| محمد عباس ناجي |
خلال
اجتماع جمع المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامة علي خامنئي والرئيس الإيراني
السابق الدكتور محمد خاتمي في أغسطس الماضي، رفض خاتمي طلب خامنئي
بالانضمام إلى مجمع تشخيص مصلحة النظام، أو أي مؤسسة أخرى من مؤسسات نظام
الجمهورية الإسلامية، معتبرًا أن التركيبة الخاصة لمجمع تشخيص مصلحة
النظام، تفقده القدرة على القيام بعمل جدي يخدم النظام، ومؤكدًا أنه سيعمل
في إطار مؤسسات للنخبة خارج الإطار الرسمي لنظام. واكتفى خاتمي بالموافقة
على طلب خامنئي بالاستمرار في عقد لقاءات بينهما خلال الفترة القادمة.
موقف خاتمي ربما يكون مؤشرًا مهمًّا إلى طبيعة وحيثيات موقف
الإصلاحيين إزاء التطورات السياسية التي تشهدها إيران منذ انتخابات الدورة
التاسعة لرئاسة الجمهورية التي أُجريت في يونيو 2005، وأسفرت عن فوز كاسح
لمرشح الجناح الأصولي من التيار المحافظ الدكتور محمود أحمدي نجاد على أحد
رموز النظام وهو أكبر هاشمي رفسنجاني. هذا الفوز طرح مضامين عدة أهمها
تكريس سيطرة الجناح الأصولي من التيار المحافظ على مفاتيح صنع القرار في
إيران، في مقابل انحسار شبه كامل للإصلاحيين في السلطة، وهو انحسار بدأ
بهزيمتهم في انتخابات مجالس الشورى المحلية التي أجريت في فبراير 2003، ثم
في انتخابات الدورة السابعة لمجلس الشورى الإسلامي (البرلمان) التي أُجريت
في فبراير 2004، واستكمل في انتخابات الدورة التاسعة لرئاسة الجمهورية. ولم
يعد هناك وجود للإصلاحيين في السلطة سوى أقلية إصلاحية موجودة في مجلس
الشورى الإسلامي لا تتجاوز 50 عضوًا من إجمالي 289 عضوًا أي حوالي 17%.
ورغم أن ما فات من ولاية الرئيس أحمدي نجاد لا يتجاوز 9
أشهر، إلا أن إيران شهدت تطورات داخلية وخارجية كانت لها انعكاسات مهمة،
ربما أكثر مما شهدته إيران في سنوات كاملة. فعلى الصعيد الداخلي، تتجه
إيران لحالة من الانغلاق، على خلفية السياسة المتشددة التي تنتهجها حكومة
الرئيس الجديد، التي يعتبر معظم أعضائها من رجال الحرس الثوري والأمن الذين
كانوا متهمين خلال فترتي رئاسة محمد خاتمي بقيادة الجبهة المناهضة
للإصلاحات. ومن بين هؤلاء وزير الداخلية مصطفى بور محمدي، ووزير
الاستخبارات محسن أجدئي الذي اتُّهِمَ من قِبَل العديد من الكتاب
الإيرانيين بالمساهمة في إصدار فتاوى إهدار الدم في حق بعض الكتاب
والمثقفين، إلى جانب وزير الثقافة والإرشاد حسن صفار هرندي الذي قاد حملات
دعائية ضد الإصلاحيين في عهد الرئيس خاتمي الذي لم يُستثن من هذه الحملات.
وفور بدء عملها بدأت الحكومة في تنفيذ توجهات الرئيس أحمدي
نجاد، حيث شنت الشرطة الإيرانية حملة صارمة على تناول المشروبات الكحولية
غير المشروعة، وأسطوانات الموسيقى المدمجة، والحفلات التي يختلط فيها
الشباب من الجنسين، كما حظر المجلس الأعلى للثورة الثقافية الذي يرأسه
الرئيس أحمدي نجاد جميع الأفلام الأجنبية "العلمانية المروجة لحقوق المرأة
ولليبرالية الأمريكية"، أضف إلى ذلك تدشين حملة تطهير داخل وزارة الخارجية
باستبعاد العناصر الإصلاحية المعتدلة التي تفضل تطوير العلاقات مع الغرب
خصوصًا السفراء المعينين لدى دول الترويكا الأوروبية (بريطانيا وفرنسا
وألمانيا).
