المحاضرة الثانية
انتقلت الدعوة قبل ذلك من الهاشمية ( يعني أبي هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفية) إلى العباسيين ( أي محمد بن علي بن عبد الله بن عباس ) وذلك عام 98هـ باعتبار إن الأول رأى في الثاني العلم والفهم والإدراك وحيث لا يوجد له خلف أوصى إليه بالأمر من بعده. أسباب اختيار خراسان مكانا للدعوة العباسية بزغت هذه الدعوة في الكوفة ثم انتقلت بعد زمن يسير إلى إقليم خراسان، وهو في الواقع أصلح مكان يمكن أن ينمو فيه هذا المولود الجديد وتتكامل قوته ،فلقد كانت خراسان بوضعها الجغرافي بعيدة عن المركز الرئيسي للخلافة وكانت تتجلى بها أكثر من غيرها روح السخط والعداء للدولة الأموية ؛وذلك لغلبة العنصر الأعجمي فيها على العنصر العربي. أسباب اختيار خراسان مكانا للدعوة العباسية وكان سكانها مزيج من قبائل وأمم مختلفة وهذه الأمم والقبائل على اختلافها تتفق في كراهية الأمويين وعدائهم، ففيها من اسلم رغبة في الإسلام وهؤلاء كانوا يحقدون على الأمويين لتجافيهم عن مبادئ الإسلام في بعض الأحيان، وفيها من أسلم طمعا في الامتيازات التي نادى فيها الإسلام وأهمها المساواة ،وهؤلاء خاب ظنهم حينما رأوا الأمويين لا يطبقون تلك المبادئ، وفيها من حافظ على دينه الأصلي وهؤلاء كانوا ينتهزون الفرصة لإنقاذ دينهم. كذلك لا ننسى أن خراسان منطقة ذات أهمية كبرى بين الأقطار الإسلامية، فهي من الناحية الاقتصادية من أبرز المناطق، وكانت تقدم من الخراج ما يقدر بخراج مصر. ولعل مما يوضح لنا صلاحية خراسان لتلك الدعوة الجديدة تلك الكلمة المنسوبة لـ ( محمد بن علي بن عبد الله بن عباس) والتي يرون أنه قالها لدعاته حين وجههم إلى خراسان. قال: أما الكوفة وسوادها فشيعة علي وولده. وأما البصرة وسوادها فعثمانية تدين بالكف ( أي الكف عن القتال وعدم الاشتراك فيه ) وتقول كن عبد الله المقتول ولا تكن عبد الله القاتل. وأما الجزيرة فحرورية مارقة وأعراب كاعلاج ومسلمون في أخلاق النصارى. وأما أهل الشام فليس يعرفون إلا آل سفيان وطاعة بني مروان وعداوة راسخة وجهلا متراكما. وأما مكة والمدينة فقد غلب عليهما أبو بكر وعمر. ولكن عليكم بخراسان فان هناك العدد الكثير والجلد الظاهر وهناك صدور سليمة وقلوب فارغة لم تتقسمها الأهواء ولم يتوزعها الدغل، وهم جند لهم أبدان وأجسام ومناكب وكواهل وهامات ولحى وشوارب. يشير إلى شجاعتهم وهكذا كانت خراسان حقلا خصيبا أفرخت فيه هذه الدعوة وانتشرت مبادئها حتى تشيعت النفوس وامتلأت بكراهية الأمويين وغدت البلاد كالهشيم المتراكم المتهيئ للاشتعال . ادوار الدعوة العباسية مرت الدعوة العباسية في طريقها بدورين متباينين وقد عرف الدور الأول بدور الدعوة السرية والدور الثاني بدور الدعوة الجهرية. الدور الأول فأما الدور الأول فقد استمر من مطلع القرن الثاني الهجري حتى سنة 127هـ .وقد كان الدعاة والذين اشتملوا على اثني عشر نقيبا ثمانية من العرب وأربعة من غير العرب في هذا الدور يجوبون خراسان في صورة تجار. ثم يقومون بنشر الدعوة من بيت إلى بيت ومن بلدة إلى أخرى في حيطة وحذر، وكان الولاة الأمويين إذا أحسوا بأحد الدعاة ولمسوا عن كثب خطره أسرعوا إليه ونكلوا به، ومن أشد هؤلاء الأمويين في هذا السبيل ( أسد بن عبد الله القسري ) فلقد ولي خراسان مرتين. الأولى من سنة 106 هـ إلى سنة 109هـ والثانية من سنة 117هـ إلى 120هـ .وكان في فترتي ولايته مثالا لليقظة والحزم بل كان مثالا للقسوة والعنف ولكن الدعاة المؤمنين بحقهم لم يهدأ لهم بال فكانوا يستثيرون العصبية بين القبائل العربية ليقوى أمرهم على أنقاض هذه الفرقة. وكان زعماء الحميمة ( وهي من قرى شرق الأردن حاليا ) يكاتبون زعماء خراسان ويستجيب هؤلاء الخرسانيون للدعوة في غفلة من الولاة الأمويين ثم يحيطونها بالسرية حتى يجيء الوقت المناسب للظهور والإعجاب .وكانوا يتصلون بالعناصر المعادية للدولة الأموية وعلى رأسهم ( بكير بن ماهان وهو فارسي ) وكذلك (خداش). وفي خلال هذا الدور توفي الإمام محمد بن علي بن عبد الله بن عباس بالحميمة سنة 125هـ. وكان قد عهد بأمر الدعوة قبل وفاته لابنه إبراهيم الذي تلقب (بإبراهيم الإمام)، وقد تغيرت الأوضاع في عهد إبراهيم فانتقلت الدعوة من السرية إلى الجهرية .ومن الدعاية والكلام إلى العمل وامتشاق الحسام. الدور الثاني أما الدور الثاني فقد بدأ منذ سنة 127هـ حينما اتخذت الدعوة طريقا ايجابيا .وانتقلت إلى دور الكفاح المدجج بالسلاح. وقد تولى القيادة في هذا الدور العملي رجل من دهاة السياسة وعباقرة الحروب وهو (أبو مسلم الخراساني)وقد تجمعت مع هذا القائد جموع المستجيبين للدعوة الجديدة فأهاب بهم إلى الكفاح والعمل وخاطبهم قائلا : ( أشعروا قلوبكم الجرأة فإنها من أسباب الظفر. وأكثروا ذكر الضغائن فإنها تبعت على الإقدام .والزموا الطاعة فإنها حصن المحارب ) ثم عقد لقواده الألوية وهو يتلو قوله تعالى (( أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وان الله على نصرهم لقدير)) وحين أحرز عدة انتصارات خاف ( نصر بن سيار) عامل الدولة الأموية في خراسان .فكتب إلى الخليفة (مروان بن محمد) يعلمه حال أبي مسلم وخروجه وكثرة أتباعه وأنه يدعو إلى إبراهيم بن محمد ). وختم كتابه بتلك الأبيات المشهورة فلما وصل كتابه إلى (مروان بن محمد) كتب إلى عامله (بالبلقاء) يأمره بأن يسير إلى الحميمة فيأخذ (إبراهيم بن محمد) فيشده وثاقا ويرسل به إليه .فأتى بإبراهيم إلى (مروان بن محمد) فلما دخل عليه قال: ما هذه الجموع التي خرجت بخراسان تطلب لك الخلافة؟ قال له إبراهيم: مالي بشيء من ذلك علم فان كنت إنما تريد التجني علينا فدونك وما تريد. ثم بسط لسانه على مروان فأمر به فحبس ثم قتل بعد زمن يسير. وكان إبراهيم بن محمد قد أوصى قبل وفاته أبا مسلم الخراساني فقال له ( وان استطعت ألا تدع بخراسان لسانا عربيا فافعل)وكان من الطبيعي حينئذ أن ينهزم نصر بن سيار أمام قوة أبي مسلم الخراساني وعلى الأخص بعد أن فرق أبو مسلم كلمة العرب وجعل بأسهم بينهم شديد. وقد تراجع نصر بن سيار أمام تلك القوة الرهيبة حتى مات طريدا شريدا في مدينة ساوة سنة 131هـ. وأما أبو مسلم الخراساني وأعوانه فقد سقطت المدن الخراسانية في أيديهم مدينة بعد الأخرى ،ثم سارت الجيوش والفرق في خراسان تغزو وتنتصر حتى أخضعت بلاد العراق حيث بويع أبو العباس السفاح بالخلافة في ربيع الأول سنة 132هـ |
المحاضرة الثالثة أبو العباس السفاح
الأحوال الداخلية في عهده لم تكن هزيمة مروان بن محمد وقتله منتهى متاعب العباسيين فانه كان لا يزال في الأمة العربية قواد ضلعهم مع بني أمية .ولا يزال عندهم شيء من القوة. فكانوا يثورون إما خوفا على أنفسهم من بني العباس الذين اظهروا قسوة شديدة في معاملة مغلوبيهم ،وإما طمعا في إعادة تلك الدولة العربية التي كان لهم منها نصيب وافر. فقضى أبو العباس أكثر حياته في إخماد تلك الثورات التي كانت كثيرة ؛لا سيما في الشام والجزيرة ،وقد كانت حياته مفعمة بحوادث القسوة مع بقايا بني أمية ومع غيرهم من أولياء الدولة الذين كان لهم الأثر المحمود في إحيائها . فأما عن أبي العباس السفاح فقد روى أبو الفرج الاصبهاني في كتابه الأغاني: أن أبا العباس كان جالسا في مجلسه على سريره وبنو هاشم دونه على الكراسي وبنو أمية على الوسائد قد ثنيت لهم. وكانوا في أيام دولتهم يجلسون هم والخلفاء منهم على السرير وبنو هاشم على الكراسي، فدخل الحاجب فقال يا أمير المؤمنين بالباب رجل حجازي اسود راكب على نجيب متلثم يستأذن ولا يخبر باسمه، ويحلف ألا يحسر اللثام عن وجهه حتى يراك .قال هذا مولاي سديف فليدخل. فدخل فلما نظر إلى أبي العباس السفاح وبنو أمية حوله حسر اللثام عن وجهه وأنشأ يقول:
