابن سعود في حديثه للجنة التحقيق الانجلو أميركية مؤكدا انه لن يحارب اليهود ما دامت الحرب ستكون مع بريطانيا الداعمة لهم.. يقول: (ان الحرب لو كانت بين العرب واليهود لما تأخر العرب دقيقة واحدة عن خوضها، ولكن دفاع بريطانيا عن اليهود، يجعل الحرب بين العرب وبريطانيا.. والعرب( يقصد نفسه والحكام المشابهين له) لا يحبون محاربة بريطانيا، و اعتقد ان حكومة بريطانيا رشيدة عاقلة تدرك حقائق الأمور، وتعلم انه ليس من مصلحتها محاربة العرب ايضا)!!
انهى ابن سعود حديثه قائلا: هذا ما عندي وأن اردتم ان تستوضحوا عن شيء فأنا مستعد لإجابتكم، فبادره رئيس اللجنة بسؤاله مستغربا: هل تحدثت مع المستر تشرسل والرئيس روزفلت في هذه القضية؟.. وكان سر الاستغراب هو ان عبد العزيز عارض الهجرة وعارض إقامة دولة يهودية وذلك خلاف ما توقعه، لأن عبد العزيز على ما يبدو قد أعطى عهودا لروزفلت وتشرسل لإقامة دولة يهودية وذلك حين التقى بهم، لهذا كان سؤال رئيس اللجنة لعبد العزيز مذكرا إياه بمحادثاته ووعوده السابقة).
ولم يقتنع أحد أعضاء الوفد بإجابات عبد العزيز حول محادثاته مع تشرشل وروزفلت، لذا أكد عليه السؤال مرة اخرى قائلا: هل الحديث الذي تفضلتم انه كان بين جلالتكم والرئيس روزفلت، هو كل ما جرى بينكم من حديث؟! مشيرا لعبد العزيز بأنه قدم تعهدات بإيواء الفلسطينيين حال تهجيرهم وإقامة الدولة اليهودية وهذا يخالف ما يقوله لهم الآن! لكن ابن سعود أدار دفة الحديث قائلا: أنني طلبت من الرئيس روزفلت أن أتحدث معه كرجل مسلم عربي اسمه عبد العزيز، يتكلم مع رجل هو رئيس الولايات المتحدة اسمه روزفلت فقبل الحديث معي بهذا الاعتبار. وهكذا لفلف ابن سعود الموضوع وأخرج نفسه من المأزق، دون أن يجيب على السؤال!
وانتهى اللقاء مع أعضاء اللجنة، فشكره رئيسها وأعضاؤها كل بمفرده، على ما زودهم به من معلومات. وقالوا أنهم فخورون بها لصدورها عن أكبر رجل في العام العربي![243]
وقبل ان أذكر النهاية أذكِّر القارئ بما ذكره عبد العزيز قبل صفحات من انه اقنع من قبل الوزير المفوض للمشاركة في لجنة التحقيق الانجلوا اميركية، وللضغط على العرب (واللجنة العربية العليا) للمشاركة ايضا..
النهاية المعتادة
ان الانجليز يلجأون كلما تأزم الوضع في فلسطين إلى عملية تخدير وتصريف للطاقة الشعبية العارمة عن طريق لجنات التحقيق، كلجنة (بيل) ولجنة (وودهيد) واللجنة الانجلو ـ اميركية الأخيرة، وعن طريق المشاريع المحلية والدولية و العربية.. الخ..
وكان هدف اللجنة الأخيرة إخماد روح العرب الثورية التي قامت تطالب بحقوقها بعد ان انتهت الحرب العالمية الثانية، فأراد الانجليز و الامريكيون تمديد سكون وسكوت العرب لتنفيذ مخططهما القاضي بتسليم فلسطين للصهاينة.
بعد ان اجتمعت الوفود المتفرقة بعبد العزيز واللجنة العربية والصهاينة عادوا إلى لوزان في سويسرا في (28 مارس 1946) حيث وضعوا تقرير اللجنة الذي جاء محققا رغبات اليهود في ادخال مائة الف يهودي إلى فلسطينن فورا واستمرار الهجرة اليهودية إلى فلسطين (والابقاء على الانتداب البريطاني حتى يكون ممكنا قيام دولة او دول)[244]، واوصت كذلك برفع الحظر على بيع الأرض لليهود ليتسنى لهم امتلاك الأرض في اية جهة من فلسطين، وقد ظهر فيما بعد ان هذه اللجنة كانت صهيونية اكثر من اليهود انفسهم، وان عددا من اعضائها اجتمع بزعماء العصابات الأرهابية في فلسطين واستوحوا منهم التوصيات التي قدموها، وقد اعترف مناحم بيغن في كتابه (الثورة) بأنه التقى بعدد من اعضاء لجنة التحقيق وانهم شاركوه آراءه حول المشكلة الفلسطينية..[245]
مع العرب في غضبهم
استقبل الصهاينة ولا سيما في الاوساط الحاكمة في الولايات المتحدة التقرير بالاغتباط البالغ، ونشطت الوكالة اليهودية لخدمة الهجرة اليهودية، وتقدمت الى لجنة اللاجئين في هيئة الأمم بطلب لتقديم المساعدات اللازمة لكل من يطلب الهجرة، وتسهيل اسبابها، ومنحها الصلاحيات التي تخولها التعاون معها في تنظيم عملية التهجير والتوطين!
أما العرب، فقد عبروا عن استيائهم وغضبهم في مظاهرات واضطرابات واحتجاجات عمت أراضي الوطن العربي.
وتمشيا مع الموجة ركب عبد العزيز الموجة الساخطة بدل ان يواجهها فينكسر، فعارض تقرير اللجنة بصورة قوية مصرحا جلالته: (كنت أظن ان انكلترا وأميركا تقدران حقوق العرب وصداقتهم تقديرا يحول دون هذه الخيانة والغدر)..[246] و لكن ماذا تفيد المعارضة الكلامية بعد ان ضغط على اللجنة العربية العليا للمشاركة ولولا ضغطه لفشلت اللجنة وعادة ادراجها تجر اذيال الخيبة.
والطريف في الأمر ان الملك عبد الله الذي كان له دور كبير في هزيمة 1948م ومانتج عنها من قيام دولة اسرائيل، ركب هو الأخير الموجة وقال: (أننا نعاهد الله على الجهاد المقدس دفاعا عن فلسطين العربية..)!! والأكثر طرافة وسخرية ان ابن سعود امر خارجيته بجده في (6/5/1946) ان تقدم احتجاجا بهذا المعنى إلى مفوضتي أميركا وبريطانيا لنقله الى حكومتيهما، وكان من نتيجة ذلك كما يفاخر بذلك الزركلي ـ أن تسلمت خارجيته مذكرة من الوزير البريطاني المفوض، يؤكد فيها ان حكومته لن تقدم على تنفيذ شيء من توصيات اللجنة، وكذلك فعلت الحكومة الأميركية ـ كما يدعي الزركلي ـ.[247]
سنِّعها يا يوسف!!
في 17 شباط 1946م استقبل وفد اللجنة العربية العليا فقال لهم مطمئنا اياهم: (لا زلت اضع قضية فلسطين في قلبي، فاعمل لخيرهم وارجو الله ان يوفقني لما فيه الحق، وأنني دائم الاتصال بمن في يده الأمر، وما كنت لأرغب في الأقوال، فطريقتي هي العمل الصامت ـ على وزن السير في خطة الكتمان ـ، وسوف يأتي يوم تفشى فيه الرسائل مع من بيده الحل والربط(!!) وأنني ابذل الجهد لحل القضية حلا يتفق مع مصلحة العرب)[248]، وقد تم هذا اللقاء قبل ظهور تقرير اللجنة الانجلو أميركية المشؤومة..