وعلى الصعيد الخارجي، تواجه إيران، بسبب السياسة المتشددة
التي تنتهجها حكومة أحمدي نجاد، تحديات جمة يمكن أن تكون لها انعكاسات
مؤثرة ليس فقط على الملف النووي، بل على مستقبل نظام الجمهورية الإسلامية.
إن نظرة طائر لطبيعة تفاعلات إيران مع الخارج، وخصوصًا مع الولايات المتحدة
الأمريكية، توحي بأن الملف النووي الإيراني هو محور هذه التفاعلات، وأنه
العقبة الكئود أمام تحسين علاقات إيران مع الخارج عمومًا والولايات المتحدة
الأمريكية على سبيل الخصوص، لكن التمعن في طبيعة التفاعلات الإيرانية
الأمريكية يكشف أن نظام الجمهورية الإسلامية هو العقبة، في الرؤية
الأمريكية، وما الملف النووي إلا آلية لممارسة ضغوط قوية على هذا انظام قد
تمهد لتوجيه ضربة عسكرية ضده، ودعم المعارضة الإيرانية في الخارج وإقامة
شبكة تجسسية داخل إيران.
ومنذ وصول المحافظين الجدد إلى الحكم في الولايات المتحدة
والإدارة الأمريكية تحاول إعادة صياغة الترتيبات الإقليمية في منطقة الشرق
الأؤسط بما يتوافق في المقام الأول مع المصالح الأمريكية ، ويجعل من
إسرائيل القوة الإقليمية الوحيدة المهيمنة على تفاعلات تلك المنطقة. وإذا
كانت الولايات المتحدة تحاول تنفيذ مشروعها الإمبريالي في الشرق الأوسط من
خلال دعوة الإصلاح السياسي والتغيير الديمقراطي، إلا إنها تستبعد اللجوء
إلى الآلة العسكرية إذا وجدت أن ذلك البديل هو الأمثل لتنفيذ هذا المشروع،
مثلما حدث في حالة العراق، ويمكن أن يتكرر مع إيران وسوريا اللتين تعتبرهما
الإدارة الأمريكية دولاً مارقة يجب القضاء عليها قبل أن يستفحل خطرها على
المصالح الأمريكية.
وفي هذا السياق، يبدو الملف النووي آلية مناسبة لفرض عزلة
وعقوبات دولية على إيران وربما يكون مبررًا لتوجيه ضربة عسكرية لإيران لن
تطول فقط منشآتها النووية بل مراكز صنع القرار والقيادات الإيرانية. هذا
البديل بدا جليًا في ضوء التأكيدات المتكررة للمسئولين الأمريكيين على عدم
استبعاد أية خيارات، بما فيها الخيار العسكري، في التعامل مع إيران، وفي
ضوء المعلومات التي كشف عنها الصحفي الأمريكي سيمور هيرش في مجلة نيويوركر
الأمريكية عن وجود وحدات أمريكية خاصة موجودة داخل الأراضي الإيرانية منذ
صيف 2004، تقوم بتحديد أهم الأهداف النووية والسياسية تمهيدًا لضربها في
حالة شن أي ضربة عسكرية ضد إيران، إلى جانب تقديم مساعدات مالية لجماعات
المعارضة الإيرانية تقدر ب 14 مليون دولار، ترغب الإدارة الأمريكية في
زيادتها إلى 75 مليون دولار من أجل "تمويل عملية نشر الديمقراطية في إيران"
على حد قول وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس خلال جلسة استماع
للجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ الأمريكي في 16 فبراير الفائت، والتي
قالت فيها : إن إيران تمثل "المصرف المركزي" الذي يمول الإرهاب في العالم،
مشيرة إلى أن التهديد الذي تشكله إيران يتجاوز المخاوف التي يثيرها
البرنامج النووي، ومؤكدة أن "سياسة إيران الإقليمية تثير القلق فعلاً حين
نراها مع شريكتها سوريا تزعزع استقرار لبنان والأراضي الفلسطينية وحتى جنوب
العراق".