أصبح الملك ثابت الأساس بالبهاليل من بني العباس
بالصدور المقدمين قديما والرؤوس القماقم الرؤاس
أقصهم أيها الخليفة و احسم عنك بالسيف شأفة الأرجاس
لا يغرنك ما ترى من أناس إن تحت الضلوع داءًا دوياً
فضع السيف وارفع السوط حتى لا ترى فوق ظهرها أموياً وأما عبد الله بن علي فكان للأمويين منه يوم عصيب بنهر أبي فطرس بالشام. تتبع من كان بالشام من أولاد الخلفاء وغيرهم فأخذوهم ولم يفلت منهم أحد إلا رضيع أو من هرب إلى الأندلس .فقتلهم ولما فرغ من قتلهم قال:
بني أمية قد أفنيت جمعكم فكيف لي منكم بالأول الماضي
يطيب النفس أن النار تجمعكم عوضتم من لظاها شر معتاض وأما سليمان بن علي فانه قتل بالبصرة جماعة منهم بمكة والمدينة عددا وافرا ،وكان قد حضر إلى مكة ومعه عدد من بني هاشم وعدد من بني أمية فأنشده إبراهيم بن هرمة قصيدة يقول فيها :
فلا عفا الله عن مروان مظلمة و لا أمية بئس المجلس النادي
كانوا كعاد فأمسى الله أهلكهم بمثل ما أهلك الغاوين من عاد ولم تكن الشدة في المعاملة قاصرة على أعدائهم، بل نال أولياءهم منها شيء عظيم وعلى رأسهم -أبا سلمة حفص بن سليمان -وزير آل محمد. فحين تم الأمر لبني العباس واتهموه بأنه كان يريد تحويل الخلافة عنهم إلى آل علي بن أبي طالب وكانوا يريدون قتله فشاوروا في ذلك أبا مسلم الخراساني، فبعث السفاح أخاه أبا جعفر المنصور إلى خراسان لمقابلة أبي مسلم الخراساني واستشارته في ذلك . فأذن له أبا مسلم في قتله فبعثوا رجلا إلى الكوفة لقتله، فقتله حين تربص له أثناء خروجه من عند السفاح وأشاعوا (العباسيين) أن الخوارج قتلوه وكذلك كان الأمر مع- سليمان بن كثير- حيث اتهمه أبا مسلم الخراساني بنفس التهمة السابقة فأحضره وقال له: أتحفظ قول الإمام لي( من اتهمته فاقتله)؟ قال فاني قد اتهمتك. فأمر به فضرب عنقه
| |||
المحاضرة الرابعةأبو جعفر المنصور
الأحوال الداخلية في عهده تولى المنصور الخلافة ولم تكن قد توطدت دعائمها. ولم يكن يخاف عليها من دولة الأمويين؛ لأنه لم يتبق لهم باقية يخاف منها، وإنما كان الخوف ينتاب المنصور من عدة جهات: الأولى : منافسة عمه عبد الله بن علي كان الخوف ينتاب المنصور من عمه؛ لما كان له من نباهة تذكر في بني العباس، ولأنه كان يدبر أمر جيوش الدولة من أهل خراسان وأهل الشام والجزيرة والموصل الذي أمره عليهم السفاح قبل وفاته ليغزو بهم الروم ،وقد أظهر المنصور خوفه هذا لأبي مسلم الخراساني حينما جاءه الخبر بوفاة أخيه والبيعة له ،وكان المنصور قد أرسل- عيسى بن موسى- إلى عمه -عبد الله بن علي- يطلب منه المبايعة، ولكن عبد الله بن علي انصرف بمن معه من الجيوش التي كان يدبر أمرها- كما أخبرنا -وأعلن البيعة لنفسه وتحرك بهم حتى وصل إلى حران. وما أن علم المنصور بذلك حتى سير لحربه أبو مسلم الخراساني، الذي جمع إليه الجنود والسلاح والطعام وخندق حول معسكره، وكان جنده مؤلفا من :أهل الشام والجزيرة وخراسان فخاف ألا يناصحه أهل خراسان إذا رأوا أبا مسلم الخراساني مطلا، فقتل أبو مسلم منهم نحو 17000 رجلا( وان كان هذا العدد مبالغ فيه) إلا أنه قتل عدد كبير منهم فأضعف بذلك قوته، ومما دل على قلة حزمه وذكائه أنه كان من ضمن القواد الذين معه (حميد بن قحطبة) وهو من كبار القواد في الدولة العباسية فأراد أن يستريح منه ولكنه لم يجرؤ أن يقتله في المعسكر؛ خوفا من تغير الجند عليه ، فكتب له كتابا ووجهه إلى- حلب –وعليها( زفر بن عاصم) وفي الكتاب: ( إذا قدم عليك حميد بن قحطبة فاضرب عنقه) لكن -حميد -فتح الكتاب في الطريق وعلم ما فيه ودعا أناسا من خاصته فأخبرهم بالأمر وشاورهم وقال لهم:( من أراد منكم أن ينجو بنفسه ويهرب فليسر معي فاني أريد أن آخذ طريق العراق، ومن يرد منكم أن يحمل نفسه على السير فلا يفشين سري وليذهب حيث أحب) فسار معه معظم الناس. وبذلك فقد أبو مسلم الخراساني أفضل قواده. أما عن( عبد الله بن علي) فانه ترك -حران -واتجه إلى- نصيبين -فاتخذها معسكرا وحصنها ،فأقبل إليه أبو مسلم الخراساني وأراد أن يحتل موقع( عبد الله بن علي )لحصانته فبعث إليه أني لم أومر بقتالك ولكن أمير المؤمنين المنصور ولاني الشام وأنا سأذهب إليها، ومع أن( عبد الله بن علي) كان يفهم ما يريده أبو مسلم الخراساني، إلا أن جنده- أي جند الشام- وهم (جند عبد الله بن علي) قالوا له: كيف نقيم معك وهذا سيأتي بلادنا الشام وفيها حرمنا فيقتل من قدر عليه من رجالنا ويسبي ذرارينا .فأذن لنا حتى نعود إلى بلادنا الشام ونحمي من فيها ونقاتل العدو. ومع أن( عبد الله بن علي) حاول إقناعهم بأن أبا مسلم الخراساني لا يريد الشام وإنما يريد أن يذهبوا ويغادروا مكانهم الحصين- نصيبين- ليستولي هو عليه، إلا أنهم أمروا على المسير إلى الشام ،وبذلك ارتحل( عبد الله بن علي) معهم إلى الشام وترك الجميع المكان فاستولى عليه أبو مسلم مع من بقي معه من الجيوش ،وعلم( عبد الله بن علي) أن الحيلة انطلت عليه وعلى جيشه أهل الشام ،وكان لا بد للقتال أن يدور بين الجانبين ؛لان أبا مسلم ما جاء إلا لقتال (عبد الله بن علي) واستمر القتال بينهما ستة أشهر، إلا أن القوة كانت راجحة في معسكر أهل الشام (أي جند عبد الله بن علي) حتى إذا كان يوم الثلاثاء لسبع خلون من جمادى الآخرة سنة 137هـ كانت بينهما الموقعة الفاصلة ،وقد استعمل فيها أبو مسلم دهائه العسكري ،وذلك أنه أرسل إلى (الحسين بن قحطبة) وكان على الميمنة أن أعر الميمنة وضم أكثرها إلى الميسرة، وليكن في الميمنة حماة أصحابك، فلما رأى ذلك(عبد الله) أعرى ميسرته لمقاتلة ميمنة أبي مسلم ،وضم أكثر جنودها إلى الميمنة بإزاء ميسرة أبي مسلم ،فكانت الهزيمة وحينما رأى( عبد الله بن علي) أن الهزيمة تمت خاف على نفسه وفر إلى العراق تاركا معسكره، فاحتواه أبو مسلم فأمن الناس ولم يقتل أحدا، أما (عبد الله بن علي )فقد سار إلى البصرة وكان أميرها أخاه (سليمان بن علي) فآواه وأقام عنده مدة متواريا عن الأنظار، ولما علم المنصور بذلك أرسل إلى- سليمان يأمره بإرسال أخيه (عبد الله بن علي )إليه وأعطاه من الأمان الكثير، فخرج به- سليمان- حتى قدم به إلى المنصور سنة 139هـ ،فأمر بحبسه وحبس من كان معه ثم أمر بقتل بعضهم، وأرسل آخرين منهم إلى خراسان ،فقتلوا هناك بينما استمر( عبد الله بن علي) في محبسه حتى مات سنة 147هـ الثانية : قوة أبي مسلم الخراساني بعد أن قضى المنصور على عمه( عبد الله بن علي) وجه سيطرته على (أبي مسلم الخراساني )الذي أصبح بعد ذلك صاحب الشوكة والسلطان في الدولة، والذي زاده خوفا من هذا الرجل أنه- يعني أبا مسلم -بدأ لا يحترم كتب الخليفة العباسي المنصور، بل ويستهزئ بها إذا وردت إليه، لذلك صمم على الفتك به، لذلك بدأ يغير موقفه منه فبعد أن تمت هزيمة (عبد الله بن علي )بعث إليه رسولا ليحصي الغنائم التي غنمها -أبو مسلم -من عمه (عبد الله بن علي) فلما ورد الرسول المعسكر غضب- أبو مسلم -وكاد يقتل الرسول، وقال: (أأكون أمينا على الدماء غير أمين على الأموال) فعاد الرسول وأخبر المنصور بذلك، ولما خاف المنصور