ويذكر ان الوفد الفلسطيني جاء لمقابلة عبد العزيز ومعهم منشورات سلموها للملك عبد العزيز، وطلبوا منه (توزيعها على الشعب السعودي) لإطلاعه على مصير قضية فلسطين!.. فغضب الملك عبد العزيز، أولا: لتسميتهم الرعية السعودية بأسم الشعب السعودي!.. وثانيا: لطلب القادة الفلسطنيين من عبد العزيز بتعويد الرعية السعودية على توزيع المنشورات! هناك قال لهم عبد العزيز بصراحة: (ان الرعية السعودية فاهمة مصير فلسطين بدون منشورات)!، ويومها استدعى الملك مستشاره يوسف ياسين، رئيس تحرير جريدة (ام القرى) الرسمية وسلمه المنشورات قائلا: (سنِّعها)، فقام يوسف بحرقها، أما الوفد فقد اصدر الملك الى خادمه (الطبيشي) أمرا بإعطائهم بعضا من المال[249]وعاد الوفد مثقلا بالوعود السعودية الزائفة!..
مؤتمر لندن
بعد رفض العرب لتقرير اللجنة الانجلو أميركية، قدم رئيسها (اللورد موريسون) مشروعا لحل القضية عرف بمشروع موريسون، الذي يرتكز على تقسيم فلسطين إلى اربع مناطق من ضمنها منطقة عربية وأخرى يهودية.. ولكن بحثه أجّل إلى كانون ثاني 1947م..
وفي (22/7/1946م) تسلمت وزارة الخارجية السعودية مذكرة من الحكومة البريطانية تشتمل على دعوة لحكومة ابن سعود لإرسال مندوبين عنها إلى لندن لحضور مؤتمر فيها لبحث قضية فلسطين.
انعقد المؤتمر الذي دعا اليه وزير خارجية بريطانيا (بيفن)، حضره مندوبون عن الحكومات العربية (10 سبتمبر ـ 2 أكتوبر 1946م) وقد اخفق المؤتمر، مما دفع الحكومة البريطانية إلى تأجيله إلى شهر فبراير 1947م، وحينما انعقد مرة ثانية فشل ايضا، وعلى اثره قدم العرب والصهاينة والحكومة البريطانية مشروعات لم تقبل بأي منها الاطراف المعنية. وأظهر الانجليز مماطلتهم وعجزهم عن تحقيق أي حل عادل لمشكلة فلسطين.[250]وبعد فشل المؤتمر بيومين (4 أكتوبر) صرح ترومان ـ رئيس اميركا ـ مطالبا بإلحاح ادخال مائة الف يهودي إلى فلسطين آخرين فورا..
على أثر فشل المشاريع المنهزمة، اعلن وزير الخارجية البريطانية (المستر بيفن) في 26 شباط (فبراير) 1947م، عزم الحكومة على رفع القضية الفلسطينية الى هيئة الأمم المتحدة، وهذا ما يتمناه الصهاينة الذين يسيطرون على الأمم المتحدة سيطرتهم على المرحومة عصبة الأمم..
ونشط اليهود في تبني اجتماع عاجل خاص للأمم المتحدة للنظر في قضية فلسطين.. فعقدت دورة استثنائية في ابريل 1947م، اتخذ فيها قرار بإيفاد لجنة تحقيق دولية إلى فلسطين وذلك بتاريخ (15 مايو 1947م) للتحقيق في المشكلة!
وافقت حكومة الملك عبد العزيز على القرار وصدقته، لكن اللجنة العربية العليا اعلنت الاضراب يوم وصول اللجنة الدولية، وعقدت مؤتمرا كبيرا في القدس (6/7/1947م) نددت فيها باجراءات حكومة الانتداب وسياستها حول ملكية الاراضي و الغابات.[251]
عادت اللجنة الى سويسرا حيث وضعت قرارها باكثرية ثمانية اصوات مقابل ثلاثة اصوات، ورفعته الى الأمم المتحدة مطالبة بتقسيم فلسطين، فرفضه العرب ومن ضمنهم عبد العزيز، الذي يقبل بالمشاريع والتسويات دائما فاذا ما ظهرت النتائج مخزية فأنه يقف ضدها مع التيار المعارض لهذا ارسل ابن سعود مذكرتين إلى الحكومتين البريطانية والأميركية بتاريخ (27/9/1947)، يبين فيها اخطار ما قد يحدث من ردة الفعل في العالم العربي (…)، ويرجو فيهما الحكومتين ان تنظرا لقضية فلسطين على ضوء الحق والعدالة![252]
أنا اضمن أميركا!
قبل ان تصوت هيئة الأمم المتحدة على قرار تقسيم فلسطين، كان فيصل يمثل اباه في الجمعية العامة التي ادخل في جدول اعمالها مناقشة قرار التقسيم، وقد اختارته الوفود العربية ليكون الناطق الرسمي باسمهم، وكان من المعروف مسبقا ان الدول العظمى موافقة على قرار التقسيم الذي اقترحته اللجنة الدولية وخصوصا الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة، لهذا السبب طالبه المندوبون العرب باتخاذ موقف حازم وصارم في هذا الشأن. لكن فيصلا التفت اليهم قائلا ببرود: ان لا داعي ولا مبرر لقلقهم، وأخذ يؤكد لهم عداوة أميركا لتقسيم فلسطين(…)، وانها ستعارض بكل الحزم فكرة خلق دولة يهودية! ثم جاوز هذا الأمر فجعل من نفسه ضامنا لأميركا أمامهم.[253]
بعد كل المصائب التي حلت على العرب في فلسطين من دعم اميركا ورئيسها ترومان للصهيونية العالمية علانية وفي وضح النهار نرى فيصلا ـ الذي كان يريد ان يصلي في القدس(…)ـ يدافع عن اميركا ويضمنها!! ولا ندري على أي اساس اعتمد فيصل في ضمانه، وكل سياسة اميركا تسير ضد المصلحة العربية!
أثناء انعقاد الجمعية العمومية نشط المندوبون العرب محاولين احباط مشروع التقسيم، وكان بين العرب الأمير عادل ارسلان الذي ذهب إلى احد الوفود الاجنبية يستعطفه ليقف بجانب الحق العربي، فقال له احد مسؤولي الوفد: (لديكم ايها العرب الورقة الرابحة ولكنكم تخشون اللعب بها). واشار الى وزير خارجية السعودية الأمير فيصل ـ الملك فيما بعد ـ وقال له: (لو ذهب هذا الأمير إلى جورج مارشال وزير الخارجية الأميركية وهدده بقطع البترول اذا ما ناصرت اميركا اليهود، لوحدت هذه القاعة كلها تقف بجانب العرب)..[254]
وارسلت الوفود العربية عشية الموافقة على قرار التقسيم برقية الى ابن سعود يلحون عليه باصدار تصريح يهدد فيه بقطع البترول اذا صوتت اميركا على قرار التقسيم، فما كان منه إلاّ ان قال معاكسا: (أن المصالح الأميركية في السعودية محمية، وأن الأميركيين هم من اهل الذمة، وأن حمايتهم وحماية مصالحهم واجب منصوص عليه في القرآن الكريم).. من هنا يتبين ان ابن سعود لم يكن جادا في معارضته لقرار التقسيم، بل أن صديقه فيلبي قال في كتابه (اربعين عاما في البحرية): (لقد أعلن الملك رأيه بصراحة بأن العرب لن يوافقوا على التقسيم او يعترفوا بأي حق لليهود في فلسطين، ولكنهم سيذعنون اذا ما فرضته عليهم).
ويضاف الى ما ذكر ان وفدا من اللجنة العربية العليا جاء لأبن سعود طالبا منه قطع البترول فأبى موضحا انه ليست هناك علاقة بينه وبين السياسة، ووعد ببحث مسألة فلسطين التي تنتظر التقسيم مع الاصدقاء الأميركيين!
لقد سلم رؤساء الوفود العربية فيصل ولد ابن سعود زمام أمر فلسطين فلم يدافع عنها اعتمادا على ثقته بأن اميركا سترفض إقامة دولة يهودية وتقسيم فلسطين، وحين أقرّت الأمم المتحدة مشروع التقسيم في (29 / نوفمبر / 1947) وتأسيس دولة يهودية، أتهم بعض رؤساء الوفود فيصلا بخيانة فلسطين مع الأميركيين، سيما وأنه صديق حميم وله اتصالات مع السفير (جورج ودزورث)، مستشار الوفد الأميركي الى الأمم المتحدة، ولا شك ان فيصلا لقربه من هذا السفير يعرف ما ستتخذه الحكومة الأميركية من قرارات..