وقد استغلت الولايات المتحدة السياسة المتشددة التي ينتهجها
الرئيس أحمدي نجاد مثل حديثه عن محو إسرائيل من الوجود وإنكاره
للهولوكوست، من أجل إحالة الملف النووي الإيراني إلى مجلس الأمن تمهيدًا
لفرض عزلة وعقوبات دولية على إيران، وهو ما نجحت فيه بالفعل، حيث قرر مجلس
محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية في اجتماعه غير العادي في 4 فبراير
2006 رفع تقرير عن المخالفات الإيرانية بشأن الملف النووي إلى مجلس الأمن،
وربط ذلك بالتقرير الذي سوف يقدمه الدكتور محمد البرادعي المدير العام
للوكالة في 6 مارس الحالي. وقد صدر هذا القرار بموافقة 27 دولة، ورفض ثلاث
دول هي كوبا، وسوريا، وفنزويلا، واكتفت كل من جنوب إفريقيا، وإندونيسيا،
والجزائر، وليبيا، وروسيا بالامتناع عن التصويت.
حالة الاحتقان في علاقات إيران مع الخارج التي سبّبتها
السياسة المتشددة لحكومة أحمدي نجاد، أثارت استياءًا داخليًّا واسعًا،
والمفارقة هنا أن هذا الاستياء كان مصدره المرشد الأعلى للجمهورية
الإسلامية علي خامنئي، وجماعة التعميريين الجدد "آباد كران"، وهو أحد أهم
أطياف الجناح الأصولي من التيار المحافظ المسيطر على مجلس الشورى، والذي
لعب دورًا مهمًّا في فوز أحمدي نجاد بانتخابات الرئاسة.
استياء خامنئي من سياسة أحمدي نجاد بدا جليًا في تكليفه
هاشمي رفسنجاني رئيس الجمهورية الأسبق رئيس مجمع تشخيص مصلحة النظام،
بالإشراف على عمل السلطات الثلاث للنظام: التنفيذية والتشريعية والقضائية.
قرار خامنئي يهدف في المقام الأول إلى موازنة الخلل الذي
نتج عن سيطرة الأصوليين على كل المؤسات المنتخبة والمعينة في الدولة، أضف
إلى ذلك رغبة خامنئي في إضفاء نوع من المرونة على التعاطي الإيران مع
الخارج خصوصًا إزاء أزمة الملف النووي، والحيلولة دون فرض عزلة دولية على
إيران، خصوصًا أن رفسنجاني معروف بسياسته البراجماتية المرنة في التعاطي مع
الخارج بصفة عامة.
حال الاستياء العام من سياسة الرئيس الجديد امتدت إلى داخل
التيار المحافظ وخصوصًا ائتلاف آباد كران (ائتلاف تعمير إيران الإسلامية).
استياء التعميريين من سياسات الرئيس أحمدي نجاد الجديد بدأت منذ قدم الأخير
تشكيلته الحكومية إلى مجلس الشورى، الذي يسيطر التعميريون على أغلبيته، في
14 أغسطس 2005 فرغم سيطرة الأصوليين على أغلبيته، إلا أن ذلك لم يمنع
اعتراض نواب المجلس على بعض العناصر التي تضمنتها التشكيلة الحكومية، بسبب
افتقارها للخبرة اللازمة. وقد كان على سعيد لو أول مرشح لوزارة النفط تحفظ
عليه مجلس الشورى، حيث اعتبره النواب قليل الخبرة لتولي ذا المنصب في رابع
أكبر دولة مصدرة للنفط على مستوى العالم، كما رفض مجلس الشورى المصادقة على
تعيين وزراء التعاونيات، والرعاية الاجتماعية، والتعليم. وبذلك صدق مجلس
الشورى على تعين 17 وزيرًا من التشكيلة الحكومية للرئيس أحمدي نجاد في 24
أغسطس 2005، ثم صدق في 9 نوفمبر على مرشحيه الثلاثة لحقائب: التعاونيات،
والرعاية الاجتماعية، والتعليم، وبقي المرشح لوزارة النفط محور الخلاف بين
الرئيس ومجلس الشورى الذي رفض مرشحين آخرين، بالإضافة إلى سعيد لو، هما:
صادق محصولي، وهو ضابط سابق في الحرس الثوري، وقد اضطر الرئيس أحمدي نجاد
إلى سحب ترشيحه في 9 نوفمبر بعدما وجه النواب تساؤلات عدة حول مصادر ثروته
الطائلة. أما المرشح الثاني فهو محسن تسلطي الذي فشل في الحصول على ثقة
البرلمان في 15 نوفمبر، على خلفية الشائعات الدائرة حول حصوله هو وزوجته
وابنتاهما على الجنسية البريطانية.
