علي الظفيري : الشيخ مُعاذ وتجار إيران

الشيخ مُعاذ وتجار إيران

الحرب الطاحنة التي شهدتها سوريا طوال عامين كانت حرب إيران أكثر من الأسد،

الخميس, 27 ربيع الأول 1434  / Thursday, February 07, 2013

علي الظفيري

بسم الله الرحمن الرحيم

يقضي المنطق أن سياسيا «إسلاميا» «متدينا» مثل معاذ الخطيب، يجد الترحيب في دولة «دينية» مثل إيران أكثر من خصمه الأسد، الشيخ معاذ إمام وخطيب وسليل أسرة شرعية، فيما ينحدر الأسد من أسرة بعثية علمانية قومية، يؤدي الشعار الذي ترفعه بالضرورة إلى التناقض التام مع مشروع الجمهورية الفارسية الإسلامية، الأمر الذي لم يحدث إطلاقا منذ نجاح الثورة الإيرانية، وهو ما يدفع إلى تكذيب الشعار المرفوع من الطرفين، البعثي القومي العربي من جهة النظام السوري، والفارسي الإسلامي من جهة إيران.

في الأيام الماضية، أطلق معاذ الخطيب، رئيس الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، مبادرة أكد فيها استعداده والمعارضة للحوار مع النظام السوري، وقيدها بمن لم تتلطخ أيديهم بدماء السوريين، وتهدف كما أشار إلى زوال النظام بأقل الخسائر وأخف الأضرار، وقدمت المبادرة تنازلا تراه كبيرا يفيد بعدم ملاحقة الأسد ومحاكمته بعد رحيله، ولو أن هذا الطرح جاء بعد شهرين أو ثلاثة على اندلاع الثورة لكان الأمر طبيعيا، أما أن يأتي بعد عامين من القتال وعشرات الآلاف من الضحايا على يد النظام، وبعد الذهاب إلى أقصى مدى في مواجهته، فهو إشارة واضحة إلى خسارة رهان والبدء في رهان آخر.

لا أحد يزايد على الخطيب أو غيره من المعارضين السوريين، والتبرير المقدم لهذه المبادرة يستحق الاحترام، هناك رغبة بوقف شلال الدم السوري من الطرفين، لكن ماذا يتوقع الخطيب من إيران؟ الحرب الطاحنة التي شهدتها سوريا طوال عامين كانت حرب إيران أكثر من الأسد، رمت طهران بكل ثقلها في هذه المعركة، ولم تدخر جهدا عسكريا وسياسيا ومعنويا وبشريا وإعلاميا إلا وبذلته، أدركت منذ اللحظة الأولى للثورة أن سقوط الأسد انهيار لنفوذها في المنطقة، وباشرت بشكل فوري غرفة عملياتها في طهران ودمشق لإدارة الأزمة، بالشراكة مع النظام السوري أول الأمر، ومنفردة بعد أن تساقطت الأوراق تباعا من يد بشار في خضم القتال الدائر هناك، والملفات عند إيران متشابكة، وليس كما يتصور السذج في كون دعمها للأسد من منطلقات مذهبية صرفة، دون أن نتجاوز هذا البعد في العلاقة السورية الإيرانية، والذي على أساسه تبنى الثقة سياسيا وعسكريا.

أنت تذهب يا شيخ معاذ لطهران وهي تعرف عنك ما يلي: لا أحد يريد تسليحك بما يكفي لهزيمة جيش الأسد، هناك شكوك وملاحظات وتحفظات أميركية إسرائيلية على المقاتلين في جبهتك، والذين في جيش خصمك أكثر أمانا وثقة عندهم منك! لديك انقسامات في جبهتك السياسية يعرفها القاصي والداني، والخليجيون يتقاسمون النفوذ فيها ويستخدم كل طرف نفوذه في مواجهة الآخر، كما يتصرفون في كل شيء امتلكوه بعد ظهور النفط، الإخوان في مصر أداروا ظهرهم لك، الساسة في تلك البلاد غير مؤهلين لإدارتها فما بالك بإدارة المنطقة ومشاكلها! لم يدعك أحد لمؤتمر المانحين في الكويت، فرنسا مشغولة في شمال مالي، نائب الرئيس الأميركي جو بايدن يدعو طهران إلى استئناف المفاوضات حول برنامجها النووي، وتركيا لن تجرؤ على فعل شيء، كما هو حالها منذ اليوم الأول لاندلاع الثورة، ثم تذهب أنت لطهران وتنتظر منها أن تكرمك برأس الأسد، فقط لأنك قبلت بالحوار!

هذا العام الرابع والثلاثون في عمر الثورة الإيرانية، وهي قصة نجاح استثنائية في نظري، ثمانية أعوام من الحرب الطاحنة مع العراق ودول الخليج والولايات المتحدة والغرب لم تستطع القضاء عليها، كانت صورة الثورة وقادتها في أسوأ حال نتيجة تلك الحرب، اقتصادها منهك تماما، وفي ظرف عشرة أعوام تعافت واستطاعت مد نفوذها في العالم العربي، أصبحت تملك أكبر قوة عسكرية ضاربة تدار لحسابها في لبنان، تقربت من المقاومة الفلسطينية بفضل المال والموقف السياسي، وأصبح لها رجال في غزة، محمود الزهار لا يتوقف عن استقبال المكالمات القادمة من طهران، خاضت الولايات المتحدة حربين ضخمتين في العراق وأفغانستان جاءت نتيجتها لصالح إيران، مضت في مشروعها النووي رغم الحصار، واستطاعت إنهاك الغرب بالمفاوضات والأوراق التي تملكها في العراق ولبنان وفلسطين وأفغانستان، لم يكد شيء يقف في وجه النفوذ الإيراني ويكشف حقيقتها مثل الثورة السورية، دولة الإسلام والمحرومين تقف في صف القتلة، تمارس مهامها الجهادية القذرة في حق الشعب السوري الطامح للحرية والكرامة، بشكل مباشر تارة، وعبر الوكيل الإيراني «حزب الله» تارة أخرى، سقط القناع الإيراني في كل بيت عربي، أدرك عرب المغرب قبل المشرق انتهازية الإيراني وكذبه ودجله الذي لا ينتهي، أحقر ما يمكن أن تشاهده على التلفاز في العامين الماضيين صورة مسؤول إيراني يزور دمشق، ويتحدث عن العداء لإسرائيل!

إنك يا شيخ معاذ تعين إيران على تجاوز فشلها الوحيد والمريع في المنطقة، وتمنحها بطاقة البقاء عبر التعامل معها كوسيط مقبول ونزيه، رغم أنها لن تمنحك شيئا إطلاقا، ستخبرك الأيام ماذا يفعل الإيرانيون في المفاوضات، وكيف تقابل بألف تصريح متناقض. إن الأسد ونظامه خط أحمر لا يمكن المساس به عند طهران، وقبول الحوار عبر إيران هدية غالية لهما، لا يمكن أن تقدر بثمن.

المصدر : هنا
يرجى الاشارة الى موقع عربستان عند اعادة النشر او الاقتباس
المقالات والتقارير والاخبار المنشورة في الموقع لا تعبر عن راي موقع عربستان بل عن راي الكاتب فقط

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد :
(كل يؤخذ من قوله ويرد الا رسول الله صلى الله عليه وسلم )