من جهة أخرى، هناك خيانة من جانب والد فيصل (ابن سعود) الذي رفض دعوات كثيرة لاستعمال النفط ضد الولايات المتحدة الأميركية، و الذي لو استعمل ـ او هدد به فقط ـ لما وصلت قضية فلسطين الى الحالة التي نعهدها اليوم..
موقف الشعب من مشروع التقسيم
موقف الشعب من مشروع التقسيم
لقد استقبل الشعب العربي قرار التقسيم بالاستنكار والمظاهرات، وهذا ما عبر عنه ابن سعود في مذكرتيه اللتين بعث بهما للحكومة البريطانية والأميركية بخطر ردة الفعل للرأي العام العربي.
وفي الجزيرة العربية وبالذات في المنطقة الشرقية التي كانت على اطلاع لا بأس به بالاحداث العربية والعالمية قامت مظاهرة منددة بالمشروع ومطالبة بقطع النفط عن أميركا.. ونترك المناضل ناصر السعيد يتحدث عن هذه المظاهرة، وكيف كانت ردة الفعل الحكومية:
في ضحى يوم 17/9/1947م اطلقنا على هذا اليوم (يوم فلسطين) فقمنا بمظاهرة في (رحيمه) نرفض فيها تقسيم فلسطين ونطالب بقطع البترول عن أميركا وبريطانيا لدعمهما اليهود.. فجاء إلينا خادم أمير راس تنوره وأسمه تركي العطيشان وطلب منا أن نتَّجه إلى مقهى رحيمه ليلقى علينا الأمير كلمة بهذا المعنى (وكان هذا تواضعا من سعادته)!! فجاء الأمير ونطّ على خشبة الطعام فاسهب في الحكي السعودي، ومما قاله لنا: (انتم تطالبون بقطع البترول عن اصحابنا الانكليز والأمريكان والبترول اساس بايديهم، وليس منا من يعرف كيف يقطعه سواهم حتى لو ارنا قطعه، فهل يعقل ان نقول للأمريكان اقطعوه ـ يا أمريكا عنكم؟ ـ ثانيا: ان البترول الذي تطالبون بقطعه واسمه ـ الذهب الاسود ـ وقطعه يعني اكتنازه في باطن الأرض، و اكتناز الذهب ينهي عنه القرآن الكريم بقوله: (والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب اليم) الخ).. وتابع يقول: (ثالثا: من الذي سيدفع معاشاتنا و معاشاتكم لو أصيب الأميركان عندنا بالجنون، لا سامح الله ، وقطعوا البترول عنهم وعن الأنكليز! ورابعا: اتركوا قضية فلسطين لعبد العزيز يحلها! وقضية فلسطين عجز عنها الكبار فكيف انتم يا ها لاولاد الصغار).
واستمرت الهتاقات بسقوط شركة ارامكو وأميركا وعملاء أمريكا والصهاينة!.. وبما أن العملاء يعرفون أننا نعنيهم دونما ان نذكر الاسماء بالطبع، فقد ألقوا القبض على مجموعة منا وأرسلونا ـ شحنا ـ بسيارة قلاب الى جزّار مناطق البترول سعود الجلوي!، وما ان شاهدنا الجلوي حتى كشّر، وظن البعض منا انه (يا سيدي ـ تبسم) بينما وجهه لايبتسم حتى لرئيس شركة ارامكو، وأمريكا.. وكنا نتوقع منه القتل، او على الاقل قطع يد ورجل من خلاف.. لكن (العبد) قال ـ دون ان نسمع من السيد شيئاً، قال العبد المسروق من افريقيا وما زالت لهجميته مكسرة: (تقول لكم أمّتي ـ يقصد عمتي ـ، لو ما كنتن صغار كنا كتلناكم وقضية فلسطين حلها عبد الازيز)! يقصد عبد العزيز.. فاجبنا: (طال عمرك وعمره ما دام حلها (عبد الازيز) خلاص انحلت القضية! نستأذن طال عمركم، ألا يوجد سيارة توصلنا؟!).. قال العبد (بلى توجد خمسة عصيان يأخذوها كل واحد على ظهره)! فقلنا له (شكرا طال عمركم اكثر من هذا ما نتحمل من أجل فلسطين)!. ونجونا من القوم الظالمين.. واخيرا قام عبد العزيز بالتغطية على خياناته المفضوحة، حيث اصدر في اواخر (1947م) امرا عاما إلى حكام نجد وشيوخ قبائلها، بتسجيل المتطوعين من سن العشرين الى الخمسين، وامر بجمع التبرعات لإسعاف المجاهدين في فلسطين. وابتدأ التبرع بخمسة الاف جنية من سيدات القصر في الرياض. وتبرع تاجران من أهل جده، كل منهما، بخمسة وعشرين الف جنيه وتاجر ثالث بعشرة آلاف.[255]
وقد حقق ابن سعود بعمله هذا عدة امور منها:
1 / أنه أبعد الشبهة عن نفسه فيما يتعلق بتلكؤه تجاه مشروع التقسيم، كما انه أظهر نفسه بمظهر المدافع الأول عن القضية الفلسطينية!
2 / ان هذا الأمر اريد منه كسبا دعائيا امام الفلسطينيين بدليل انه لم يشترك من هؤلاء المتطوعين شخص واحد، بل ان عبد العزيز منعهم من المشاركة حينما دق ناقوس الحرب!
3 / اراد عبد العزيز من امره هذا تهدئة خواطر الشعب المسلم في الجزيرة العربية، الذي رأى حاكمه مكتوف الايدي لا يتخذ أية قرار ضد الصهاينة او اصدقائهم الأميركيين والبريطانيين.
ابن سعود ماذا أعطى
أعلن الانجليز انهم سيتخلون عن انتداب فلسطين في 15 مايو (ايار) 1948 باستثناء مدينة حيفا التي يجلون عنها في اول اغسطس 1948م. في تلك الإثناء كانت قوات الجهاد المقدس بقيادة الشهيد عبد القادر الحسيني قد قامت بإعمال هزّت الصهاينة في فلسطين، حيث دمّرت شارع بن يهودا في اول فبراير 1948م وجريدة (البلستاين بوست) الصهيونية، واستطاع الثوار عزل منطقة القدس التي يتواجد فيها اكثر من (120) الف يهودي، مما رجح كفة العرب الأمر الذي حمل مندوب اميركا في الأمم المتحدة أن يطلب بتاريخ (18 مارس) العدول عن قرار التقسيم و وضع فلسطين تحت وصاية دولية!.
في هذا الوقت العصيب الذي مرّ بالصهاينة و اعوانهم قام الانجليز بتسليم مدينة حيفا في (21 أبريل 1948م) إلى العصابات الصهيونية، أي قبل الوقت المحدد بأربعة وعشرين يوما، وقامت عصابات الصهاينة بمهاجمة الأحياء العربية التي فقدت حمايتها الانجليزية وهجروا اكثر من (100) ألف شخ من ابناء المدينة.
بعد هذا التاريخ بثلاثة ايام سلم البريطانيون مدينة يافا ـ قبل الموعد المحدد طبعا ـ إلى العصابات الصهيونية، كما سلموهم مواقعهم الحربية، ولم تمض ايام حتى هاجر معظم سكان يافا وقراها من العرب.
ولم يكتف الانجليز بذلك بل سلموا للصهاينة مدينة صفد وطبرية، حيث تسلم الصهاينة المعسكرات البريطانية بما فيها من مستودعات مليئة بالاسلحة مما ادى إلى زعزعة الجبهة العربية، وقد قام الصهاينة بمحازر عديدة بحق الابرياء العرب كمجزرة دير ياسين ومجزرة ناصر الدين وغيرهما(!).