الخلاف داخل التيار المحافظ وصل إلى ذروته مع تصاعد الدعوة
إلى طرح الثقة في الرئيس وهي الدعوة التي يقودها بعض أقطاب الأصوليين داخل
مجلس الشورى، ومنهم الياس نادران زعيم تكتل الأصوليين في المجلس، وعماد
الدين أفروغ رئيس لجنة الأمن القومي بالمجلس الذي كان أحد المرشحين لمنصب
مزير الخارجية الذي آل إلى أحد المقربين من الرئيس وهو منوتشهر متقي.
وسط مجمل هذه الخلافات والأزمات يجدر السؤال: أين يقف
الإصاحيون في إيران الآن، وما هو موقفهم إزاء الأزمات الداخلية والخارجية
التي تواجهها إيران؟
الإجابة على هذه التساؤلات تفرض بداية ضرورة التعرف على
تداعيات هيمنة الأصوليين على السلطة على جبهة الثاني من خرداد التي كانت
تعتبر الإطار الأهم الذي جمع القوى الإصلاحية في إيران، باعتبار أن ذلك
يمثل خلفية مهمة يمكن من خلالها فهم حيثيات موقف الإصلاحيين إزاء التطورات
المتسارعة التي تشهدها إيران الآن.
جبهة الثاني من خرداد:
تمثل جبهة الثاني من خرداد (وهو تاريخ فوز الرئيس محمد
خاتمي بانتخابات الدورة السابعة لرئاسة الجمهورية في 22 مايو 1997) نموذجًا
لحالة السيولة في أنماط التحالفات والائتلافات التي تحكم التفاعلات بين
القوى السياسية الموجودة على الساحة السياسية الإيرانية، فوحدة تحليل
الحياه الحزبية في إيران لا تتمثل في الأحزاب الموجودة على الساحة، وإنما
في التيارات السياسية التي تنتمي إليها هذه الأحزاب، وقد كشفت الاستحقاقات
الانتخابية الماضية، وآخرها انتخابات الدورة التاسعة لرئاسة الجمهورية، أن
هذه الأحزاب تمثل اتجاهات تتنافس في إطار بناء سياسي واحد ولا تمتلك هيكلاً
تنظميًّا مستقرًّا، وقد ساهم وجود عباءة دينية تعمل في إطارها هذه الأحزاب
في إضفاء مزيد من الصعوبة في إيجاد حدود فاصلة فيما بينها.
وقد تكونت جبهة الثاني من خرداد من 18 حزبًا إصلاحيًّا،
والتي رغم ما بينها من تباينات نسبية بشأن أسلوب التعاطي مع بعض القضايا
الداخلية والخارجية، إلا أنها أجمعت على ترشيح الدكتور محمد خاتمي
لانتخابات الدورة السابعة لرئاسة الجمهورية في 22 مايو 1997، والتي فاز
فيها خاتمي على أحد رموز التيار المحافظ علي أكبر ناطق نوري، ثم جاءت
انتخابات الدورة السادسة لمجلس الشورى في عام 2000، لتُكرس سيطرة
الإصلاحيين على مفاتيح صنع القرار في إيران، والتي استكملت بفوز الرئيس
محمد خاتمي بفترة رئاسة ثانية في انتخابات الدورة الثامنة لرئلسة الجمهورية
التي أجريت في مايو عام 2001.
في هذه اللحظة بدا أن ثمة تحولات داخل القوى السياسية
الإيرانية، بدأت داخل التيار المحافظ، حيث بدأ صعود الجناح الأصولي من
التيار المحافظ على حساب الجناح التقليدي الذي تعرض للانتكاسات السابقة على
يد الإصلاحيين، هذا الجناح سرعان ما بدأ في تكتيل صفوفه أمام الإصلاحيين
سواء في الحكومة أو في مجلس الشورى، ثم سرعان ما بدأ في الصعود إلى السلطة
مع انتخابات الدورة الثانية لانتخابات مجالس الشورى المحلية (البلديات) اتي
أُجريت في فبراير 2003، وفاز فيها الأصوليون باكتساح لدرجة سيطرتهم على كل
مقاعد مجلس بلدية طهران الذي ترأسه في هذه الفترة محمود أحمدي نجاد رئيس
الجمهورية الحالي.
وقد توافق مع ذلك هبوط في شعبية الإصلاحيين في ضوء حالة
التململ الشعبي من عجز الإصلاحيين عن تنفيذ وعودهم خصوصًا فيما يتعلق
بتوسيع هامش الحريات ورفع مستوى المعيشة والقضاء على البطالة.