أن يشك- أبو مسلم -بذلك الموقف ويهرب بالتالي إلى خراسان ثم لا يستطيع أن يحصل عليه إلا بصعوبة شديدة. كتب إليه :أ(ني قد وليتك مصر والشام فهي خير لك من خراسان فأقم بالشام حتى تكون بقرب أمير المؤمنين) ولما ورد إليه الكتاب غضب- أبو مسلم –وقال: كيف يوليني الشام ومصر وخراسان من حقي، وصمم على التوجه إلى خراسان، لذلك لم يبق على المنصور إلا أن يستعمل المكر والدهاء، حيث ينصب له فخا يوقعه فيه من غير حرب ،فتوجهه المنصور إلى المدائن أبي مسلم أن يأتيه ويقدم عليه، فكتب له كتابا ردا على طلبه يوحي خلاله أنه رجل صاحب قوة ويضع نفسه في صف -الخليفة المنصور- باعتبار أنه كان له سابق العهد في إقامة دعائم الخلافة العباسية ،فكتب إليه- المنصور- كتابا لينا وطلب من كلا الرجلين( عيسى بن موسى وأبا حميد المروزي) أن يحملاه إليه ،وحين وصل أبو حميد المروزي كلمه كلاما رقيقا فيه نصيحة وتذكير بحقوق الإمام وتخويف من تفريق الكلمة ،فاستشار- أبو مسلم- مختصيه فأشاروا عليه بألا يقدم على –المنصور- ؛لأنه لم يعد يأمنه بعد أن وقع في نفسه ما وقع فقال لأبي حميد:( ارجع إلى صاحبك فليس من رأيي أن آتيه) وحينئذ بلغه الرسالة الأخيرة، وهي التي حملها معه وطلب منه أن يسلمها لأبي مسلم في حالة امتناعه عن المجيء، وفيها :(يقول لك أمير المؤمنين لست للعباس وأنا بريء من محمد إن مضيت مشاقا ولم تأتني إن وكلت أمرك لأحد سواي، وان لم آل طلبك وقتالك بنفسي، ولو خضت البحر لخضته، ولو اقتحمت النار لاقتحمتها وراءك حتى أقتلك أو أموت قبل ذلك) لذلك لم يكن أمامه بعد ذلك إلا أن يقبل بالذهاب معه كان المنصور مصمما على قتل أبي مسلم، ولكن اجتهد أن يكون - أبي مسلم -آمنا لا يحس بشيء من الجفاء ،فلما قارب أبو مسلم- المدائن -أمر الناس وبني هاشم فتلقوه، حتى إذ أدخل على المنصور وسلم عليه سلاما لا يشوبه شيء مخيف أمره أن ينصرف ويزيل وعشاء السفر ويستريح ليلة، ولما جاء الغد أمر -عثمان بن نهيك- (رئيس الشرطة )فجاء بأربعة رجال من الحرس وأمرهم أن يكونوا خلف الرواق، فإذا هو صفق خرجوا وقتلوا- أبا مسلم- ثم دعاه فدخل عليه فأقبل عليه يحدثه عن -نصلين –(خنجرين )أصابهما في متاع عمه (عبد الله بن علي )فقال :هذا أحدهما للذي هو معه، فقال المنصور أرنيه، فأخذه وهزه المنصور ثم وضعه تحت فراشه؛ ليأمن على نفسه أن يفتك به- أبو مسلم- ثم سأله عن سبب قصده خراسان فقال دع هذا فما أصبحت أخاف أحدا إلا الله، فصفق حينئذ المنصور بيديه فخرج أولئك الحرس فقتلوه بسيوفهم، ثم أراد أن يفرق الجمع الذي أقبل معه، فأعطاهم جوائز أشغلتهم عن التفكير في الخلاف الذي دار بين الطرفين ،وبقتله ابتدأ- كما يعتقد المنصور- سلطانه الحقيقي
| |||
المحاضرة الخامسة
تم في عهد المنصور هروب- عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك -إلى بلاد الأندلس، حيث أسس فيها الدولة الأموية الثانية، وكان المنصور يعجب به وبقدرته وعزيمته ومع ذلك لم يكن بين الرجلين علاقة حسنة ،ولم يتسم -عبد الرحمن -هذا بأمير المؤمنين، بل تسمى بالأمير فقط ،وتعتبر أول بلاد اقتطعت من الخلافة الإسلامية الكبرى بالمشرق ،أما عن مملكة الروم التي تحد الخلافة الإسلامية من ناحية الشمال، فكان يعاصر المنصور فيها- قسطنطين الخامس- وكانت العلاقة بين الجهتين عدائية لا تترك أحدهما قتال الأخرى متى حانت الفرصة لكل منهما، فكانت الصوائف( الجنود التي تغزو في فصل الصيف )لا تنقطع عن العمل إلا لمانع، وحدث أن أغارت الروم سنة 138هـ على( ملطية )وهي في ذلك الآونة من الثغور الإسلامية ،فدخلوها عنوة .قهروا أهلها وهدموا سورها وعفا الملك عمن فيها من المقاتلة والذرية أما من موقف المنصور من هذا الاعتداء؛ فقد أرسل عمه- صالح بن علي- ومعه أخوه -العباس بن محمد بن علي- فتم على يديهما أولا: بناء ما كان صاحب الروم هدمه من ملطية، ثم غزو أرض الروم وكان مع -صالح بن علي- آختاه( أم عيسى ولبابة ابنتا علي) وكانتا نذرتا إذا زال ملك بني أمية أن تجاهدا في سبيل الله ،وغزا كذلك معهما- جعفر بن حنظلة البهراني -وكان ذلك سنة 139هـ ،وفيها أيضا تم استنقاذ المنصور الأسرى الذين كانوا في بلاد الروم من المسلمين . وفي سنة 140هـ غزت جيوش الصوائف- الحسن بن قحطبة- مع -عبد الوهاب بن إبراهيم الإمام –وأقبل -قسطنطين -صاحب الروم في جيش كثيف، فنزل بهم- جيحان- فبلغه كثرة المسلمين فأحجم عنهم، ثم لم تنطلق الصائفة بعد ذلك حتى سنة146هـ؛ لانشغال المنصور بأمر(محمد وإبراهيم ابني عبد الله)واستمرت الصائفة حتى سنة 155هـ، حيث طلب بعدها صاحب الروم الصلح على أن يؤدي للمسلمين الجزية ،والذي تجدر الإشارة إليه هنا :أن هذه الاغارات التي حدثت بين الطرفين لم يقصد بها فتح ،،بل كان كل واحد من الجانبين ينتهز الفرصة فيجتاز الحدود التي لصاحبه ثم يعود إلى مقره ثانية وكذلك المصالحات لم تكن لتستمر بينهما فترة طويلة ،بل سرعان ما يعودون إلى ما كانوا عليه. وعن الحدود الأخرى فكانت في الغالب محلا للاضطرابات، ولكنها كانت تسكن حالا بما يبذله المنصور من الهمة وإرسال الجنود إليها، وكان في كل ثغر جنود مرابطون من –المرتزقة-( وهم المفروض لهم عطاء من الديوان) ومن- المتطوعة- (وهم الذين ينتدبون للجهاد في سبيل الله لا يطلبون على ذلك أجرا إلا من الله تعالى) وكان الخليفة المنصور هو الذي يعين قائدهم وكان عددهم في ذلك الوقت كثير. حركة الراوندية وهي احد حركات الموالي لم يكد المنصور ينتهي من قتل أبي مسلم الخراساني حتى فوجئ بتعاليم جديدة يدعو إليها أهل فارس .وكانوا قبل الفتح الإسلامي يقدسون ملوكهم فيجعلونهم من مصاف الآلهة، وهؤلاء هم الراوندية نسبة إلى مدينة -راوند -القريبة من أصفهان وكانت مهد دعوتهم. يقول المؤرخ المشهور بالمدائني المتوفى سنة 214هـ عن عقيدة الراوندية: أن رجلا من الراوندية كان يقال له الأبلق وكان أبرصا فتكلم بالغلو ودعا بالراوندية ،فزعم أن الروح التي كانت في عيسى ابن مريم صارت في علي بن أبي طالب –رضي الله عنه - ثم في الأئمة واحد بعد واحد إلى- إبراهيم بن محمد -سبط العباس عم النبي (ص)، وأنهم آلهة كما استحلوا الحرمات فكان كل رجل منهم يدعو الجماعة منهم إلى منزله فيطعمهم ويسقيهم ويبيح لهم الحرمات ،فبلغ ذلك- أسد بن عبد الله القسري- فقتلهم وصلبهم فلم يزل ذلك فيهم إلى اليوم، فعبدوا أبا جعفر المنصور وصعدوا إلى- الخضراء- (وهي القبة التي بناها المنصور ببغداد )فألقوا أنفسهم كأنهم يطيرون ،وخرج جماعتهم على الناس بالسلاح فأقبلوا يصيحون بابي جعفر المنصور) أنت أنت يعنون أنت الله )فخرج إليهم بنفسه فقاتلهم فأقبلوا يقولون: أنت أنت ،عندها لم ير المنصور بدا من الضرب على أيدي هؤلاء؛ لخروجهم عن الدين والدولة ،ولأن ذلك من شأنه أن يثير العرب عامة ،وقد سجن المنصور من زعماء الراوندية مائتي رجل، فأثار هذا نفوس أنصارهم فاجتمعوا وفتحوا السجن وأخرجوا الرؤساء منها ،ثم قصدوا المنصور وحاربوه فخرج إليهم ماشيا فتكاثروا عليه وكادوا يقتلونه، لولا أن أغاثه معن بن زائدة الشيباني أحد قواد الأمويين الذين حاربوا العباسيين تحت إمرة -ابن هبيرة- والي العراق، وحينما أنقذ معن المنصور وهزم الراوندية كوفئ بولاية اليمن . وكان أبو جعفر المنصور ينظر إلى الراوندية كأعداء سياسيين ؛لأنهم من أتباع عدوه أبي مسلم الخراساني الذين يعملون على تحويل الخلافة إلى ملك كسروري، كما كان ينظر إليهم