اما عبد العزيز فانه بقي صامتا لم يدعم ثوار فلسطين إلا بالكلام والتصريحات فقط، بل انه ان بخيلا في ذلك ايضا.. في (12/1/1948) سلمت وزارة الخارجية السعودية الوزير الأميركي المفوض في جدة مذكرة جاء فيها ان حكومة صاحب الجلالة حريصة على الا تزداد الحالة والعلاقات سواء بين العرب والالايت المتحدة، وان صاحب الجلالة يعلم اميركا بأن العرب مصممون على القتال إلى آخر ولد يولد منهم![256]
اما عبد العزيز فانه بقي صامتا لم يدعم ثوار فلسطين إلا بالكلام والتصريحات فقط، بل انه ان بخيلا في ذلك ايضا.. في (12/1/1948) سلمت وزارة الخارجية السعودية الوزير الأميركي المفوض في جدة مذكرة جاء فيها ان حكومة صاحب الجلالة حريصة على الا تزداد الحالة والعلاقات سواء بين العرب والالايت المتحدة، وان صاحب الجلالة يعلم اميركا بأن العرب مصممون على القتال إلى آخر ولد يولد منهم![256]
ترومان يهدد
حصل ابن سعود على مبرر بعدم دعمه للمجاهدين حين استلم انذارا من الحكومة الأميركية بتاريخ (26/2/1948م) جاء فيه: (ان أية محاولة بالعنف أو القتال او التدخل العسكري في فلسطين من جانب اية دولة عربية، لن يكون في مصلحة تلك الدولة)..[257]
أخاف على سمعتي!
قبل اندلاع معركة (القسطل) التي استشهد فيها البطل عبد القادر الحسيني، بيومين (5 أبريل) تسلم ابن سعود مذكرة بريطانية تنبؤه عن تشكيلات غير عسكرية منظمة تجري على الحدود، و تعبر الحدود في بعض الأحيان، وينتج عنها اشتباكات مع قوات الأمن التابعة لسلطة الإنتداب البريطاني، وطالبت المذكرة الحيلولة دون قيام مثل هذه الأمور من جانب اراضي حكومة صاحب الجلالة.
لقد آلمت المجازر الصهيونية شعب الجزيرة المسلم، فقامت مجموعات مسلحة باختراق الحدود وبسرية تامة دون علم ابن سعود والانجليز لدعم المجاهدين، مما أثار الحكومة البريطانية التي رأت ان خوض الشعوب العربية القتال سيهدد خططها الرامية لتسلم فلسطين للصهاينة الغزاة.
وأجابت وزارة الخارجية السعودية على المذكرة في (15 أبريل 1948م) موضحة اهتمام الحكومة بعدم حدوث ما يسيء الى القوات البريطانية في أنّ من الخطر على سمعة أي فرد، ان يدعو احد للامتناع عن نجدة اخوانهم العرب..[258]
في 6/5/1948م وقبل اندلاع حرب (1948) بتسعة ايام ارسل ابن سعود مذكرة إلى الحكومة البريطانية أوضح فيها ان عرب فلسطين مهددون من الصهاينة!! وأعلن استعداد بلاده للسعي في إحلال السلام![259]
فبدل ان يقوم ابن سعود بدعم المجاهدين بالسلاح والرجال، ويهدد اميركا وبريطانيا بسلاح البترول ويستنكر عليهما تأييدهما للصهيونية نراه يطالب بالسلام في الوقت الذي كان الصهاينة يحتلون المدن العربية ويقومون بمجازر لا أول لها ولا آخر.
الحرب
حين اشتدت الحملات الصهيونية على عرب فلسطين وبعد ان احتلت عصابات الصهاينة بعض المدن، قررت جامعة الدول العربية اعلان الحرب ضد الصهاينة، حيث تقدمت الجيوش العربية لمحاربتهم في (15 مايو 1948م) يوم خروج قوات الاحتلال البريطاني ويوم اعلان دويلة (إسرائيل)، وقد كان الوقت متأخر للغاية وأن الصهاينة قد بدأوا عملهم المسلح قبل شهر ونصف تقريبا..
ابن سعود يعلن الدفاع
في (2/7/1367هـ) الموافق (12/5/1948م) صدر بلاغ رسمي في الرياض عن حضور رئيسي حكومتي لبنان وسوريا، وأنهما عرضا على الملك خلاصة الموقف في فلسطين، وأنه أيّد كل ما اتخذ للدفاع عن عروبة فلسطين، والحيلولة دون قيام دولة يهودية فيها، وقرر اشتراك السعودية في الدفاع عسكريا عن فلسطين، متضامنا مع الدول العربية إلى ان تظفر فلسطين بحقها وعروبتها!..[260]
ودخلت الجيوش العربية (الجيوش السبعة) فلسطين في 15 مايو (آيار) 1948م، حيث حقق العرب انتصارات لا بأس بها في معركة القدس، ووصلت الجيوش العربية الى مشارف تل أبيب..
لكن خونة العرب والمسلمين من الحكام قبلوا بالهدنة وهم في موقع الانتصار، ومن بين الحكام الذين قبلوا الهدنة ابن سعود، والتي استمرت من 11 يونيو 1948م إلى 9 يوليو 1948م.
في فترة الهدنة زودت بريطانيا وأميركا الصهاينة بكميات كبيرة من الأسلحة مما رجّح كفتهم، بسبب تسليم اللد والرملة..
وقبل العرب بهدنة ثانية في 18 يوليو 1948م استمرت إلى 14 أكتوبر من نفس العام حيث خرق الصهاينة الهدنة نظرا لازدياد عددهم وعدتهم، و قاموا بالهجوم على القوات المصرية في جنوب فلسطين.
بعد يومين من الهدنة هذه اقترح ابن سعود على الحكومتين البريطانية والأميركية، ان يختار كل منهما شخصين من رجالها ليقوموا بمسعى جديد للوساطة، ولكن الحكومتين اعتذرتا لأن الصهاينة في وضع ممتاز..
في هذه الظروف الحالكة التي مرت بها قوات فلسطين لم يرسل ابن سعود المدد من الرجال والعتاد، فلم يزل مقتنعا بالسلام والصلح. (والصلح خير) كما يقال!
في 7 يناير 1949م قبلت مصر ـ بعد الضغط العسكري الصهيوني ـ بالاشتراك في مباحثات هدنة جديدة مع اليهود في (رودس)، ثم تبعتها الدول العربية، لكن ابن سعود رغم موافقته لم يشترك، بسبب ضعف المشاركة السعودية في المجهود الحربي العربي، اذ اقتصر عدد القوات السعودية المرسلة الى صحراء النقب على عشرات من الجنوب غير المجهزين بتجهيزات كافية (60 إلى 200 جندي كما يقول بعض المراقبين)!![261]
وفي شهر مارس سلم الجنرال الانجليزي جلوب باشا قائد الجيش العربي الجزء الجنوبي من النقب. وهكذا استولى الصهاينة على اكثر مما منحهم إيّاه قرار التقسيم.
هذا ما قدمه ابن سعود في الحرب
لم يكن عبد العزيز مجنداً لدخول القوات العربية الى فلسطين وبصورة خاصة كان معترضا على تسليح الشعب الفلسطيني، أذ ان ذلك سيخرج هذا الشعب من تحت النفوذ السياسي للحكومات العربية، ويحول القضية من المنتديات الدولية الى ساحة الصراع العسكري، كما تفقد قرارات الأمم المتحدة صفتها الإلزامية بالنسبة للشعب الفلسطيني. وكانت لدى ابن سعود قناعة تامة بأنه ليست هناك أية فائدة بمثل هذه الحرب..[262]
حاكم هكذا نظرته لحرب العرب المصيرية، لا يمكن ان يساهم بشيء فعلي فيها لأنه أصلا لا يؤمن بها! (و لو أرادوا الخروج لاعدوا له عدة..) والذي لا يؤمن بالقتال لا يعد عدة الحرب، وهكذا كان ابن سعود.
اين السلاح والرجال
على الجبهة الشرقية لم يشترك من جند ابن سعود رجل واحد، لا لأنهم لا يريدون القتال بل ان عبد العزيز لم يرد ذلك بحجج لفقها متهما فيها الملك عبد الله..