وكات انتخابات الدورة السابعة لمجلس الشورى التي أُجريت في
فبراير 2004، بمثابة بداية النهاية لجبهة الثاني من خرداد، خصوصًا في ظل
الأزمة السياسية التي سببتها قرارات المكاتب الرقابية التابعة لمجلس صيانة
الدستور برفض صلاحية أكثر من 2600 مرشحًا معظمهم من الإصلاحيين، وقد بدا أن
ثمة توترًا مكتومًا شاب العلاقات بين الرئيس محمد خاتمي وبعض كوادر جبهة
الثاني من خرداد، على خلفية اتهام هذه الكوادر للرئيس بانحرافه عن مبادىء
التيار الإصلاحي، وعدم ثباته على مبادىء الاستقلال والحرية والجمهورية
الإسلامية، وفوق ذلك كله انتقادهم للمرونة التي أبداها إزاء الأزمة التي
سببها مجلس صيانة الدستور وعدم اتخاذ موقف حاسم فيها. هذه الاتهامات دفعت
الرئيس خاتمي للرد بعنف عليهم في خطاب له أمام نواب الدورة السادسة لمجلس
الشورى المنتمين لجبهة المشاركة والذين قاموا بالاعتصام داخل المجلس
احتجاجًا على قرارات مجلس صيانة الدستور، حث أكد أنه إذا كانت لدى مجلس
صيانة الدستور حساسية تجاه بعض الإصلاحيين فالأمر يعود إليهم في الأساس
بسبب سياستهم وتوجهاتهم.
التوتر المكتوم في العلاقات بين الرئيس خاتمي وبعض كوادر
جبهة الثاني من خرداد دفع أحد منظِّري التيار الإصلاحي سعيد حجاريان لكي
يصف العلاقة بين الرئيس والإصلاحيين بأنها علاقة "انتقاد واتحاد" وليس
"اتحاد وانتقاد" ما يعني أن التباين أضحى سمة غالبة على العلاقات ين
الطرفين، على عكس ما كان قائمًا عندما تكونت جبهة الثاني من خرداد قبل
الانتخابات الرئاسية عام 1997.
ما سبق يكشف أن ثمة فرزًا جديدًا حدث داخل التيار الإصلاحي
بدأ على خلفية التباين في التعاطي مع الأزمة التي سببتها قرارات مجلس صيانة
الدستور، حيث انقسمت القوى المكونة لجبهة الثاني من خرداد إلى قسمين:
الأول : رفض المشاركة في الانتخابات احتجاجًا على هذه
القرارات وتأكيدًا على أن النية كانت مبيتة لإقصاء الإصلاحيين من الساحة،
ويأتي على رأس هذه القوى جبهة المشاركة- أكبر حزب داخل جبهة الثاني من
خرداد ويترأسه محمد رضا خاتمي شقيق الرئيس- ومنظمة مجاهدي الثورة
الإسلامية.
أما القسم الثاني فقد أكد على ضرورة المشاركة في الانتخابات
حتى في ظل القرارات التي اتخذها مجلس صيانة الدستور على أساس أن مقاطعة
الانتخابات تعني في المقام الأول إعطاء الفرصة كاملة للمحافظين للفوز
بأغلبية كاسحة فيها ، وهو أمر لا يصب في مصلحة التيار الإصلاحي، ويأتي على
رأس هذا الفريق مجمع روحانيون مبارز –الذي ينتمي إليه الرئيس خاتمي- وكوادر
البناء وبيت العامل.
هذا الفرز انسحب أيضًا على رؤية الإصلاحيين للواقع الجديد
الذي فرضه فوز المحافظين بانتخابات مجلس الشورى، فقد شكك الفريق الأول في
إمكانية تحقيق تفاهم بين مجلس الشورى الذي خضع لسيطرة المحافظين والحكومة
الإصلاحية، بينما رأى الفريق الثاني أن ثمة إمكانية في تحقيق تعاون بين
الطرفين خاصة في ظل الظروف العاصفة التي تمر بها إيران خاصة على الصعيد
الدولي على خلفية الضغوط الحالية المفروضة عليها بسبب الملف النووي.