باعتبارهم زنادقة يرون أن تعود المجوسية أو شكل من أشكالها كالزرادشتية أو المانوية أو المزدكية أو غيرها، فعاملهم كما عامل أبا مسلم الخراساني وقتلهم شر قتله، إلا أنه مع ذلك لم يستطيع أن يقضي عليهم قضاءا تاما ،فظهروا في صور مختلفة نراها في مثل ثورات المقنع الخراساني وبابك الخرمي وغيرهما. الجيش كان جيش الدولة العباسية في بدايتها مؤلفا من فريقين: (الأول) الجيوش الخراسانية( والثاني) الجيوش العربية وقوادهم من الفريقين بعضهم من العرب وبعضهم من الموالي ،وكان التنازع شديدا بين الفريقين بداعي العصبية كل يتعصب لأبناء جنسه، وكان أكبر القواد المعروفين في أول عهد الدولة -أبو مسلم الخراساني -لجيوش المشرق الخراسانية و-عبد الله بن علي -لجيوش المغرب وأعظمها عربيا من -الجزيرة والشام- ولما خرج- عبد الله بن علي- عن طاعة -المنصور- وأرسل- أبو مسلم- لحربه فانتصر عليه رجحت كفة الخراسانيين وصارت الثقة بهم أعظم، ولكن ذلك لم يمنع –المنصور- من القضاء على -أبي مسلم- الذي نظر إليه نظرة الشريك المساوي في القوة والسلطان ،ويظهر أن المنصور لم يكن يرى لمصلحته ومصلحة أهل بيته ألا تظل كفة أهل خراسان راجحة فاصطنع كثيراً من رجالات العرب ،وسلمهم قيادة الجيوش، كما استعان بأهل بيته ،ومن أعظم قوادهم -عيسى بن موسى -الذي سيره المنصور لحرب- محمد بن عبد الله –وأخيه- إبراهيم -. ومن مشهوري قواده العرب -معن بن زائدة الشيباني- وهو قائد شجاع كان في أيام بني أميه متنقلاً في الولايات ومنقطعاً إلى- يزيد بن عمر بن هبيره الفزاري- أمير العراق- فلما جاءت الدولة العباسية وحوصر- يزيد بن عمر- في -واسط -،أبلى معه يومئذٍ بلاءً حسناً، فلما سُلم يزيد وقتل خاف -معن -على نفسه من المنصور، فاستتر مدة طويلة ومازال على ذلك حتى كان يوم ثورة الراوندية على المنصور ،حيث اجتمع منهم حوالي- ستمائة رجل- ضد المنصور فخرج- معن-؛ ليقاتل في جانب المنصور، وأبلى بلاءً حسناً ،فكان نتيجة ذلك أن أعطاه- أبو جعفر المنصور- الأمان وأكرمه- أبو جعفر المنصور- بعشرة آلاف درهم- وولاه اليمن فمكث فيها مدة أحسن السيرة فيها حاضرة الخلافة لما ولي أبو جعفر أنتقل من- الأنبار- إلى –الهاشمية- التي أسسها أخوه- أبو العباس السفاح -وأقام بها إلى أن عزم على تأسيس مدينة- بغداد- حاضرة بني العباس الكبرى ومظهر فخرهم ومدنيتهم ،وكان يريد أن يكون بعيدا عن –الكوفة-، فخرج يرتاد مسكناً لنفسه وجنده ويبتني به مدينة حتى صار إلى موضع- بغداد -وقال هذا موضع معسكر صالح .هذه –دجلة- ليس بيننا وبين الصين شئ. يأتينا فيها كل ما في البحر ،وتأتينا الميرة من :الجزيرة- وأرمينية -وما حول ذلك ،وهذا- الفرات -يجيء فيه كل شيء من- الشام –والرقة- وما حول ذلك، فنزل وضرب عسكره على- الصراة- وهو- نهر بين دجلة والفرات- ثم أمر بخط المدينة على مثال وضعه، وهي مدورة الشكل تقريبا، وجعل لها سورين :أحدهما داخل، وهو سور المدينة ،وسمكه في السماء 35 ذراعاً، وعليه أبرجه سمك كل برج منها فوق السور خمسة أذرع، وعلى السور شرف ،وعرض السور من أسفله نحو عشرين ذراعاً، ويليه من الخارج فصيل بين السورين، وعرضه ستين ذراعاً ،ثم السور الأول ودونه خندق ، وللمدينة أربعة أبواب كل أثنين منها متقابلين ،وكل منهما باب دون باب بينهما دهليز، وهكذا تأتي تفاصيل مدينة بغداد، وتتميز بسماكة جدرانها وقببها العظيمة المزخرفة ،وعلى كل باب من أبواب المدينة باب حديد عظيم كناحية أمنية وابتنى قصره الذي يسمى- الخلد –على- دجلة -وكان موضعه وراء باب خراسان ،وفي سنه 151هـ بنى المنصور- الرصافه- لأبنه المهدي وعمل لها سوراً وخندقاً وميداناً وبستاناً وأجرى لها الماء . وبنى المنصور قصره والجامع في وسط المدينة ،وكان في صدر قصر المنصور إيوان طوله ثلاثون ذراعاً، وعرضه عشرون فوقه القبة الخضراء ،ومن الأرض إلى رأس القبة ارتفاع ثمانين ذراعاً . وقد انفق المنصور على مدينته هذه ثمانية عشرة ألف ألف دينار ،ولما انتهى من بناءها بعث إليها العلماء من كل بلد وإقليم، فجاءها الناس أفواجاً ولم تزل تتعاظم ويزداد عمرانها حتى صارت أم الدنيا وسيدة البلاد ومهد الحضارة الإسلامية في عهد الدولة العباسية وصل عدد سكانها إلى مليونين
| |||
المحاضرة السادسة محمد المهدي
أعماله بعد توليه الخلافة ساد خلافة المهدي الهدوء والاستقرار والرفاهية التي عمت الناس جميعا في عهده؛ وذلك لأن الخلافة العباسية قد توطدت وأنياب العلويين قد كسرت، وان كان قد بقيت لهم بقايا يتطلعون للخلافة فهم لا يحتاجون للاحتراس منهم إلى مثل ما كان المنصور يحتاج إليه من الشدة ،فان كبارهم قد وضعوا تحت نظر الخليفة ببغداد، والذين كانوا في المدينة اكتفى بمراقبة الخليفة لهم فكانوا يعرضون عليه كل يوم ،ولذلك كانت حياة المهدي سعيدة لنفسه لأمته؛ فهو من بعد أبيه يشبه في كثير من الوجوه الوليد بن عبد الملك بعد أبيه ففي أول ولايته- أمر بإطلاق من كان في سجن المنصور إلا من كان قبله تباعه دم أو قتل ،ومن كان معروفا بالسعي بالأرض بالفساد أو كان لأحد قبله مظلمة أو حق،، فالذين أطلقهم من كان جرمهم سياسيا أما أرباب الجنايات والمحبوسين لحقوق مدنية فإنهم ظلوا في حبسهم، وكان ممن أطلق -يعقوب بن داوود -كذلك أمر ببناء القصور في طريق مكة أوسع من القصور التي بناها السفاح في- القادسية- إلى- زبالة -،وأمر بالزيادة في قصور السفاح وترك منازل المنصور التي بناها على حالها، وأمر باتخاذ المصانع في كل منهل وهي -حيضان تبنى وتملا من مياه الآبار حتى يكون الاستقاء سهلا على رجال القوافل الذين لا ينقطع مرورهم من تلك الجهات- وأمر بتجديد الأميال والبرك وحفر الركايا مع المصانع وجعل لذلك عاملا خاصا يقوم به، وأمر أن يجرى على المجذومين وأهل السجون في جميع الآفاق ؛حتى لا يحتاج المجذومون الى المشي في الطرق وسؤال الناس، فيكونون سببا في انتشار المرض، وحتى يكون للمسجونين مايقومهم فلا يموتون جوعا إلا من كان له أهل يسالون عنه ،وأقام البريد بين المدينة المنورة ومكة المكرمة واليمن بغالا وابلا أيضا،وزاد في المسجد الحرام والحرم المكي فأدخل به دورا كثيرا مما يحيط به وأخذ يجلس للمظالم وتدخل القصص إليه، فارتشى بعض أصحابه بتقديم بعضها ،فاتخذ بيتا له شباك حديد على الطريق تطرح فيه القصص وكان يدخله وحده فيأخذ ما يقع بيده من القصص أولا فأولا فينظر فيه فلا يقدم بعضها على بعض، إلا انه مع ذلك كله أخذت عليه بعض المآخذ ومن أهمها: أنه أمر بمحو اسم الوليد بن عبد الملك من حائط المسجد النبوي وكتابة اسمه مكانه ،وهذا كثيرا ما يحدث من بعض الشخصيات الكبيرة التي تريد لنفسها العظمة والكبرياء فتنسب لنفسها أعمال غيرها. حركة المقنع الخراساني وهي أحد حركات الموالي ظهر هذا الرجل بخراسان وكان رجلا قبيح الخلق أعورا قصيرا من أهل مرو، عمل له وجها من ذهب وركبه على وجهه وادعى الألوهية، وكان يقول الله خلق آدم ،فتحول في صورته ثم في صورة نوح ثم نوح والأنبياء جميعا حتى محمد(ص) ثم تحول بعده في صورة علي بن أبي طالب(رضي الله عنه) حتى وصل إلى صورة -أبي مسلم الخراساني- ثم زعم أنه انتقل منه إليه، وقال بإسقاط الصلاة والزكاة والصوم والحج، وأباح للناس الأموال والنساء لذلك عبده الناس وسجدوا له . وقد أظهر المقنع قمرا يطلع ويراه الناس على مسيرة شهر ثم يأفل، وفي ذلك يقول أبو العلاء المعري : أفق إنما البدر المقنع ضلال وغى مثل بدر المقنع