يقول الزركلي مبررا انعدام الدعم في هذه الجبهة: ومازلت اذكر بكل ألم وحسرة (1) قبيل نشوب الحرب بين العرب واليهود (سنة 1948)) مقابلتي للسفير البريطاني بجدة، حوالي الساعة العاشرة ليلا،[263]وقد ابلغني رسالة شفهية عن لسان الملك عبد الله، ملك الاردن، مؤداها أن عبد الله علم بنبأ التجمعات على حدود المملكة الاردنية، وانه اذا كان القصد زحفها إلى فلسطين عن طريق بلاده فسوف يترك قتال اليهود ويقاتلها![264]
ولا احد يعتقد بأن هذا مبرر ـ ان كان صحيحا ـ كاف لعدم الاشتراك بجندي واحد في المعركة، حتى ان مئات من المتطوعين الذين حشدهم ابن سعود في الشمال هربوا منه وتسللوا الى داخل فلسطين لقتال الصهاينة واستشهد العشرات منهم..
اما في الجبهة الشمالية فلم يشارك فيها بجندي واحد ايضا! وعلى الجبهة الجنوبية المصرية اضطر ـ كما يقول الزركلي ـ إلى الاكتفاء (لاحظ كلمة اكتفاء) بطابور من النظاميين كانت له في صفوف الجيش المصري مواقف اضخم من عدده!!
أما عدد هذا الطابور فقد قدره المراقبون من (60 ـ 200 شخص) فقط، وكان قائد الطابور العقيد سعيد الكردى، وعلى اثر عقد الهدنة، ادخل الضباط والجنود مدارس الجيش المصري، للتدريب و التمرن!
وعلق بعض المأجورين على المشاركة السعودية هذه بالقول: (الملك عبد العزيز، هو أول من وضع لبنة في صرح بعث القومية العربية. وكان اول من نادى بالقيادة العربية المشتركة. وأول من وحد القيادة بين الجيشين الشقيقين السعودي والمصري، كان ذلك في حرب فلسطين عام 1948م).[265]
وعلى اية حال فان مشاركة ابن سعود في حرب 1948م بالجنود كانت معدومة في الجبهة الأمامية المواجهة لعصابات الصهاينة. فبماذا نبرر هذا البخل؟!
وحول الدم العسكري يقول القائد طه الهاشمي، الذي كان رئيسا للجنة العسكرية المنبثقة عام 1947 عن جامعة الدول العربية للأشراف على حرب فلسطين ـ: (ابرقت الحكومة السعودية للجنة العسكرية عن اسلحة معدة لإنجاد فلسطين موجودة في (سكاكا) بالصحراء في شمال الجزيرة العربية فأرسلت الحكومة السورية طائرات فاحضرت تلك الأسلحة لدمشق، وسلمتها إلى المصنع الحربي التابع للجيش السوري لفرزها وتبويبها، فإذا هي اسلحة عتيقة رديئة متعددة الانواع والأشكال، فيها الموزر والشنيد والمارتيني الخ.. وفيها بنادق فرنسية وانكليزية وعثمانية ومصرية وبابانية ونمساوية، وكلها بدون (جبخانة) ومصدئة (خردة) لا تصلح للقتال) وقال: (انهم وجدوا بين هذه الخردة بنادق فتيل مما تعبأ بالكحل من فوهتها وتدك من الفوهة ايضا، وانها من مخلفات حملة الجيش المصري على الوهابيين في اوائل القرن التاسع عشر)![266]
هذا هو كل الدعم العسكري في حرب العرب الأولى مع الصهاينة!
دور الشعب في الحرب
الشعوب دائما اكرم من الحكومات، ولو افسح المجال للشعوب العربية والإسلامية للمشاركة في الحرب لقضي على الصهاينة منذ ذلك اليوم..
وشعبنا في الجزيرة العربية، حينما رأى تقاعس ابن سعود عن اداء الواجب الإسلامي المقدس اخذ يتسلل (مجموعات وافراد) من الحدود، ليشاركوا اخوانهم في الجهاد، وقد استشهد معظمهم في المعارك التي دارت في ارض فلسطين.. ويذكر ان عدد الذين تسللوا زادوا على الثمانمائة شخص استشهد منهم ما يقارب الخمسمائة والخمسين.
الضغط لقبول السلام
في ختام حديثنا عن حرب 1948م ننهي هذ الفصل بهذه الوثيقة الرسمية الصادرة من وزارة الخارجية الأميركية والتي نشرتها مجلة (روز اليوسف) وبعض الصحف العربية بتاريخ (22/11/79م) تقول المجلة:
(كشفت وثيقة رسمية من وثائق وزارة الخارجية الأمريكية عن سر مضى عليه اكثر من (30) عاما وهو ان المغفور له جلالة (الملك عبد العزيز آل سعود) اقترح على الحكومتين الأمريكية والبريطانية فرض عقوبات اقتصادية وعسكرية على الدول العربية واسرائيل لإجبارها على عقد صلح. وأن هذه الوثيقة عبارة عن تقرير بعث به الوزير المفوض الأمريكي بجدة بتاريخ 8 كانون الثاني سنة 1949م.. ينقل فيه إلى الخارجية الأمريكية تفاصيل حديث دار بينه وبين العاهل السعودي عندما استدعي لمقابلته هو والوزير المفوض البريطاني في جدة صباح 7 كانون ثاني 1949م.
وقال العاهل السعودي في جدة للدبلوماسيين البريطاني والأمريكي انه يخشى ان يتطور الصراع العربي الإسرائيلي الى درجة يمكن فيها ان يهدد السلام والاستقرار في منطقة الشرق الأوسط وطلب اليهما أن ينقلا إلى حكومتيهما رأيه بضرورة التدخل لفرض السلام بين الدول العربية وإسرائيل و اقترح ان تهدد الدولتان باستخدام مختلف الضغوط بما فيها فرض عقوبات اقتصادية وعسكرية على الطرفين.
وتقول الوثيقة الأمريكية ان الخارجية الأمريكية تلقت من وزارة الخارجية البريطانية ملخصا للتقرير…)
[1]- "ابن سعو" ـ بنو اميشان ص 180 .
[2]- المصدر السابق ـ ص 181 .
[3]- المصدر السابق ـ ص 82 .
[4]- شبه الجزيرة في عهد الملك "عبد العزيز " ص 120 .
[5]- "ابن سعو" ـ بنو اميشان ص 187 .
[6]- "ابن سعود" ص 44 ـ ترجمة مصطفى الحفناوي نقلا عن تاريخ آل سعود ص 556 .
[7]- "ابن سعود" ـ ص 194 .
[8]- تاريخ الكويت ـ لعبد العزيز الرشيد ص 172 .
[9]- شبه الجزيرة ـ الزركلي ص 282 .
[10]- المصدر السابق ـ ص 283 .
[11]- الخليج العربي ـ امين سعيد ص84 .
[12]- فيصل بنوا ميشانص 27 .
[13]- الجزيرة الزركلي ص 282 و ص 283 .
[14]- بنوا ميشان المصدر السابق ص 294 .
[15]- الخليج العربي ص 85 .
[16]شبه الجزيرة في عهد الملك "عبد العزيز " ص 284 .
[17]- شبه الجزيرة في عهد "عبد العزيز" ص 281 .
[18]- المصدر السابق ص 281 .
[19]- لاول مرة في تاريخ الجزيرة يتعهد فيها شخص بالزام خلفائه في الحكم وورثته بعهود مهينة .
[20]- وهذا ما اكدناه سابقا من ان الروابط بين البلدين كانت قديمة وليست جديدة كما يذكر بعض الباحثين .
[21]- نقل نص هذه المعاهدة من كتاب الخليج العربي ـ لامين سعيد ص 85 ـ 86 .
[22]- "ابن سعود" ـ بنوا ميشان ص 295 .
[23]- شبه الجزيرة في عهد الملك "عبد العزيز" ص 285 .
[24]- تاريخ "آل سعود" ـ للمناضل ناصر السعيد .