فقدان التيار الإصلاحي للأغلبية التي كان يتمتع بها في
الدورة السادسة لمجلس الشورى الإسلامي كان يعني في المقام الأول أنه ليس
أمامهم سوى انتخابات رئاسة الجمهورية للحفاظ على بقائهم المحدود في السلطة،
ومن ثم تركز الهم الأول للإصلاحيين خلال الفترة التي أعقبت انتهاء
انتخابات مجلس الشورى الإسلامي حول اختيار المرشح المناسب للانتخابات
الرئاسية القادمة، والذي وضعوا محددات عدة يجب توافرها فيه حتى يحظى بإجماع
داخل التيار الإصلاحي، وأولها أن يكون متمتعًا بتقدير على المستويين
الشعبي والرسمي حتى يمكن تلافي إمكانية رفض مجس صيانة الدستور لملفه مثلما
حدث مع مرشحي التيار الإصلاحي خلال انتخابات مجلس الشورى الأخيرة، فالثمن
الذي يمكن أن يدفعه المحافظون في حالة قيام مجلس صيانة الدستور برفض ملف
هذا المرشح سوف يكوم باهظًا لدرجة يمكن أن تكون مانعًا أمام تنفيذ مثل هذا
السيناريو، وثانيها أن يكون متوافقًا من حيث الرؤى والتوجهات مع جبهة
الثاني من خرداد.
وقد وجد الإصلاحيون ضالتهم في المهندس مير حسين موسوي رئيس
الوزراء منذ أكتوبر عام 1981 وحتى يوليو عام 1989، حيث يتمتع في رؤيتهم
بمزايا لا تتوافر في غيره من المرشحين، فهو من ناحية نموذج للشخصية التي
تستطيع التمتع بإجماع داخل تيار الثاني من خرداد، أضف إلى ذلك أن فوزه في
الانتخابات سوف يشكل ضمانة للحفاظ على مكتسبات المرحلة الخاتمية (مايو
1997- مايو 2005)، والأهم من ذلك أن السمعة الطية التي يتمتع بها موسوي على
المستوى الشعبي منذ نجاحه في شغل منصب رئيس حكومة الحرب، سوف تجعل مسألة
ترشيحه عنصرًا دافعًا لارتفاع معدل المشاركة الشعبية في الانتخابات القادمة
وهو أمر يعتمد عليه الإصلاحيون كأساس لنجاحهم في الانتخابات القادمة. ولذا
قام أعضاء مجمع رجال الدين المناضلين (روحانيون مبارز) أبرز أعضاء جبهة
الثاني من خرداد بدعوة موسوي للترشيح في الانتخابات خلال المؤتمر الذي
عقدوه في أبريل الماضي بعد أن كان المجمع عازمًا على ترشيح زعيمه مهدي
كروبي للانتخابات، فيما أعلنت جبهة المشاركة (جبهت مشاركت) تأييدها لترشيح
موسوي.
لكن رغم ذلك رفض موسوي الترشيح في الانتخابات، الأمر الذي
أحدث انقسامًا قويًّا داخل جبهة الثاني من خرداد، حيث لم تستطع القوى
المنتمية للجبهة الاتفاق على مرشح واحد، ومن ثم اتجهت هذه القوى إلى تسمية
أكثر من مرشح، حيث رشحت جبهة المشاركة الإسلامية الدكتور مصطفى معين وزير
العلوم السابق، فيما رشح مجمع روحانيون مبارز (مجمع رجال الدين المناضلين)
أمينه العام ورئيس مجلس الشورى في دورته السادسة (2000-2004) مهدي كروبي.
وبدون شك فإن هذا الانقسام لعب دورًا مهمًّا في عجز المرشحين الإصلاحيين عن
الفوز بالانتخابات أو حتى الاستمرار إلى جولة الإعادة، التي حقَّق فيها
مرشح الجناح الأصولي من التيار المحافظ محمود أحمدي نجاد فوزًا كاسحًا على
هامشي رفسنجاني.