وكان المقنع في مبدأ أمره ينتحل مذهب- الزرامية -أتباع رزام ،ولما قوى أمر- المقنع- وكثر أنصاره انضم إليه أهل بخارى وسمرقند والأتراك الذين كانوا يقيمون حول بحر قزوين ،واعتصم بقلعة حصينة حول- كش- وأرسل إليه الخليفة المهدي سبعين ألفا في القلعة مع نفر يسير من أصحابه ،ولما شعر المقنع بالهزيمة أشعل النار وأحرق كل ما فيها من دواب وثياب ومتاع ،وأذاب النحاس والسكر في تنور وجمع نسائه وأولاده، وطلب ممن أحب من أصحابه أن يلقوا بأنفسهم في النار؛ ليرتفعوا إلى السماء فقال (أنا صاعد إلى السماء فمن أراد أن يصحبني فيشرب من هذا الشراب )وسقاهم شرابا مسموما وشرب منه فماتوا جميعا وألقى نساءه وأولاده في النار ثم ألقى بنفسه ؛كذلك خوفا من أن يظفر أعداءه بجثته أو جثث نساءه وذلك عام 169هـ. ولكن موت المقنع لم يضع حدا لتعاليمه التي اعتنقها نفر من بلاد ما وراء النهر، وأصبحوا يعرفون باسم المقنعية المبيضة، واتخذوا في كل قرية مسجدا يصلون فيه ويستحلون الميتة والخنزير والنساء، وإذا رأوا مسلما قتلوه وأخفوا جثته . الأحوال الخارجية في عهده. كانت العلاقة بين الخلافة العباسية في بغداد وبين أمير الأندلس( عبد الرحمن الداخل )سيئة جدا، فكان المهدي ومن سبقه المنصور يهتمان بأمره ويودان إزالة دولته ، ولكن المسافة بعيدة فلم يكن باستطاعته أن يجرد -لعبد الرحمن- جيشا يخترق صحاري افريقية ويغزوه في بلاد الأندلس، لذلك اكتفى كل منهما بمعادة الآخر، وكان- شارمان- ملك فرنسا في ذلك الوقت مهتما بإعادة الدولة الرومانية الغربية التي محيت آثارها، وقد علم هذا المذكور ما بين الطرفين- المهدي- وعبد الرحمن -من عداوة شديدة، فأحب الاستفادة منها والتقرب( بمحاربة أمير الأندلس) إلى قلب الخليفة العباسي في بغداد –المهدي- ليكتسب بذلك نفوذا في الخلافة ،وبالتالي يرتفع قدره على ملك الروم في القسطنطينية- لاون الرابع- واجتهد في تحقيق بعض الشيء من ذلك في عهد هارون الرشيد. أما عن العلاقات بين المهدي وملك الروم -لاون الرابع- فكان سيئة فلم تكن الاغارات من الطرفين تهدأ بل كانت الصوائف تعمل من جانب المسلمين، وبالمقابل كانت الغارات من ملك الروم، وكان ذلك برا وبحرا. وفي سنة 263هـ ولى أمر الصائفة ابنه - هارون بن المهدي-(الرشيد) ،حيث كانت هذه الغزوة من أهم الغزوات في عهد المهدي ،فتح الله عليهم فيها فتحا كثيرا ،ومما فتح هؤلاء -حصن سمالا- بعد أن أ قاموا علية –(ثمانية وثلاثين ليلة)- وقد نصب عليها المجانيق حتى وكان فتحها على :ثلاثة شروط .ألا يقتل أهلها .ولا يرحلوا .ولا يفرق بينهم. فأعطوا ذلك، وأعطى لهم هارون بن المهدي ذلك، ثم قفل بالمسلمين سالمين إلا من كان أصيب منهم بذلك الحصن. وفي سنة 165هـ.أعاد هارون –الغزوة على بلاد الروم مرة ثانية ويقال أن عدد جيشه في هذه المرة بلغ أكثر من- تسعين ألف مقاتل- وكان الذي يقوم بأمر الروم في تلك الفترة -ايريني –(أم الملك )نيابة عن ابنها قسطنطين السادس، الذي يعتبر لا يزال صغير السن. جرى بينها وبين هارون مكتبات في طلب الصلح والموادعة وأعطاء الفدية، فقبل ذلك هارون واشترط عليها: أن تقيم الإدلاء والأسواق في طريقة؛ لأنه قد دخل مدخلا صعبا مخوفا على المسلمين ،فوافقت على هذه المطالب. حيث كان الاتفاق أن تعطيه 90000دينار، تؤديها في نيسان من كل سنة وكتبوا كتاب هدنة إلى ثلاث سنوات وسلمت الأسرى، وفي رمضان سنة 168 هـ( أي قبل انقضاء مدة الهدنة )نقض الروم الصلح المذكور، وغدروا فوجه إليهم -علي بن سليمان بن علي- وهو( والي الجزيرة وقنسرين )يزيد بن بدر البطال في سرية فردوا الروم وغنموا وظفروا وفيما يتعلق ببلاد الهند فقد أرسل المهدي سنة 169هـ- عبد الملك بن شهاب المسمعي -في البحر إلى بلاد الهند ،وبعث معه( ألفين رجل) من أهل البصرة( وألف وخمسمائة )من المطوعة( وسبعمائة )من أهل الشام( وأربعة آلاف) من السبابجة والاسواريين، وبعد أن وصل الجميع -بإربد من( أرض الهند) سنة 169هـ أقاموا عليها يومين ونصبوا عليها المجانيق حتى فتحوها عنوة ،وأشعلوا فيها النيران ،وقتلوا من أهلها بضعة وعشرون رجلا، وأقاموا فيها -باربد -فأصابتهم أمراض مات بسببها( ألف رجل ) ثم انصرفوا حتى إذا وصلوا ساحلا من فارس يقال له -بحر حمران -عصفت عليهم الريح فكسرت عامة مراكبهم ،فغرق منهم ونجا البعض الآخر
| |||
المحاضرة السابعة موسى الهادي
ثورة الحسين بن علي بن الحسن المثلث وفي عهد- الهادي- خرج بالمدينة هذا الثائر المذكور سنة 169هـ ، وكان والي المدينة لوقته -عمر بن عبد العزيزبن عبد الله بن عمر بن الخطاب -، أخذ الحسن بن محمد النفس الزكية وجماعة كانوا على شراب فأمر بهم فضربوا جميعا، ثم أمر بهم فجعل في أعناقهم حبال وطيف بهم في المدينة، فصار إليه- الحسين بن علي- فكلمه فيهم وقال له: ليس هذا عليهم وقد ضربتهم ولم يكن لك أن تضربهم، و أهل العراق لا يرون به باسا فلم تطوف بهم ،فبعث إليهم وقد بلغو البلاط فردهم وأمر بهم إلى الحبس فحبسوا يوما وليلة ،ثم كلم فيهم فأطلقهم وكانوا يراقبون- الحسن بن محمد- وكان -الحسين بن علي- ويحيى بن عبد الله بن الحسن -كفلاه فأخذ الكفيلين وسألهما عنه فحلفا أنهما لا يدريان موضعه فكلمهما بكلام أغلظ لهما فيه فحلف- يحيى بن عبد الله -ألا ينام حتى يأتيه أو يضرب عليه باب داره حتى يعلم أنه قد جاءه، فلما خرج قال - الحسين بن علي -لصديقة (سبحان الله كيف تحلف له بشيء لا تقدر عليه) قال( والله لا نمت حتى أضرب عليه باب داره بالسيف) وكانوا قد تواعدوا على أن يخرجوا بمنى أو مكة أيام الموسم وكان بالمدينة جماعة من أهل الكوفة من شيعتهم وممن كان بايع -الحسين بن علي- ففي آخر الليل خرجوا وجاء- يحيى بن عبد الله -حتى ضرب باب دار- مروان علي العمري- فلم يجده فيها ثم انتقلوا إلى المسجد ،وحين أذن الصبح جلس -الحسين بن علي- على المنبر وعليه عمامة بيضاء وإذا رأوهم الناس في المسجد رجعوا من غير أن يصلوا في المسجد، ثم جاءه الناس بعد ذلك يبايعون على كتاب الله وسنة رسوله للمرتضى من آل محمد ومع أن هناك جماعة قاومتهم لكنها لم تفلح، وبعد أن تم- للحسين بن علي -ما أراد نهبت جماعته بيت المال ،أما عن موقف الهادي من هذا الثائر فقد ولى أولا لحربه (محمد بن سليمان بن علي ) الذي سار بالسلاح والعدة وكان في تلك الفترة قد حج من أهل بيته( أي الهادي )منهم (العباس بن محمد) وكان على الموسم(بن أبي جعفر بن المنصور) المهم أن الجيش بقيادة- محمد بن سليمان- سار خلف خصمه- الحسن بن علي –حتى لقيه- بفخ -ودارت بين الطرفين موقعة قتل فيها هذا الثائر وجماعة ممن معه ،وأفلت من هذه الموقعة رجلان لهما تاريخ جليل وهما (ادريس بن عبد الله بن الحسين بن علي )اخو- محمد بن النفس الزكية- وهو مؤسس دولة الأدارسة بالمغرب الأقصى، والثاني أخوه (يحيى بن عبد الله )الذي ذهب إلى بلاد الدليم . صفات الهادي كان الهادي شديد الغيرة على حرمه ،ويشبه في ذلك –سليمان بن عبد الملك –في بني أمية ،وقد نهى أمه –الخيزران –أن لا يدخل عليها أحد من القواد أو رؤساء حكومته ،بعد أن كان لها نفوذ من الأمر في عهد المهدي ،مالم يكن لامرأة غيرها ،ولما مضى –أربعة أشهر- من خلافته ،أخذت المواكب تغدوا الى بابها ؛طمعا في عطاياها ،فأغضبه ذلك ،وقال لها:لئن بلغني أنه وقف ببابك أحد من قوادي أو خاصتي أو خدمي لأضربن عنقه ولأقبضن ماله وأرجو أن تشغلي نفسك بصلاتك وتسبيحك ومصحفك فسكتت . وكان شجاعا قويا روي عنه :أنه كان يثب على الدابة وعليه درعان , وكان يرى الناس لا يصلحون إذا حجب خليفتهم عنهم، حتى أنه قال- للفضل بن الربيع -الذي أقامه في حجابته بعد أبيه( لا تحجب عني الناس فإن ذلك يزيل عني البركة ولا تلقي إلي أمر إذا كشفته أصبته باطلاً فإن ذلك يوقع بالملك ويضر بالرعية) وقال مرة- لعلي بن صالح- أأذن للناس وفتح لهم الأبواب فدخل الناس أفواجاً ،فلم يزل ينظر في مظالمهم إلى أن جاء الليل، وكان كريماً يشبه أباه في أعطياته ،ولكنه لم تطل مدته في الخلافة حتى يكون له في أحوال الأمة أثر ظاهر