[25]- شبه الجزيرة في عهد الملك "عبد العزيز" ص 287 .
[26]- الثابت ان "عبد العزيز" تلقى معونات ضخمة قبل هذا الوقت بكثير.
[27]ـ السياسة الخارجية "السعودية" ـ د . غسان سلامة ص 38 .
[28]ـ تاريخ " آل سعود" ص 56 .
[29]- شبه الجزيرة ـ الزركلي ص 288 .
[30]ـ تاريخ "آل سعود" ـ المناضل ناصر السعيد.
[31]- ويقصد به فيصل بن الشريف حسين حاكم الحجاز .
[32]- "ابن سعود " بنوا ميشان ص 614 .
[33]- المصدر السابق ص 305 .
[34]- شبه الجزيرة في عهد الملك "عبد العزيز " ص 1361 .
[35]- المصدر السابق .
[36]- "ابن سعود" ـ بنوا ميشان ص 622 .
[37]- المصدر السابق .
[38]- "السعودية" كما عرفتها ـ امين المميز .
[39]- المصدر السابق .
[40]- الشريف حسين حاكم الحجاز آنذاك .
[41]- بنوا ميشان ـ ص 305 ـ 306 .
[42]- اتفاقية حماية وقعها ابن سعود مع الانجليز وفيها تعهد ابن سعود بعدم مهاجمة حلفاء بريطانيا .. ولكن حين رفض حسين اتفاقية سايكس بيكو التي تقسم الدول العربية وخرج على الطاعة الانجليزية اعطت انجلترا الضوء الاخضر لعبد العزيز لمهاجمة الحجاز !!
[43]- المصدر السابق .
[44]- "ابن سعود" ـ وليميز وآرمسترونج ص 110 .
[45]- ابن سعود ـ بنوا ميشان ص 311 .
[46]- المصدر السابق .
[47]- ابن سعود ـ وليميز وآرمسترونغ .
[48]- ابن سعود ـ وليميزو آرمسترونغ ص 111 ـ ترجمة مصطفى الحفناوي .
[49]- ابن سعود ـ وليميز وآرمسترنج ص 132 .
[50]- المصدر السابق .
[51]- لمزيد من التفاصيل انظر تاريخ آل سعود ـ ناصر السعيد ..
[52]- المصدر لاسابق ص 633 .
[53]- المصدر السابق ص 637 .
[54]- قادة الحملة على الحجاز .
[55]- لو لم يكن ابن بجاد في مستوى القيادة والطاعة لم يعينه ابن سعود قائدا عاما للجيش الزاحف .
[56]- صقر الجزيرة ـ أحمد عبد الغفور ص 264 .
[57]- صقر الجزيرة ـ محمد عبد الغفور عطار ص 498 .
[58]- المصدر السابق .
[59]- للمزيد من التفاصيل راجع كتاب تاريخ آل سعود ـ لناصر السعيد.
[60]- صقر الجزيرة ـ ص 569 .
[61]- ابن سعود ـ بنو اميشان .
[62]- تنازل عبد العزيز عن لقب الملك خوفا من الاخوان وبعد ان قضى عليهم رجع واعلن نفسه ملكا!!
[63]- اثناء محاصرة الشريف علي في جدة.
[64]- تمت هذه الزيارة في 14 اكتوبر 1919 م. أي بعد احتلال فلسطين وكان بمعية فيصل أحمد ثنيان وفيلبي الموكل بهما.. اما الغرض فهو نقل تهاني والده إلى ملك انجلترا على انتصار جيوشه واحتلال الدول العربية وكذلك مناقشة الاعانة المالية !! انظر فيصل ـ لبنوا ميشان ص 37 و 38 .
[65]- الانكار لا يعني الحرمة، والقصد من هذا الانكار كما يبدو هو استئثار ابن سعود باموال المسلمين، واستخدام العطور والسيارات ليس حراما وانما الحرام هو التمتع بالاموال على حساب الاخرين.
[66]- كضريبة الحج والجهاد.
[67]- تاريخ آل سعود ـ ناصر السعيد ـ ص 307 و ص 308 .
[68]ـ شبه الجزيرة في عهد الملك عبد العزيز ص 473 .
[69]- تجد نصها في كتاب (جزيرة العرب في قرن العشرين) ، حيث جاء فيها اما مسألة اقتـناء عبد العزيز واولاده ورجال الدين للسيارات والجواري وغيرها دون غيرهم فهو امر حادث في آخر الزمان ولا نعلم حقيقته ولا رأينا فيه كلاما لاحد من اهل العلم ، فتوقفنا في مسألة الافتاء فيه !!
واما المكوس فافتينا لعبد العزيز انها من المحرمات الطاهرة !!، فان تركها فهو الواجب عليه، وان امتنع فلا يجوز شق عصا طاعة المسلمين !! ، فان تركها فهو الواجب عليه، وان امتنع فلا يجوز شق عصا طاعة المسلمين!! واما ضريبة الجهاد فهي محولة إلى نظر الامام عبد العزيز، وهو اعلم بما هو اصلح للاسلام والمسلمين … 8 شعبان 1345 هـ ..
[70]- شبه الجزيرة في عهد الملك عبد العزيز ص 476 .
[71]- انظر المصدر السابق .
[72]- في جمادي الاولى 1347 هـ .
[73]- راجع الخطاب كاملا، في كتاب شبه الجزيرة في عهد الملك عبد العزيز ـ الزركلي. وهنا تجدر الاشارة إلى ان خطب ابن سعود ليست بالعربية الفصحى وانما قام المؤلف الاجير بصياغتها وحذف منها ما يراه غير مناسب .
[74]- المصدر السابق .. ص 486 .
[75]- شبه الجزيرة في عهد الملك عبد العزيز ص 488.
[76]- المصدر السابق ـ ص 488 .
[77]- شبه الجزيرة في عهد الملك عبد العزيز ص 491 .
[78]- المصدر السابق .
[79]- عقد الاجتماع بتاريخ 1 / 5 / 1348 ـ اكتوبر 1929 م .
[80]- انظر كتاب شبه الجزيرة في عهد الملك عبد العزيز ـ 496 .
[81]- المصدر السابق ص 500 و 501 .
[82]- المصدر السابق ص 504 .
[83]- تاريخ آل سعود ص 646 .
[84]- ربما يقصد السيارات المصحفة.
[85]- السياسة الخارجية السعودية ـ د . غسان سلامه ص 321 .
[86]- زعيم الرولة.
[87]من مشايخ مطير ..
[88]- صقر الجزيرة ـ للعطار ص 593 .
[89]- كان الاجتماع في البصرة، حيث نقل قادة الاخوان الثالثة (ابن الدويش ـ ابن حثلين ـ ابن لامي) جوا من الكويت إلى القاعدة الجوية البريطانية هناك حيث وضعهم الانكليز على ظهر سفينة في شط العرب ، وبعد مساومات تم الاتفاق المذكور!!
[90]- وهذا دليل على ان عبد العزيز لا يمتلك اية طائرة !!
[91]- شبه الجزيرة عهد الملك عبد العزيز ص 507 .
[92]- المصدر السابق .
[93]- تاريخ آل سعود ص 319 .
[94]- شبه الجزيرة ـ الزركلي ص 507 .
[95]- انظر (انتفاضة الحرم) ص 22 صادر عن منظمة الثورة الإسلامية في الجزيرة العربية.
[96]- شبه الجزيرة في عهد الملك عبد العزيز ص 1081 .
[97]- ويقصد بالاضطرابات ثورة عام 1936 م، التي اندلعت بوجه الاستعمار البريطاني، اما اليبانين فهما سبب انهاء الثورة كما تفهم من النص..
[98]- المصدر السابق ص 1804 .
[99]- النفط والاستعمار والصهيونية ـ جاسم المطير ـ ص 29 .
[100]- راجع كتاب فيصل بن عبد العزيز لصلاح الدين منجد. وكتاب فيصل ـ بنو اميشان ص 37 ـ 38 .
[101]- تاريخ آل سعود ـ ص 951 .
[102]- ان اعتراف عبد العزيز جاء قبل اعلان وعد بلفور المشؤوم.