أين يقف الإصلاحيون الآن؟
انتهاء انتخابات الدورة التاسعة لرئاسة الجمهورية في يونيو
2005، بالفوز الكاسح الذي حققه مرشح الجناح الأصولي الدكتور محمود أحمدي
نجاد، كان له دور كبير في حدوث فرز داخل القوى الإصلاحية، حيث نجحت بعض هذه
القوى في الانسلاخ عن جبهة الثاني من خرداد التي انهارت بسبب الخلافات حول
خوض الانتخابات التشريعية أو مقاطعتها ، وكذلك فشلها في الانتخابات
الرئاسية، ورغم أن العمل الجبهوي بين هذه القوى يبدو متعثرًا، لكن يمكن
الحدث الآن عن قوى إصلاحية مميزة مستعدة لتجديد أدائها السياسي وهي:
1- مجمع روحانيون مبارز (مجمع رجال الدين المناضلين) الذي يرأس لجنته المركزية الرئيس السابق محمد خاتمي، ويتولى موسوي خوئيني ها إدارة الأنشطة التنفيذية ويقوم بدور بارز في إعادة تفعيل أنشطة المجمع وتطوير أدائه من أجل الاستعداد للاستحقاقات القادمة.2- حزب اعتماد ملي (الاعتماد الوطني) الذي يتزعمه مهدي كروبي رئيس مجلس الشورى السادس، ومرشح انتخابات الرئاسة الأخيرة، والذي استقال عقب انتهاء الانتخابات الرئاسية من منصب الأمين العام لمجمع روحانيون مبارز.3- جبهة الديمقراطية وحقوق الإنسان التي يتزعمها الدكتور مصطفى معين وزير العلوم في حكومة خاتمي السابقة ومرشح انتخابات الرئاسة الأخيرة.4- جبهة المشاركة بزعامة محمد رضا خاتمي شقيق الرئيس السابق محمد خاتمي، وهذه الجبهة تأتي في مقدمة الخاسرين في الانتخابات الرئاسية، حيث قامت بترشيح الدكتور مصطفى معين وزير العلوم في حكومة خاتمي السابقة.
لكن جبهة الاعتدال والتنمية التي شكَّلها حلفاء هاشمي
رفسنجاني في تنظيم كوادر البناء استطاعت، أكثر من غيرها، أن تفرض نفسها
كقوة سياسية مميزة قادرة على منافسة الأصوليين الذين يحكمون إيران الآن،
وربما يأتي تصعيد رفسنجاني الآن لأسباب منها ذلك الوزن السياسي المتصاعد
لجبهة الاعتدال والتنمية باعتبارها قوة قادرة على منافسة وموازنة قوة
الأصوليين الجدد.
استعداد مبكر لانتخابات مجلس الخبراء :
خلال استقباله جَمْعًا من أعضاء المجالس المركزية لمنظمة
مجاهدي الثورة الإسلامية في أول يناير الفائت أعرب رئيس الجمهورية السابق
رئيس المجلس المركزي لمجمع روحانيون مبارز محمد خاتمي عن قلقه من احتمال
دخول أشخاص لا ينسجمون مع الثورة إلى مجلس الخبراء، وهو الهيئة المنوط بها
تعيين وعزل المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية وتتكون من 80 عضوًا ينتخبون
من خلال الشعب، ويتوقع إجراء انتخابات مجلس الخبراء في إبريل القادم. وأضاف
خاتمي: "إنني واثق من أن هذه العناصر لا تقبل لا بالقائد ولا بالثورة ولا
بالدستور، وأشعر بالخطر الآن من تركيبة القوى بالنسبة لمستقبل الثورة
الإسلامية؛ لأنه قد تأخذ عناصر لا تنسجم مع الثورة بزمام المبادرة في مجلس
الخبراء".
شعور خاتمي بالخطر نابع في الأساس من الاستعداد المبكر لبعض
أطياف الجناح الأصولي من التيار المحافظ، خصوصًا جماعة آية الله مصباح
يزدي رجل الدين البارز في حوزة "قم" وأحد رموز جمعية الحجتية، التي تتبنى
مواقف متشددة في التعاطي مع القضايا الداخلية مثل الديمقراطية والحريات
العامة، والقضايا الخارجية مثل الملف النووي، إلى جانب موقفها السلبي من
ولاية الفقيه، حيث تعتقد أن ولاية عصر الغيبة على الشيعة ولاية ظاهرية
وليست ولاية مطلقة، كما هو حادث الآن بالنسبة لولاية المرشد علي خامنئي
المطلقة. وبالإضافة إلى ذلك، تعتقد هذه الجمعية في إمكانية إقامة الحكومة
الإسلامية الخالصة في عهد إمام الزمان، وهو ما يفسر أسباب الحديث المتكرر
للرئيس أحمدي نجاد، وهو أحد تلامذة مصباح يزدي، عن قرب عودة المهدي
المنتظر. الأهم من ذلك أن استعداد جماعة مصباح يزدي لانتخابات الرئاسة يكشف
أن منصب المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية أصبح الهدف القادم بعد أن سيطر
الأصوليون على مجمل مراكز صنع القرار في إيران، بل وربما يفكر مصباح يزدي
في أن يطرح نفسه بديلاً لخامنئي.