| |||
المحاضرة الثامنة هارون الرشيد
أسرة البرامكة ونكبتهم (171-187هـ )أي 17 سنة. حرى بنا قبل أن نتناول ذكر النكبة أن نتعرف بشكل سريع على هذه الأسرة البر مكية، والذي لا مجال للشك فيه أن هذه الأسرة تنسب إلى جدها برمك ،وهو من مجوس بلخ وكان يخدم النوبهار، وهو معبد كان للمجوس بمدينة بلخ توقد فيه النيران،، فكان برمك وبنوه سدنة له ،ولما جاءت الدعوة العباسية كان خالد بن برمك من أكبر دعاتها، وكان ذا صفات علية أهلته للسيادة ورفعة القدر في صدر الدولة، حيث بقي وزيرا في عهد –السفاح- وأبو جعفر المنصور- ثم توفي سنة 163هـ في أوائل خلافة المهدي. ثم اختار المهدي- يحيى بن خالد بن برمك- وزيرا لابنه- هارون المهدي -وكان يدير أمره؛ لذلك كان يناديه يا أبي ،وبعد ذلك أصبح- يحيى بن خالد- وزيرا لهارون الرشيد وكان ليحيى بن خالد أربعة أولاد (الفضل- جعفر –محمد-موسى). 1- فأما (الفضل بن يحيى) فهو أكبر الأخوة حيث كان ينوب عن أبيه في أهم الأعمال وأجلها، وتولى مهمة القضاء على حركة (يحيى بن عبد الله بن الحسن )حيث احتال عليه واستنزله من معقله (ببلاد الديلم ) بأمان من غير أن يريق في ذلك نقطة دم، وكان ذلك سنة 176هـ، وفي سنة 178هـ ولاه هارون الرشيد خراسان وثغورها فأحسن السيرة بها، وبنى بها الرباطات والمساجد وغزا ما وراء النهر. وكان- الفضل بن يحيى -في جميع الأعمال التي أسندت إليه كفؤا نزيها ،وكان من أكثر البرامكة كرما وكان الناس يسمونه في بدء أعماله بالوزير الصغير ،وكان بعيدا عن منادمة الخليفة (هارون )حتى أنه يقول (لو كان الماء ينقص من مروءتي ما شربته). 2-وأما( جعفر بن يحيى) فهو ثاني أولاد يحيى، وكان سمح الأخلاق طلق الوجه ظاهر البشر، وكان جوده وسخاؤه وعطاؤه كثير، وكان الرشيد يأنس به أكثر من إخوانه جمعيا ؛لسهوله أخلاقه فكان أكثر إخوانه منادمة للرشيد ،وكان أبوه ينهاه عن ذلك حيث قال للرشيد بصراحة (يا أمير المؤمنين أنا والله أكره مداخلة ابني جعفر معك ولست آمن أن ترجع العاقبة في ذلك علي منك، فلو أعفيته واقتصرت به على ما يتولاه من جسيم أعمالك كان ذلك أفضل)وكان سلطان جعفر عند الرشيد قويا حيث كان يتولى أمر ديوان الخاتم وأمارة مصر سنه 176هـ . وفي سنه 180هـ هاجت العصبية بالشام بين أهلها وتفاقم أمرها فاغتم الرشيد لذلك ،وعقدت لجعفر على بلاد الشام ليتحرك إليها بالقوة والرجال وأصلح بين الناس فقتل اللصوص فيهم ولم يدع بها رمحا ولا فرسا، فعاد الجميع إلى الأمن والطمأنينة وانطفأت نار تلك العصبية. 3-وأما( موسى بن يحيى ) فكان أشجع القوم وأشدهم بأسا لم ينل من الشهرة ما ناله أخواه (الفضل وجعفر) إلا أنه كان في تلك الدولة عاملا سريا وقائدا باسلا ،ولاه الرشيد الشام سنه 186هـ قبل أن تقوم ثائرة العصبية فيها ،حيث كانت فيها فتن كثيرة وعصيان فاتجه بجند وقوة وأصلح بين أهلها وسكن الفتن واستقام أمرها. اتهمه (علي بن عيسى بن ماهان) أمير خراسان من قبل الرشيد بأنه هو السبب في اضطراب خراسان عليه وأخبره بطاعة أهلها (لموسى بن يحيى ) ومحبتهم إياه ،وأنه يكاتبهم ويعمل على التنصل من الخليفة والانضمام معهم ضده ،فخاف الرشيد وتوحش من موسى وسجنه، لأجل ذلك وبسبب أنه كان عليه دين لبعض الناس واختفى منهم، فظن أنه هرب إلى خراسان مصداقا لما قاله له أميرها، لذلك سجنه ثم أطلق سراحه. 4-وأما( محمد بن يحيى) فكان سريا بعيد الهمة ولم يكن له الشهرة ما لإخوته، وعموما كانت هذه الأسرة في عهد الرشيد غرة في جبين دولته، جمعوا من الصفات المحمودة ما استحقوا به ثناء معاصريهم من الكتاب والشعراء. رآهم الناس بعد هذا العز المتين والشرف الباذخ منكوبين على يد الرشيد( فجعفر) مقتول بناحية –الأنبار- في آخر ليلة من محرم سنه 197هـ وجسمه مصلوب ببغداد على ثلاثة جسور، ثم احرق (ويحيى بن خالد) وبقية أبناءه محبوسون، ورأوا مصادرة لكل ما يملكون من عقار ورقيق، ورأوا كتبا أرسلت إلى جميع العمال في نواحي البلدان والأعمال بقبض أموالهم وأخذ وكلائهم وامرأ بالنداء في جميع البرامكة أن لا أمان لمن أواهم، إلا (محمد بن خالد بن برمك )وولده وأهله وحشمة فان الرشيد استثناهم لما ظهر له من نصيحة منه. تساءل الناس بعد ذلك عن الأسباب التي دفعت بالرشيد إلى مثل هذه النكبة. فنسب بعضهم ذلك إلى مجرد الملل والغيرة ،حيث يقول سعيد بن سالم(لقد طالت أيامهم وكل طويل مملول) ولقد رأى الرشيد انس النعمة بهم وكثرة حمد الناس لهم ورميهم بآمالهم دونه، فتعنت عليهم وتجنى وطلب مساوئهم ووقع منهم بعض الادلال خاصة (الفضل وجعفر) دون يحيى، ولاذ من أعدائهم بالرشيد( كالفضل بن الربيع) وغيره فستروا المحاسن وأظهروا القبائح حتى كان ما كان. ونسب بعضهم ذلك إلى (حادثة يحيى بن عبد الله بن الحسين) الذي روينا حديث ذهابه إلى بلاد الديلم ،واستنزال- الفضل بن يحيى -إياه بأمان الرشيد . ذكر أبو محمد اليزيدي وكان فيما قيل من أعلم الناس بأخبار القوم( من قال الرشيد قتل- جعفر بن يحيى- بغير سبب- يحيى بن عبد الله بن الحسن -فلا تصدقه )وذلك إن الرشيد دفع –يحيى- إلى –جعفر- فحبسه، ثم دعا به ليلة من الليالي فسأله عن شيء من أمره فأجابه إلى أن قال (اتق الله في أمري ولا تتعرض أن يكون خصمك غدا محمد (ص) فوالله ما أحدثت حدثا ولا آويت محدثا ) فرد عليه وقال (اذهب حيث شئت من بلاد الله ) قال: (وكيف أذهب ولا آمن من أرد إليك بعد قليل) فوجه معه من أبلغه إلى مأمنه ،وبلغ ذلك (الفضل بن الربيع) من عين كانت له عليه فعلم الأمر فوجده حقا فدخل على الرشيد وأخبره فأراه أنه لا يعبأ ولا يهتم بخبره فانكسر الفضل وجاء جعفر فدعا بالغداء فأكلا وجعل يلقمه ويحادثة إلى أن قال له :ما فعل يحيى بن عبد الله قال :لازال في السجن، وحينما حدثته نفسه أنه ربما علم بأمره وإخراجه من السجن، عاد مرة أخرى وقال بسرعة لا وحياتك يا سيدي لقد أطلقته؛ لأنني علمت أنه لا حياة به ولا مكروه عنده، قال له الرشيد: نعم ما فعلت وتركه يذهب ثم أخذ يتبعه بصره وقال( قتلني الله بسيف إن لم أقتلك.) ونسب ذلك بعضهم إلى حديث العباسة بنت المهدي التي تناقلها المؤرخون وزادوا عليها الكثير ومؤداها ( أن( جعفر بن يحي ) كان يحب (العباسة بنت المهدي)ونسب إليه أنه ولدت له غلاما، فخافت (العباسة بنت المهدي) على نفسها من أخيها( هارون الرشيد) فبعثت بابنها مع حواضن لها إلى مكة، فلم يزل الأمر مستورا عن الرشيد حتى وقعت عداوة بين العباسة بنت المهدي وبين بعض جواريها، فعلم بالخبر فكان ما كان من قتل جعفر بن يحيى.-وهي رواية ضعيفة
| |||
المحاضرة التاسعة