[103]- المقصود من تصيح الساعة قيام الساعة (أو يوم القيامة ).
[104]- تجدر الاشارة هنا إلى ان اليهود سيطروا وما زالوا يسيطرون سيطرة محكمة على المؤسسات البريطانية الحاكمة، كالبنوك والشركات وسكك الحديد ومجلس اللوردات والمخابرات والمناجم والصحافة و .. الخ.. وهكذا تحول الانجليز حقيقة إلى عبيد وكبيرهم طول 50 سنة ونستون تشرشل هو اكبر العبيد وأعرقهم واخطرهم ، ولقد كان هذا الاستعماري العتيد ذليلا تسيره اليهودية العالمية وفق مصلحتها واهوائها، وكان يفتخر دائما ويردد انّه صهيوني عريق .. (للمزيد انظر كتاب خطر اليهودية العالمية لعبد الله التل)..
وما طلب كوكس من عبد العزيز التوقيع على الاعتراف باعطاء اليهود فلسطين الا دليل على سيطرة الصهاينة على المخابرات الانجليزية.
[105]- للمزيد من التفاصيل راجع كتاب تاريخ آل سعود .
[106]- السعودية وهموم العرب ـ محمد عنّان ص 34 .
[107]- المصدر السابق .
[108]- انظر كتاب تاريخ فلسطين الحديث ـ للدكتور عبد الوهاب كيالي .
[109]- المصدر السابق ـ ص 295 .
[110]- شبه الجزيرة في عهد الملك عبد العزيز ص 1074 .
[111]- المصدر السابق .
[112]- المصدر السابق .
[113]- عبد الله التل ـ خطر اليهودية العالمية ص 270 .
[114]- السعودية وهموم العرب ص 58 .
[115]- فقد عرب فلسطين في هذه الثورة ثلاثة آلاف شهيد وسبعة آلاف جريح ، وثمانية آلاف شهيد من الشيوخ والنساء والاطفال ، واعتقل الانجليز حوالي الفي شاب ..
[116]- وكان كل المطلوب من الثورة هي اثارة اهتمام الصديقة !!
[117]- تاريخ آل سعود ص 869 .
[118]- اصيب بجروح بالغة في معركة الشجرة عام 1948 ونقل على اثرها إلى المستشفى ، ولكن في الطريق تعرضت السيارة لحادث ادى إلى استشهاده .
[119]- عن تاريخ آل سعود، اخذه بدوره من ديوان الشاعر الشهيد عبد الرحيم محمود (1913 _ 1948م).
[120]- شبه الجزيرة في عهد الملك عبد العزيز ص 1075 .
[121]- انظر نحن المحاضرة التي القاها فيلبي في كتاب تاريخ آل سعود ص 582 .
[122]- نلفت القارئ هنا إلى ان صك الانتداب يتضمن نقاطا مهمة هي : "ان توضع فلسطين في ظروف ادارية وسياسية واقتصادية يضمن معها تأسيس الوطن القومي اليهودي ، وان تشجع حكومة الانتداب الهجرة اليهودية إلى فلسطين واسكان اليهود في الاراضي الفسطينية ، وان تعتمد الحكومة تشكيل وكالة يهودية ترعى شئون على بناء الوطن القومي اليهودي " خطر اليهودية العالمية ص 340 .
[123]- المسألة الفلسطينية .
[124]- تاريخ فلسطين الحديث ص 322 .
[125]- مهدي عبد الهادي ص 38 .
[126]- انظر تاريخ فلسطين الحديث ص 323 .
[127]- المصدر السابق ص 323 .
[128]- شبه الجزيرة في عهد الملك عبد العزيز ص 1076 وانظر أيضاً المسألة الفلسطينية ص 39 .
[129]- وهذا يوضح ان الرأي قد فرض عليها لهذا استخدمت كلمة (يسعها وتستجيب).
[130]- المصدر السابق .
[131]- للمزيد من التفاصيل انظر المسألة الفلسطينية ص 43 و 44 و 45 .
[132]- المصدر السابق ص 47 .
[133]- المصدر السابق ص 47 .
[134]- شبه الجزيرة في عهد الملك عبد العزيز ص 1084 .
[135]- المصدر السابقص 1077 .
[136]- تاريخ فلسطين الحديث ص 342 .
[137]- المصدر السابق .
[138]- للمزيد من التفاصيل عن الثورة راجع المصدر السابق..
[139]- المسألة الفلسطينية ـ ص 52 _ 53 .
[140]- يعتبر ابن سعود استعداد المجاهدين للثورة لمقارعة المستعمر الكافر، خطرا عليه وعلى الانجليز.
[141]- يسمي عبد العزيز الثورة على المحتلين نزاعا عنصريا.
[142]- تجد نص الرسالة في كتاب شبه الجزيرة.
[143]-يجدر بالذكر هنا ان سلطات الاحتلال الانجليزي اعدمت الشيخ المجاهد فرحان السعدي وعمره 75 سنة!!
[144]- شبه الجزيرة في عهد الملك عبد العزيز ص 1089 و 1090 .
[145]- المصدر السابق .
[146]- تاريخ المملكة العرية السعودية ـ للصف الثالث متوسط الطبعة الاولى ـ 1394 هـ ـ 1974 م ـ ص 327 .
[147]- شبه الجزيرة في عهد الملك عبد العزيز من ص 1092 إلى ص 1102 .
[148]- احد مسؤولي وزارة الخارجية في عهد عبد العزيز.
[149]- لا يعترض الانجليز على هيآت الدفاع عن فلسطين السعودية لانهم يعلمون انها للتغطية ولذر الرماد في العيون، وان مقاصدها لا تضر سياسة الحكومة البريطانية المنتدبة على فلسطين.
[150]- يبدو ان ابن سعود يقصد ان اهالي فلسطين صاروا اعداءاً لزعمائهم كالمفتي الحسيني وعزة دروزه وعوني عبد الهادي … الخ.
[151]- الزركلي ـ المصدر السابق .
[152]- تلاحظ هنا ان الحكومة البريطانية تسمي المعارضة ثوارا، اما عبد العزيز فلا يذكر كلمة (ثوار) اماالثورة فانه يسميها اضطرابات !!
[153]- والذين سماهم بالاذناب.
[154]- وفي هذا لفتة إلى الارتباط الذي لا ينفك بين ابن سعود منذ ان اسست بريطانيا حكمه وبين اعداء الله الانجليز.
[155]- ابن رفاده ـ زعيم قبيلة بلي ثار على ابن سعود ، ولكن الاخير قضى عليه .
[156]- احدى المدن الشمالية.
[157]- تجد التفصيل اكثر في كتاب شبه الجزيرة في عهد الملك عبد العزيز ص 1115 و 1116 .
[158]- تاريخ فلسطين الحديث ـ ص 349 و 350 .
[159]- المصدر السابق ..
[160]المسألة الفلسطينية نقل عن كتاب ـ القضية الفلسطينية ـ عزت دروزه ـ جزء (1) ص 251 .
[161]- المسألة الفلسطينية ص 67 .
[162]- جمال الحسيني هو رئيس الوفد الفلسطيني في مؤتمر لندن.
[163]- بعكس ما يتصوره وما يطالب به الزعماء الفلسطينيون.
[164]- عن المسألة الفلسطينية ص 68 ، الذي اخذه بدوره من كتاب القضية الفلسطينية ـ لعزت دروزه الجزء الاول ص 251 ..
[165]- المصدر السابق ص 69 .
[166]- المصدر السابق .
[167]- الكيالي ـ المرجع السابق ص 359 .
[168]- نص المحاضرة تجدها في كتاب تاريخ آل سعودن مع صورة لها.. من ص 582 إلى ص 590 .
[169]- شدّني تصريح ادلى به السناتور الامريكي هنري جاكسون في منتصف السبعينات والذي اوضح فيه ان زوال دولة اسرائيل يعني زوال المملكة الاردنية والسعودية، وتابع قوله : وان السعوديين يعلمون ذلك !! وقرأت نسخة مطابقة لمثل هذا التصريح في اواخر عام 1981 م من عدد من قادة اسرائيل !! وهذا يؤكد ما قاله بن غوريون كما يؤكد ان هذه الدويلات تستمد قوتها وجزء من شرعيتها من وجود اسرائيل !!