هذه الاحتمالات في مجملها كانت محط اهتمام الإصلاحيين،
خصوصًا مجمع روحانيون مبارز، الذي كلف أمينه العام محمد خاتمي بوضع برنامجه
لانتخابات مجلس الخبراء، وبدأ في البحث عن تحالف جديد، بعيدًا عن القوى
الإصلاحية التي كانت منضوية تحت لواء جبهة الثاني من خرداد، يستطيع من
خلاله تحقيق فوز مهم في انتخابات مجلس الخبراء القادمة. وفي هذا الإطار ثمة
احتمالين: الأول، أن يتحالف مجمع روحانيون مبارز مع مجمع المدرسين بحوزة
"قم". والثاني، أن يتحالف مع جمعية روحانيت مبارز (جمعية علماء الدين
المناضلين) التي تمثل الجناح التقليدي من التيار المحافظ، والتي سبق أن
انسلخ عنها المجمع بعد موافقة مؤسس الثورة الإمام الخميني. لكن يبدو أن
الاحتمال الأول هو الأقرب إلى التحقق، خصوصًا في ضوء التباين في التوجهات
التي تحكم سياسة كل من مجمع روحانيون وجمعية روحانيت، ورغم أن الأخيرة أبدت
استياءها من سياسات الرئيس أحمدي نجاد، إلا أنها في النهاية تتبنى مواقف
وتوجهات مناقضة لما يؤمن به مجمع روحانيون مبارز.
وقد أثارت التصريحات التي أدلى بها المتحدث باسم مجلس صيانة
الدستور عباس علي كدخدائي ، والتي أكد فيها أن عضوية مجلس الخبراء تشترط
وجوب صفة الاجتهاد في المرشحين، ما يعني عمليًّا حرمان مرشحين محتملين مثل
الرئيس السابق محمد خاتمي ورئيس البرلمان السابق مهدي كروبي واصلاحين
وبراجماتيين مثل الرئيس الأسبق هاشمي رفسنجاني، ومحتشمي بور، ردود فعل
عنيفة خصوصًا من جانب الإصلاحيين، الذين اعتبروا هذه الخطوة في حالة
تطبيقها تمهد لإقصائهم من الانتخابات مثلما حدث في انتخابات الدورة السابعة
لمجلس الشورى التي أُجريت في فبراير 2004، وكانت سببًا رئيسيًّا في
فقدانهم الأغلبية بالمجلس. ومع تصاعد حدة الجدل الساخن حول تفسير المواد
الدستورية الخاصة بصلاحية المرشحين لمجلس الخبراء، تراجع كدخدائي عن
تصريحاته مؤكدًا أن القضية بحاجة إلى بحث ودرس.
ماذا يعني ذلك؟
ما سبق في مجمله يكشف عن مضمون مهم مفاده أن فشل الإصلاحيين
في الحفاظ على رئاسة الجمهورية في انتخابات الدورة التاسعة التي أُجريت في
يونيو الماضي، يعني انتهاء الصراع داخل السلطة بين التيارين الإصلاحي
والمحافظ، لكنه لا يعني أن الصراع على السلطة انتهى بين الإصلاحيين
والمحافظين، فإذا كان المحافظون، وعلى الأخص، الجناح الأصولي منهم، قد نجح
في تكريس سيطرته على مفاتيح صنع القرار بدء من انتخابات مجالس الشورى
المحلية، مرورًا بمجلس الشورى الإسلامي، وانتهاء برئاسة الجمهورية، فإن ذلك
لا يعني أن الإصلاحيين يقفون مكتوفي الأيدي، صحيح أنهم لا يقفون حجر عثرة
أمام سياسات الأصوليين سواء الداخلية أو الخارجية، مثلما كان يفعل
المحافظون وقت أن كان الإصلاحيون يحكمون، لكنهم الآن في مرحلة إعادة بناء
الذات من أجل التعاطي بمرونة مع معطيات الساحتين الداخلية والخارجية،
اقتناعًا منهم أن الائتلاف الموسع للأصوليين الذي نجحوا من خلاله في تريس
سيطرتهم على السلطة ائتلاف مهترأ به من الخلاف أكثر ما به من اتفاق ،
وسرعان ما سيحدث الانقسام داخله على خلفية التباين في التعاطي مع القضايا
الداخلية والخارجية. ومن ثَم فهم مستعدون لالتقاط ثمار خلافات الأصوليين.