كان يعاصر الرشيد أثناء حكمه في الأندلس الأمير( عبد الرحمن الداخل) ثم (هشام بن عبد الرحمن) ،(الحكم بن هشام) وفي المغرب الأقصى (ادريس بن عبدا لله بن الحسن بن علي بن أبي طالب) وهو أول المتغلبين من البيت الإدريسي، ثم ابنه (ادريس )ويعاصره في فرنسا( شارل الكبير) المعروف بشارلمان ويعاصره في مملكة الروم بالقسطنطينية (قسطنطين السادس) وكانت تدبره لصغره أمه( ايريني) ثم خلعها نقفور وحل محلها. أما فيما يتعلق بالروم فمن أعمال الرشيد :أنه عزل الثغور كلها عن الجزيرة وقنسرين وجعلها حيزا واحدا سميت بالعواصم وقاعدتها منبج. وسماها بالعواصم؛ (لأن المسلمين كانوا يعتصمون بها فتمنعهم من العدو إذا انصرفوا وانتهوا من الغزو) ومن هذه العواصم: دلوك. ورعبان. قورس. إنطاكية .وتيزين. وكان يغزو جيش الصائفة (عبد الرحمن بن عبد الملك بن صالح )حيث وصل سنة 175 هـ إلى –اقريطية- وفي سنة 181هـ كان على الصائفة (هارون الرشيد )بنفسه حيث فتح: حصن الصفصاف، وغزا (القاسم بن الرشيد )بلاد الروم فحاصر حصن قرة. بينما حاصر( العباس بن جعفر) حصن سنان. فلما أنهكت الروم دفعوا للمسلمين أسراهم وكانوا 320 رجلا مقابل أن يرحلوا عنهم فأجابوهم إلى ذلك، وعن( ايريني )التي كانت تنوب عن ابنها (قسطنطين السادس) منذ سنة 180هـ ثم استبدلت بالملك سنة 190هـ فاتفقت مع الرشيد على الصلح مقابل جزية تدفعها له؛ وذلك لما رأته من إلحاح المسلمين عليها بالحرب وعدم قدرتها على الدفاع؛ لوقوعها بين المسلمين من جهة وبين –شارلمان- من جهة أخرى، لأن شارلمان(كما ذكرنا) كان يريد توسيع سلطانة وإعادة دولة الرومان إلى بهجتها التي كانت لها في القدم .وفي سنة 182هـ نهضت عليها عصابة رومية فخلعتها عن الملك وجعلت بدلها نقفور، فعقد هذا أولا معاهدة مع شارلمان عينت فيها حدود المملكتين ثم التفت إلى الرشيد وكتب إليه :(من نقفور ملك الروم إلى هارون ملك العرب أما بعد فان الملكة التي كانت قبلي حملت إليك من أموالها ما كنت حقيقا بحمل أمثاله إليها، لكن ذلك ضعف النساء وحمقهن، فإذا قرأت كتابي فاردد الأموال وإلا فا لسيف بيننا وبينك) فلما قرأ الرشيد هذا الكتاب غضب وكتب إليه( بسم الله الرحمن الرحيم من هارون أمير المؤمنين إلى نقفور كلب الروم قد قرأت كتابك والجواب ما تراه دون أن تسمعه والسلام.) ثم اتجه (الرشيد) إلى جانب –هرقلة- ففتح وغنم، فطلب نقفور الصلح على خراج يؤديه كل سنة فأجابه إلى ذلك، فلما رجع من غزوته وصار الرشيد- بالرقة- نقض نقفور العهد وكان البرد شديدا، فيئس نقفور من رجعته إليه، لكن الرشيد تحامل على نفسه ورجع مره ثانية وقاتل نقفور، ولم تقف الحروب بين الطرفين.بعد ذلك . وفي سنه 189هـ حصل فداء بين المسلمين والروم فلم يبق بأرض الروم مسلم إلا فودي به. وفي سنة 190هـ قاد( الرشيد) الصائفة وفتح- هرقلة- ونشر جيوشه في أرض الروم وكانت عدتهم 135 ألف مرتزق عدا المطوعة، وكان فتح- هرقلة- بعد الإضرار بها وسبي أهلها ومحاصرتها (ثلاثين يوما) ثم سار( الرشيد) إلى- الطوانة -ثم تركها وخلف عليها -عقبة بن جعفر- وأمره بابتناء منزله هناك، ثم بعث نقفور بالخراج والجزية عن رأسه وبطارقته، ثم طلب من الرشيد جارية من بنات هرقلة كان قد خطبها نقفور لابنه ،وصادف أن وقعت تلك الجارية أسيرة عند المسلمين، فبعث الرشيد بتلك الجارية ومعها العطر والتمور والهدايا والديباج واشترط عليه :ألا يخرب الرشيد- حصن ذي الكلاع -ولا صملة -ولا سنان- وفي المقابل اشترط الرشيد على نقفور ألا يعمر- هرقلة -ويحمل إليه ثلاثمائة ألف دينار. وفيما يتعلق( بأوربا) فقد عاصره كما قلنا( شارلمان) الذي كان ملكا على فرنسا واستولى على- لمبارديا -وقاد طوائف السكسون التي كانت في جرمانيا إلى الدين العيسوي بعد أن كانت وثنية، واستولى على : ألمانيا. وايطاليا. وكان يرغب أن يكون له اسم كبير في الديار الشرقية؛ ليعلو بها على نقفور ملك القسطنطينية ،وكان يرغب أن يكون حاميا للعيسويين في البلاد الإسلامية؛ وخصوصا زائري القدس فأرسل إلى بغداد سفراء يستجلبون رضا الرشيد مقابل أضعاف الدولة الأموية بالأندلس؛ وكانت هناك حسن استجابة من الرشيد واستفاد( شارلمان) من ذلك التودد فائدتين : الأولى: تمكنه من حرب الدولة الأموية بالأندلس وتدخله في مساعدة الخارجين عليها. الثانية : نيله رضا الرشيد، كذلك أراد أن يغتنم من الناحية العلمية خاصة وأن أوروبا في وقته كانت مهد جهالة لأنه بانقراض الرومانيين وغلبة الأمم المتبربرة على أوروبا انطفأ مصباح العلم. وكانت الحال في البلاد الإسلامية على العكس من ذلك فكانت مهدا لانطلاق العلم والعلماء ،وخاصة في : بغداد. وقرطبة .فذهب إلى أوروبا أطباء تعلموا في البلاد الإسلامية وكانوا من اليهود، فانتخب منهم (الرشيد) رجلا يقال له( إسحاق )وبعثه الى( الرشيد ) ومعه هدايا وهي : ساعة وراغنون. وفيل. وبعض أقمشة نفيسة ،فلما نظر إليها رجال( شارلمان) هموا بكسرها؛ لأنهم ظنوا أنها من الأمور السحرية فمنعهم الإمبراطور. أما عن علاقة بغداد بقرطبة فكانت علاقة سيئة جدا ،إذ أن الرشيد كان ينظر إلى بني أمية نظر الخارجين على دولته ،فكان يود القضاء عليهم ، ولكن القوم كانوا أكبر من ذلك وأقوى ،لذلك قاوموا قوة(شارلمان)مقاومة عظيمة ،فلم يتمكن أن يفعل بهم شرا. حضارة بغداد في عهد الرشيد وصلت بغداد في عهد( الرشيد) إلى قمة مجدها ومنتهى فخارها، فمن حيث (العمارة) فاقت البلاد الأخرى ،حيث بنيت فيها القصور الفخمة التي أنفق على بناء بعضها :مئات الألوف من الدنانير ،وتألق مهندسوها في إحكام قواعدها وتنظيم أمكنتها وصارت قصور الجانب الشرقي –بالرصافة- تناوح قصور الجانب الغربي ، وكان في الشرق قصور البرامكة وما أنشأوه هناك من الأسواق والجوامع والحمامات ،وبالجانب الغربي قصور الخلافة التي كانت تبهر الناظرين اتساعا وجمالا، وامتدت الأبنية امتدادا حتى صارت بغداد كأنها مدن متلاصقة تبلغ الأربعين على جانبي دجله، وصار سكانها نحو ألفي ألف نسمة حتى ازدحمت بساكنيها وكانت متاجر البلدان القاصية تصلها برا وبحرا تجيئها من :خراسان وما وراءها من الهند. والصين. و الشام. والجزيرة. والطرق إذ ذاك أمنة والسبل مطمئنة . أما من حيث( ثروة الدولة) فقد كان يرد على الخليفة ببغداد ما يبقي من خراج الأقاليم الإسلامية بعد أن تقضى جميع حاجاتها ،وقدر بعض المؤرخين ذلك بنحو( أربعمائة ألف ألف درهم )يدخل كله بيت مال الخليفة ،وكان( الرشيد )أسمح خلفاء بني العباس بالمال، يعطي منه العطاء الكثير وقد سار على نهجه وزراؤه وشيوخ دولته ورؤساء قواده، حتى امتلأت الكتب بذكر عطاياهم ،حتى اشتد بهم الترف والبذل حتى يقال أن (جعفر بن يحيى) بنى قصرا أنفق على بنائه( عشرين ألف ألف درهم )وتغالى الناس في حاجاتهم وتألقوا في معيشتهم حتى صارت بغداد تبهر أعين زوارها . أما( العلم )فقد صارت بغداد قبلة لطلاب العلم من جميع الأمصار الإسلامية يرحلون ليتمموا ما بدأوا فيه من العلوم والفنون ،فهي المدرسة العليا لطلا ب العلوم الإسلامية والدينية والعربية على اختلافها، فقد كان فيها كبار المحدثين والقراء والفقهاء وحفاظ اللغة وآداب العرب والنحويون، وكلهم قائمون بالدرس والافاده لتلاميذهم في المساجد التي كانت تعتبر مدارس عليا لتلقي هذه العلوم، وجميع هؤلاء العلماء كانوا يعيشون عيشا رغدا مما كان يفيضه عليها ( الرشيد ) ولم تكن بغداد بالمقصرة في علوم الدنيا كالطب والحكمة وغيرهما من سائر الصناعات، فقد حشد إليها الأطباء والمهندسون وسائر الصناع من الأقاليم المختلفة فاستفادوا العلوم ممن سبقهم من الأمم في المدينة: كالفرس .وأهل الروم. وزادوا على تلك العلوم بما منحوا من المواهب العقلية .