[170]- عام 1934 م ، حيث لم يسمع ابن سعود من اهالي نجد صفات الله تطلق عليه !!
[171]- تجدر الاشارة هنا إلى ان فيلبي اقترح على عبد العزيز خلال مؤتمر لندن بأن تسلم فلسطين كاملة لليهود، ولكن الاوضاع آنذاك لم تسمح بتنفيذه!!
[172]- شبه الجزيرة في عهد الملك عبد العزيز ص 134 _ 135 .
[173]- المصدر السابق .
[174]- المصدر السابق ص 11135 .
[175]- المصدر السابق ص 11135 .
[176]- المصدر السابق .
[177]- ويقصد به فيلبي ، ويلاحظ ان الوثيقة تعمدت عدم ذكر الاسم ، ذلك لان فيلبي اوروبي تقرب من شخص الملك وربما اعتبر ذلك احدى المآخذ على ابن سعود!
[178]- يعتبر مسؤولو النظام عبد العزيز منحازا إلى جانب الحق العربي، مع انّه لم يكن كذلك، بل يمكن اعتباره منحازا إلى الجانب الانجليزي والصهيوني. وقد توضح ذلك اثناء عرض احداث ثورة (1936 _ 1939 ).
[179]- الزركلي ـ المصدر السابق .
[180]- راجع القصة في بداية الفصل الثاني.
[181]- خمسون عاما في الجزيرة العربية ص 179 .
[182]- الزركلي ـ المصدر السابق ص 1137 .
[183]- المصدر السابق ص 1138 .
[184]- الزركلي ـ المصدر ص 1138 .
[185]- اعود فاذكرالقارئ بان اللجنة العربية العليا رفضت مقررات هذا الكتاب ورفضه المندوب السعودي آنذاك لمؤتمر لندن، وهو ابنه فيصل !!
[186]- الزركلي ـ المصدر السابق ـ ص 1441 ـ 1442 .
[187]- تاريخ المملكة العربية السعودية ـ للصف الثالث متوسط ـ الطبعة الاولى 1394 هـ ـص 327 .
[188]- المصدر السابق ..
[189]- دخان الريالات ـ عبد اللطيف عامري ـ ص 12 صادر عن منظمة الثورة الإسلامية في الجزيرة العربية.
[190]- تاريخ البترول في الشرق الأوسط ـ جواد عطار ـ ص 32 .
[191]- المصدر السابق .
[192]- دخان الريالات .
[193]- انظر كتاب ثروات السعودية وسبيل الاستقلال الاقتصادي ص 33 للمؤلف فهد مسعود الحمود.
[194]- تاريخ البترول في الشرق الأوسط ـ ص 34 .
[195]- تاريخ البترول ص 38 .
[196]- دخان الريالات ص 14 .
[197]تاريخ البترول ص 39 .
[198]- دخان الريالات ص 15 .
[199]- تجد التفاصيل في كتاب تاريخ البترول في الشرق الأوسط من ص 35 إلى ص 40 .
[200]- المصدر السابق .
[201]- تاريخ البترول ص 44 و 45 و 46 .
[202]- المصدر السابق .
[203]- المصدر السابق . ص 59 ـ وانظر كتاب ثروات السعودية ص 39 .
[204]- ثروات السعودية ص 39 .
[205]- تاريخ البترول ص 69 ـ وانظر (ازمة الطاقة في الولايات المتحدة) (لجوستورك) ص 35 .
[206]- ازمة الطاقة ص 36 .
[207]- جوستورك ـ ص 36 .
[208]- المجتمع والسياسة ـ فردهاليداي ـ ص 45 .
[209]- تاريخ البترول ص 71 .
[210]- جوستورك ـ ص 36 .
[211]- ابن سعود ـ بنوا ميشان ص 496 .
[212]- المجتمع والسياسة ص 45 .
[213]- المجتمع والسياسة ص 45 وتاريخ البترول ص 72 وجوستورك ص 36 .
[214]- تاريخ آل سعود ص 878 نقلا عن مجلة (بيروت المساء ـ 21 / 12 / 1973 م).
[215]- شبه الجزيرة للزركلي ـ ص 1156 وابن سعود لبنوا ميشان ص 497 .
[216] - المصدر السابق .
[217]- ابن سعود ـ بنو اميشان ص 498 .
[218]- المجتمع والسياسة..
[219]- شبه الجزيرة العربية في عهد الملك عبد العزيز.
[220]شبه الجزيرة ـ ص961.
[221]- المصدر السابق ص 963 .
[222]- يقصد جريدة ام القرى الجريدة الحكومية الرسمية.
[223]- المصدر السابق ص 965.
[224]- المصدر السابق ص 1189
[225]- لم تكن الشعوب العربية تميل الى المحور الا لانها ضد المستعمرين لبلادهم الانجليز والفرنسيين.
[226]- عن شبه الجزيرة ـ للزركلي ـ ص 961 ـ 962.
[227]- عن كتاب تاريخ إلى سعود ـ ناصر السعيد.
[228]- المصدر السابق.
[229]- تاريخ البترول ص 75.
[230]- أي ان فترة التأجير تنتهي في عام 1950م لكن الجيش الأميركي تأجرها لخمس سنوات اخرى، مازالت السنوات تمدد حتى الآن برغم ان الحكومة السعودية تقول انه لا يوجد أي جندي اميركي في الظهران.
[231]- الزركلي ـ ص 1163.
[232]_ بنوا ميشان ـ ابن سعود ص 503.
[233]- المصدر السابق.
[234]- تاريخ البترول ص 76.
[235]الزركلي ص 1221، والرسالة مؤرخة في (33 اغسطس 1945م)
[236]- يبدو ان عبد العزيز غير مقتنع بأن تصريحات ترومان جادة كل الجد!!
[237]- الزركلي ـ المصدر السابق..
[238]- المصدر السابق..
[239]- المسألة الفلسطينية ـ 54.
[240]- انظر الزركلي ص 1251 إلى ص 1259.
[241]- الجدير بالذكر هنا ان عبد العزيز اراد ايقاف ثورة الهنود المستعرة آنذاك بقيادة غاندي ضد الاستعمار البريطاني، ولكنه لم يفلح اذ انتصرت الثورة بعد سنتين من الحرب العالمية.
[242]- اعتمادا على القاعدة التي تفصل الدين عن السياسة، والتي سار عليها ابن سعود وأبناؤه الملوك والأمراء حتى اليوم.
[243]- المصدر السابق.
[244]- الكيالي ـ ص 191.
[245]- خطر اليهودية العالمية ـ عبد الله التل ص 289.
[246]- المسألة الفلسطينية ص 57.
[247]- الزركلي ـ ص 1264.
[248]- السعودية وهموم العرب ـ محمد عنّان ص 24.
[249]- تاريخ آل سعود ـ ص 881.
[250]- عبد الله التل ص 290 ـ 291.
[251]- المسألة الفلسطينية ص 98.
[252]- الزركلي ص 1284.
[253]- ـ فيصل ـ بنو اميشان ص 69 و ص 217.
[254]- ناصر السعيد ـ عن مجلة ساعة.
[255]- الزركلي ـ ص 1289.
[256]- الزركلي ص 1285.
[257]- المصدر السابق.
[258]- المصدر السابق ص 1290 .
[259]- المصدر السابق.
[260]- المصدر السابق.
[261]- السياسة الخارجية السعودية ـ د. غسان سلامه ص 547.
[262]- السياسة الخارجية السعودية ص 548.
[263]- كان الزركلي يتولى وزارة الخارجية بالوكالة آنذاك.
[264]- الزركلي ـ ص 1289.
[265]- المصدر السابق ـ ص 740.
[266]- تاريخ آل سعود عن جريدة الحارس البغدادية.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد :
(كل يؤخذ من قوله ويرد الا رسول الله صلى الله عليه وسلم )