| |||
المحاضرة العاشرة عبد الله المأمون بن هارون الرشيد
الأحوال الداخلية في عهده خبر إبراهيم المهدي حين كانت القوى تتصارع في عهد الأمين بين مؤيد ورافض، ولى أهل بغداد عليهم رجلا أطلق عليه (إبراهيم المهدي) ولما كان النصر للمأمون على أخيه الأمين اتجه الأول من – سرخس- ليسيطر على - بغداد- وكان كلما قرب زاد الاضطراب على( إبراهيم) فتركه القواد الذين كانوا يؤيدونه فبقي لوحده، وكان لابد أن يختفي ؛حتى لا يأخذه رجال المأمون، وتم ذلك سنة 3 20هـ، وظل مختفيا يتنقل من دار إلى دار إلى سنة 210 هـ، وفي تلك السنة أخذه حارس أسود وهو متنقب مع امرأتين في زي امرأة، فأعلم المأمون بخبره، فأمر بالاحتفاظ به ثم دخل به عليه ،فقال له: هيه (يا إبراهيم) فقال يا أمير المؤمنين ولى الثأر محكم في القصاص ،والعفو أقرب إلى التقوى، ومن تناوله الاعتزاز بما مد له من أسباب الشقاء أمكن عادية الدهر من نفسه وقد جعلك الله فوق كل ذنب كما جعل كل ذنب دونك، فان تعاقب فبحقك وان تعف فبفضلك قال: بل أعفو يا إبراهيم فمدحه إبراهيم في قصيدة: يا خير من ذملت يمانيه به بعد الرسول لآيس أو طامع وأبر من عبد الإله على التقى عينا وأقوله بحق صادع ..... الخ فرد عليه( المأمون) قائلا أقول لك ما قال يوسف لإخوته (لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين). ومن الغريب أن المأمون قد اطلع قبل ذلك على مؤامرة يقصد بها خلع المأمون وإعادة (إبراهيم بن المهدي )للخلافة، ورئيس هذا الأمر( إبراهيم بن محمد بن عبد الوهاب) المعروف- بابن عائشة- وكان إطلاع المأمون على ذلك يوم السبت 5 صفر سنة 210 هـ، وقد انتقم المأمون من ابن عائشة انتقاما شديدا فقد أمر أن يقام ثلاثة أيام في الشمس على باب دار المأمون، ثم ضربه بالسياط، ثم أمر بحبسه في المطبق ،وفعل قريبا من ذلك بمن كانوا معه، وقد كتبوا أسماء من دخل معهم في هذا الأمر من القواد والجند وسائر الناس، فلم يعرض المأمون لأحد ممن كتبوا به ،ولم يأمن أن يكونوا قد قذفوا أقواما برآء، ثم أمر المأمون بعد ذلك بابن- عائشة -فقتل وصلب. ويقال أنه( أول مصلوب في الإسلام من بني العباس) وقتل معه ثلاثة من رؤوس المتآمرين. نصر بن شيث كان هذا الرجل من بني عقيل. يسكن يكسوم شمالي حلب ،وكان عربيا شريفا شهما له في( محمد الأمين) هوى، فلما قتل الأمين غضب خاصة أنه لما رأى العنصر العربي قد انحط شانه، وصار معظم القواد الأمراء من غيرهم ،فأعلن الخروج عن السلطان( المأمون )وكان ذلك أواخر سنة 198هـ، وتغلب على ما جاوره من البلاد وملك( سميساط) وانضم إليه خلق كثير من الأعراب وأهل الطمع وقويت شوكته وعبر الفرات إلى الجانب الشرقي وسيطر عليه. ولما انتصر (طاهر بن الحسين )على -الأمين -وملك العراق ولى (الحسن بن سهل )على كل ما افتتحه وأمر أن يسلم ذلك إليه وأن يسير إلى –الرقة-؛ لمحاربة( نصر بن شيث) وولاه( المأمون) الموصل. والجزيرة. والشام .والمغرب ،فسار طاهر إلى و جهه، وأرسل إلى نصر يدعوه إلى الطاعة وترك الخلاف، فلم يجب فتقدم إلى (طاهر) ولقيه بنواحي- يكسوم- فاقتتلا هناك قتالا عظيما انتصر فيه نصر وعاد العراق وغيره . أما عن( نصر بن شيث) فقد اتجه بعد انتصاره إلى السيطرة على( الجزيرة) حيث أتى الطالبيون فعرضوا عليه :أن يبايع لخليفة وذلك من آل على بن أبي طالب فرفض ذلك ،ثم عرض عليه أن يبايع أحد بني أمية فقال هؤلاء أدبر أمرهم وانتهى ،فعرض عليه أحد بني العباس فقال هؤلاء حاربتهم لأنهم يقدمون العجم على العرب ،ولما دخل( المأمون )بغداد طلب من( طاهر بن الحسين) أن يبعث بابنه عبد الله بن طاهر لمقاتلته( نصر بن شيث) وأعوانه وأمره بالجد في ذلك عندها كتب- طاهر- إلى ابنه عبد الله كتابا مشهورا، جمع فيه كل ما يحتاج إليه الأمراء من الآداب والسياسة والحث على مكارم الأخلاق، وهذا الكتاب قد تنازعه الناس وكتبوه وشاع أمره وبلغ المأمون خبره فدعا به فقرأ عليه، فقال ما أبقى طاهر شيئا من أمر الدنيا والدين والتدبير والرأي والسياسة وطاعة الخلفاء إلا وقد أوصى به ، ولكن اشترط نصر على المأمون ألا يطأ بساطه ،فرفض المأمون ذلك وكاتبه بعد ذلك عن طريق( عبد الله بن طاهر) وحينذاك هدم( يكسوم) وخربها ووجه بنصر إلى( المأمون )فدخل بغداد في صفر سنة 210 هـ ووكل به من يحفظه ويحرسه. بابك الخرمي في عهد المأمون كانت بلاد الفرس التي نشأ فيها بابك كثيرة المعتقدات والبدع سواء كان ذلك قبل الإسلام أم بعده ،ولهذا ظهرت فيها الطوائف الدينية على اختلافها ومنها طائفة الخرمية ،التي كان من مبادئها تحويل الملك من العرب المسلمين إلى الفرس والمجوس، وكذلك: تأليه البشر. فقد ادعى بابك أن روح جاويدان حلت فيه (كما سيأتي ذكره )ويؤمنون بمبدأ الرجعة التي قال بها غلاة المتشيعين وهم (الخرمية) يرفضون جميع الفروض الدينية كالصلاة والصوم والحج والزكاة، وأباحوا شرب الخمر ونادوا بإباحة المحرمات والاشتراكية في النساء ،كما أنهم لم يشعروا بأي ميل أو عاطفة إزاء أحد من أهل البيت، وان كانوا قد اتخذوا من أسمائهم سبيلا إلى جذب الأنصار إليهم؛ لنشر دعوتهم التي ترمي إلى هدم العقائد الإسلامية. أما عن (بابك الخرمي) فقد نشأ بقرية -بلال أباد -ثم اتصل( بجاويدان بن سهرك )ملك جبال البذ ورئيس من بها من الخرمية ،وكان جاويدان هذا يرى من -بابك -فهما وشهامة وخبثا فقر به إليه ،ولما أدركته منيته اجتهدت امرأته في أن يكون بابك مكانه في الملك، فجمعت الخرمية وقالت لهم( إن جاويدان قال لي إني أموت في ليلتي هذه، وأن روحي تخرج من جسدي وتدخل بدن هذا الغلام خادمي، وقد رأيت أن أملكه على أصحابي، فإذا مت فأعلميهم ذلك وأن لا دين لمن خالفني فيه واختار لنفسه خلاف اختياري) فقبلوا ذلك منه وقالوا( آمنا بك يا روح بابك كما آمنا بك يا روح جاويدان )لذلك تزوجت هذه المرأة بابك أخذ بابك بعد ذلك يعيث الفساد في الأرض، حتى أنه لما توجه (المأمون )من- مرو- إلى- بغداد- عين احد قواده لقتاله وهو( يحيى بن معاذ) فاشتبك معه هذا ولم تكن هناك نتيجة فاصلة بينهما، مما جعل المأمون يختار قائدا آخر وهو (عيسى بن محمد بن أبي خالد) فهزم هذا، ثم أرسل غيره وهو( أحمد الأسكافي) فأسر بابك لديه ،ثم وجه إليه المأمون( محمد الطوسي) فقتله بابك سنه 214هـ ،وكل هذه الانتصارات التي يحرزها بابك ترجع؛.. إلى مكانه الحصين وقوته الكبيرة وشدة تأثيره في قلوب الجمهور الذين كانوا معه. حتى أن المأمون أوصى أخاه( المعتصم )حين أدركته المنية ولم يستطع القضاء عليه ،فقال له (والخرمية فاغزهم ذاجزمة وصرامة وجلد، واكنفه بالأموال والسلاح والجنود من الفرسان والرجال، فان طالت مدتهم فتجرد لهم بمن معك من أنصارك وأوليائك، واعمل في ذلك عمل مقدم النية فيه راجيا ثواب الله عليه) الأحوال الخارجية لم يكن بين المسلمين والروم حروب في أول عهد( المأمون) إلى سنة 215هـ. وفيها اتجه بنفسه من –بغداد- لغزو الروم فسلك طريق- الموصل- حتى صار إلى- منبج- ثم- دابق –ثم- إنطاكية- ثم- المصيصة –ومنها خرج الى -طرسوس –(وهي الثغر الإسلامي )ومنها دخل الى بلاد الروم ،ففتح (حصن قرة) عنوة وأمر بهدمه، واشترى سبيه بسته وخمسين ألف دينارا ثم خلى سبيلهم وأعطاهم دينارا دينارا ، كما فتح أيضا (حصن ماجدة وسندس وسنان) وبعد ذلك سار المأمون إلى الشام وهناك ورد الخبر عليه بأن ملك الروم قتل قوما من أهل( طرسوس والمصيصة )عدتهم 6600 ،فأعاد الكرة على بلاد الروم فصالحه أهل (انطيفوا وهر قله) ووجه أخاه( اسحق )فافتتح ثلاثين حصنا ثم خرج المأمون إلى( يكسوم )ثم دمشق ثم مصر سنة 216هـ ،ثم عاد الى دمشق سنه 217هـ فدخل أرض الروم للمرة الثالثة فأناخ على( حصن لؤلؤة )مائة يوم ثم رحل عنها وخلف عليها (عجيف بن عنبسه )فخدعه أهلها وأسروه ثمانية أيام ثم أخرجوه بعد ما قبلوا بالأمان. اتجه بعد ذلك المأمون سنة 217هـ إلى( الرقة) ثم سير ابنه العباس إلى أهل الروم وأمره بنزول (الطوانة) وبنائها فبناها ميلا في ميل وجعل سورها على ثلاثة فراسخ وجعل لها أربعة أبواب وبنى على كل باب حصنا ،ثم سار بعد ذلك إلى بلاد الروم فدخلها من ناحية طرسوس وهناك كانت وفاته. |